الأحد 18 نوفمبر 2018 م - ١٠ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / ولنا كلمة : آباء بحاجة لتأهيل

ولنا كلمة : آباء بحاجة لتأهيل

طالب الضباري

زمان كانت التربية بالمحاكاة وكان الابن يتعلم من أبيه كل صغيرة وكبيرة في كافة الأمور المتعلقة بالحياة، سواء الخاصة بأمور دينه أو دنياه وكيف يتعامل مع الآخرين من أفراد المجتمع، فخرج من ذلك الأسلوب التربوي الأبوي العملي الراقي رجال ونساء صنعوا من الصفر نهضة تنموية عملاقة استطاعت أن تؤثر في ويتأثر بها مجتمعات بعضها سبقها بسنوات والبعض الآخر أتى بعدها، واذا كان في ذلك فضل للآباء فان الجانب التعليمي مع بداية النهضة المباركة ساعد على غرس العديد من المفاهيم والأسس عبر مجموعة من الأدوات التي استخدمت في ذلك وفي مقدمتها المعلم الذي اختير بعناية وفق معايير ربما لم تأت بمحض الصدفة فمعظمهم إن لم يكن جميعهم في أعمار ناضجة ومارسوا دور الأبوة في أبنائهم، وبالتالي عكسوا ذلك من خلال تعليمهم للطالب تربويا قبل التعليم أو المواد الدراسية في الكتب، وكان دورهم مكملا لدور الأب والأسرة في المنزل فعلموا وهم صغار أي الطلبة كيف يحترمون الوقت ويؤدون واجباتهم اتجاه أنفسهم وأسرتهم ومدرستهم ومجتمعهم، وكيف يعتمدون على أنفسهم دون الحاجة الى مساعدة، اثبتوا نجاحا دراسيا ومهنيا على الرغم من واجباتهم الأخرى في المزرعة أو البحر أو الدكان عونا وسندا لآبائهم، أولئك من نستشعر وجودهم في كل منجز من منجزات هذا العهد الزاهر المبارك الذي أسهموا في وضع البدايات لكل شيء نراه الآن جميلا وشامخا يمثل ركنا أساسيا من أركان الدول الحديثة المعاصرة التي كانت ترسم بفكر القائد وتنفذ بهمة السواعد.
تلك مرحلة للأسف الشديد لم تستثمر بالشكل الصحيح لكي تستمر وانما توقفت عند من هم في الخمسينات الآن، الكثير منهم خلفوا من بعدهم أجيالا لم تستطع المحافظة على استمرار ذلك النهج القويم وتفشت الاتكالية بعد الاعتماد على النفس، فدب الهوان وبدأ التراجع في كل شيء اثر النعمة التي لم يراعوها حق رعايتها، وتغيرت المفاهيم التربوية وتباعدت الأدوار واختزلت الأسس والمفاهيم التربوية في البيت عند عاملة المنزل وفي المدرسة في الكتاب والمعلم صغير السن، فالأب الذي يفترض أن يتولى التربية أصبح مشغولا بأمور أخرى في العمل ومع الأصدقاء ما بعد العمل والأم هي الأخرى نسخة طبق الأصل من الأب عمل ومن ثم صديقات وتسوق شبه يومي من مركز تجاري الى آخر، وحولت بتصرفها ذلك الجنة من تحت أقدامها أقدام عاملة المنزل لديها، فخرج جيل اتكالي لايؤمن بالعمل كقيمة تبني وطن وتؤسس للابن أو البنت كيان مستقل، الأبناء في غالبهم يبحثون عن الأسهل من العمل الذي لا يبني فكرا ولا يطور أداء، أرادوا أن يكونوا أدوات تحركها الوسائل وليس قيادات تحرك الوسائل، لماذا لأن الآباء وهنا أعني الأب والأم اللذين ورثا تربية حقيقية انشغلا بمغريات الحياة ومتغيراتها؟ وأرادا أن يعوضا الحرمان المادي الذي عاشاه في زمن الآباء، لكن كان ذلك على حساب أجيال تركت ولاتزال حتى يومنا هذا صيدا سهلا لقشور ثقافات اثرت بماديتها في السلوك والقيم والعادات، فإلى متى سيدفع المجتمع ثمن تراجع أدوار الأبوين في عملية البناء المجتمعي السليم للأجيال؟.
الآلاف من الشباب من هم في سن العمل يبحثون عنه وهو متوفر ولكن يجب أن يكون بشروطهم، التي يشوبها في الكثير من الأحيان مرتكز التأسيس لمستقبل يبدأ من الصفر ثم يكبر لتحقيق الحلم أو الطموح، يحددون الأجر وطبيعة ومكان وساعات العمل والبعض الآخر يريد الحكومة كما ان البعض لايربد الوافد أن يديره وهو في المقابل لايريد ان يستقر ويستمر ويثبت وجوده ليدير احدا، وبالتالي فقد وصلنا الى مرحلة فعلا يحتاج فيها الآباء الى اعادة تأهيل حول كيفية ادارة الأسرة والأبناء والتقليل ان لم يكن الابتعاد عن بعض الممارسات اليومية التي أبعدتهم عن القيام بأدوارهم الأبوية في المنزل، واستلام مسؤولية التربية من عاملات المنازل التي تحولت الى أم بديلة غير قادرة على تعويض حنان الأم وهيبة الأب في المنزل، وفي المقابل كذلك لابد من إعادة النظر في من يقوم على التعليم في المدارس، فهي بحاجة إلى مربٍ قبل المعلم في مراحل التعليم الأولى حتى يتكامل دور الأسرة والمدرسة وبذلك يمكن ان نصحح سنوات من المسار الذي أورثنا منتجا غير قادر على التكيف مع الوضع الذي عليه المجتمع في الوقت الحالي، وما تطرأ عليه من أزمات اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية.

dhabari88@hotmail.com

إلى الأعلى