الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / قهوة مع إيزابيل الليندي و”حصيلة الأيام”

قهوة مع إيزابيل الليندي و”حصيلة الأيام”

قررت مؤخرًا، إعادة قراءة بعض أعمال الكاتبة الروائية إيزابيل الليندي. وفي اليوم التالي، وقفت أمام أرفف مكتبتي، أقلّب أعمال الثرثارة المبدعة –إن صح لي تسميتها بذلك- إيزابيل الليندي؛ فوقع نظري على مذكراتها، التي ترجمت إلى اللغة العربية عام (2008)، من قِبل المترجم صالح علماني، عن دار مدى، “حصيلة الأيام”. فقررتُ أن أعاود قراءة هذه المذكرات.
وفي هذه المرة، بدأت بقراءة الكتاب بأسلوب مختلف، فلم أكن سريعة في قراءته، بل كنت غاية في التأني أثناء قراءتي له. وذلك لأنّني اتخذت قرارًا أن أكون رفيقة إيزابيل في رحلتها هذه، أنتقل معها من حكاية لأخرى عبر أسطر الكتاب، الذي يُمثل حصيلة تجربتها في الحياة من بعد وفاة ابنتها “باولا”. وكان هدفي من ذلك أن ألمس شيئًا لم أستطع ملامسته في قراءتي الأولى للعمل. ونتيجة لذلك فقد تمكنت من اكتشاف عدة أمور، مثل مدى العمق الإنساني الذي تتسّم به مؤلفة “حصيلة الأيام”، وهو عمق شبيه بكثافة عمق أدغال الأمازون المستقرة في روحها، هذا إضافة إلى اكتشافي سحر عباراتها الشبيه بسحر أيام قارتها اللاتينية العجائبية.
ويعجب القارئ بمقولة الكاتبة التي تبدأ بها مذكراتها، وهي تؤكد أن “كلّ حياة يمكن أن تروى كرواية، وكل شخص منا هو بطل أسطورته الخاصة”. والإبداع في هذه المذكرات، أنها تعلّم معنى أن يكون الإنسان منفتحًا على الآخر بتسامح، ومعنى أن يتقبل كل ما تهبه الحياة بلا تذمّر؛ ولكن شريطة أن يتعلّم كيفية حمايته لنفسه، فيكون قويًا أمام معاكسات القدر له من حين لآخر؛ فالكاتبة تخبرنا فيما يختص بذلك، ضاربة المثل على نفسها، بقولها: “فمذ كنتُ طفلة، هيأتُ نفسي لحماية نفسي والسهر عليها”. إذن، فإيزابيل تعلمنا حبّ ذواتنا، الذي يدفعنا لحماية أنفسنا. والمتلقي يدرك من خلال هذه المذكرات قيمة التماسك الأسري ودفأه، وهو قيمة موجودة في حياة كل منا، ولكننا لا نتوقف عند هذه القيمة بامتنان كثير أو كبير. وتعلم، أيضًا، أن أهم ما في هذه الحياة هي الجرأة على المغامرة من غير أن نلتفت إلى العوائق وفي هذا نجدها تقول: “الآخرون يكونون خائفين أكثر منكِ، إنني أكرر هذه الكلمات كلما تعرّضت لموقف يبدو لي مخيفًا، ابتداء من قاعة محاضرات تغص بجمهور، [إلى] لحظات الوحدة”. من اللافت للنظر، أيضًا، أن هذه المذكرات، تعلمنا أن الحياة يجب أن تُعاش بشغف لتكون جميلة، وبخاصة أنها تحيا مرة واحدة على الأرجح، وأقول على الأرجح؛ لأن الكاتبة تميل إلى فكرة التقمّص إلى حد ما؛ ولكن إيمانها بالتقمّص لا يفتر إقبالها على الحياة بشغف، فنجدها تقول في “حصيلة أيامها”: “لكن أكثر ما يهم، أكثر من التدريب أو الحظ، هو القلب، لأن القلب الأشد شجاعة وتصميمًا هو الذي يأخذ الميدالية الذهبية. الشغف هذا هو سر الفائز”. ونجد أن هذه المذكرات، تؤكد أهمية تمسّك الإنسان بالحياة مهما كان حجم مآسي حياته، وعدم الاستسلام، كما فعلت كاتبة “حصيلة الأيام” عند مواجهتها لأحزانها بسبب وفاة ابنتها، فنسمعها تصف حالتها النفسية، وكيفية تغلبها على تلك الحالة بقولها: “انهيار مديد ومأساوي وضع شجاعتي على المحكّ، ولكنني تمكنتُ من النهوض…، نفضتُ الغبار عني واندفعتُ أعدو نحو المستقبل”. وبفضل “حصيلة الأيام”، ندرك أهمية العلاقات الإنسانية في حياتنا مثل الصداقات؛ فبدأتُ أشرعُ أبواب حياتي لاستقبال الجديد منها؛ مقتدية في ذلك بكاتبة المذكرات. وندرك، كذلك، أهمية الاعتراف بأخطائنا في الحياة، وعدم توجيه أي أحكام على تصرفات الآخرين.
كانت “حصيلة الأيام”، أكثر من مجرد كتاب يقرأ للمتعة بالنسبة لي، في هذه المرحلة من عمري، لأنه وباستحقاق كان معلمًا مهمًا لي. فقد أمسك برفق بيدي، وسمح لي أن أسير معه بتوءدة من صفحة لأخرى، غاسلاً كل الشوائب التي علقت بروحي في رحلة أيامي الممثلة لحصيلة تجربتي، وقد حدث ذلك بهدوء بلا افتعال معركة تذكر بيني وبينه.
وأكثر ما يثير الانتباه في هذه المذكرات، هو كيفية تحويل الكاتبة لحزنها على وفاة ابنتها إلى عمل إيجابي، فقد خصصت عوائد رواية “باولا” لإنشاء مؤسسة لرعاية النساء الضعيفات والأطفال. فهذا هو حال الأحزان العميقة والعظيمة، التي تنتج أعمالاً عظيمة. فليت لو أن كل الأحزان خلّدت بأعمال تعود بنفع عظيم، ولو على شريحة صغيرة من شرائح المجتمع.
والكاتبة لا تتردد، بذكر مواقفها السياسية المهمة في هذه المذكرات. فهي تذكر معاناتها ومعاناة أسرتها بسبب الديكتاتورية التي سادت تشيلي، بعد الإطاحة بعمها سلفادور الليندي وإعدامه، والذي كان رئيسًا للبلاد من عام (1970) إلى عام (1973). وهي، أيضًا، تذكر موقفها المعارض للاحتلال الأميركي للعراق، بوضوح وصراحة تامين. وهذا يُعد أمرًا طبيعيًا لكاتبة في وزنها الأدبي.
“حصيلة الأيام”، كتاب تجد فيه كل شيء، فإيزابيل تتحدّث فيه عن الحياة والموت وما بعد الموت، وعن عالم الأرواح والجن والعرافات والتقمّص. وهو عالم سحري قائم بذاته، فهو لا يمثل تجربة الكاتبة في الحياة بعد فقدانها لابنتها “باولا” فقط، وإنما يكشف أيضًا، عن ثقافتها اللاتينية التي اتسم بها أدب أميركا الجنوبية، بواقعيته السحرية. فإيزابيل الليندي، ما هي إلا حصيلة تجربة وثقافة تنتمي إلى الأرض التي خلقت فيها. فهذه المذكرات، كانت كرنفالاً زاخرًا بالحياة والحيوية، فينغمس القارئ في أجوائها بكثافة مع الكاتبة عبر الصفحات. فقد نجحـت الليندي في خلق صلة وعلاقة من نوع ما، مع قارئها. وهذا الأمر يُعد غاية من الغايات التي يطمح إليها الكتّاب؛ وتحقق بمنتهى السهولة لدى إيزابيل، فهذه “الحكواتية”، تتسم ببراعة لا تضاهى في السرد، وبخاصة في “حصيلة الأيام”.
وبعد الانتهاء من قراءة آخر صفحة من مذكرات إيزابيل، نشعر أننا قد تغيّرنا، ولن نعود –أبدًا- كما كنا في السابق؛ وأعتقد أن دور الأدب الحقيقي يكمن في مدى نجاحه بتحقيق هذا التغيّر الوجداني لدى قرّائه.
نعم … لقد استمتعتُ بتناول قهوتي كل مساء، لمدة أسبوع مع حكايات إيزابيل في “حصيلة الأيام” وأنهي مقالي بمقولة جميلة لها، وهي: “وأخيرًا، بعد تخفيف الحمولة وإجراء الحسابات، يتبين أن الشيء الوحيد المتبقي هو المحبة”.

د.سناء بنت طاهر الجمالية

إلى الأعلى