الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضل الانفاق في سبيل الله

فضل الانفاق في سبيل الله

المفتي العام للسلطنة : المالَ الذي يتكاثرُ به الناسُ ، ويتهالَكون عليه ؛ ما هو إلا محنةٌ وبلاءٌ ،وعنَتٌ وشقاءٌ إلا لمَن أخذَه من حلِّه ووضعَه في محلِّه
إعداد ـ أحمد بن سعيد الجرداني
مِن فضلِ اللهِ سبحانه وتعالى على عبادِه أنْ آتاهم هذا المالَ ، ثم اقترضَه منهم ؛إذ دعاهم إلى الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ ، وعدَّ ذلك قرضاً منهم

يجبُ على العبدِ أن يحرصَ على الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ سبحانه ، وأن يتقرّبَ إلى اللهِ تعالى بكلِّ ما ينفِقُه ،لا يبتغي بشيءٍ من ذلك سوى مرضاتِه عزَّ وجلّ

ونحن نتفيأ ظلال شهر رمضان الفضيل حري بنا نحن المسلمين أن نستذكر بعض ما قاله اهل العلم من مواعظ وخطب ومحاضرات ودروس ففي هذا اليوم ننشر هذه الكلمات التي قالها سماحة الشيخ العلامة احمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة في احدى خطبة والتي من الجدير بنا نشرها عبر هذا المنبر وهي من الدرر التي القاها في اعوام مضت … فمع المادة

الهمَّ شطْرُ الدرهمِ ، والنارَ شطْرُ الدينارِ

ايها المسلمون يقول سماحة الشيخ : المالَ الذي يتكاثرُ به الناسُ ، ويتهالَكون عليه ؛ ما هو إلا محنةٌ وبلاءٌ ،وعنَتٌ وشقاءٌ إلا لمَن أخذَه من حلِّه ووضعَه في محلِّه ، وناهيكم أنَّ الهمَّ شطْرُ الدرهمِ ، والنارَ شطْرُ الدينارِ ، وقد بيّنَ اللهُ سبحانه وتعالى كيف يتصرّفُ الإنسانُ في هذا المالِ ، فيجدرُ بهذا الإنسانِ الذي آتاه اللهُ تعالى مِن فضلِه أن يتقيّدَ في المالِ بما قيّدَه اللهُ سبحانه وتعالى به مِن أحكامٍ ، وألا يتجاوزَ حدودَ اللهِ لا في اكتسابِه ولا في إنفاقِه ؛ فإنَّ العبدَ يُسألُ يومَ القيامةِ عن إنفاقِ المالِ كما يُسألُ عن اكتسابِه ، لقد بيّنَ اللهُ سبحانه وتعالى ما يجبُ أن يُنفقَ فيه المالُ ، ووعدَ على ذلك ثواباً عظيماً ، وفضلاً جزيلاً ،وعدَ على ذلك أن يُخلفَ في هذه الدنيا بما هو خيرٌ ، وأن يُجازى في الدارِ الآخرةِبما هو أعظمُ خيراً وأبقى ، فاللهُ سبحانه وتعالى وعدَ بأنْ يخلفَ بالخيرِ لأولئكالمنفقين ، إذْ يقولُ عزَّ مِن قائلٍ : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُيَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً ( البقرة/268) ، فاللهُ سبحانه وتعالى يعِدُ بالمغفرةِ في الآخرةِ ، وبالفضلِومضاعفةِ العطاءِ للمنفقين في هذه الحياةِ الدنيا ، وناهيكم أنَّ اللهَ سبحانهوتعالى قرَنَ بين الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ والتصديقِ بما أنزلَ اللهُ في قرنٍ ،ووعدَ عليهما جميعاً ، كما أنَّه سبحانه وتعالى جمعَ بين البخلِ والتكذيبِ بماأنزلَ وتوعّدَ عليهما جميعاً ، فقد قالَ سبحانه وتعالى : فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُلِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَبِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( الليل/5 ـ 10) .

مِن فضلِ اللهِ سبحانه وتعالى على عبادِه

وبين سماحة الشيخ المفتي العام للسلطنة : إنّمِن فضلِ اللهِ سبحانه وتعالى على عبادِه أنْ آتاهم هذا المالَ ، ثم اقترضَه منهم ؛إذ دعاهم إلى الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ ، وعدَّ ذلك قرضاً منهم ، ووعدَهم أنيُضاعِفَ لهم الجزاءَ ، يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى : مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُأَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( البقرة/245) ، ويقولُ تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًاحَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَخَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ( المزمل/20) ، ذلك كلُّه من فضلِ اللهِ سبحانه ، وقد بيّنَ سبحانه وتعالى مضاعفةَالأجورِ للمنفقين بما ضربَه من المثَلِ في كتابِه العزيزِ تقريباً للأفهامِ ، إذْيقولُ عزَّ مِن قائلٍ : مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِحَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُيُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة/261) ، وهذا المُنفِقُ الذي ينفقُ في سبيلِ اللهِ إنما ينفقُ من مالِ اللهِتعالى الذي آتاه ، فليس له أن يستعليَ على المُنفَقِ عليه ، وأن يمنَّ عليه بهذاالإنفاقِ ، وإلا أُحبِطَ عملُه ، ولذلك يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى : الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِاللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْأَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*قَوْلٌمَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ*يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَىكَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِالآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌفَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( البقرة/262 ـ 264) ، هكذا يبيّنَ لنا اللهُ سبحانه وتعالى هذا المثَلَ العجيبَ فيأولئك الذين ينفقون أموالَهم ، ثم يُتبِعون ذلك المنَّ والأذى ، ويُراؤون بإنفاقِهذه الأموالِ ؛ إذ لا يبتغون بها وجهَ اللهِ سبحانه وتعالى ، يضربُ اللهُ سبحانهوتعالى في هؤلاء هذا المثَلَ العجيبَ ، فمثلُهمكَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًالاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ، ومعنى ذلك أنَّه ليس وراءَ هذا الإنفاقِ أيّةُ نتيجةٍ ، ولا أيّةُ فائدةٍ ؛لأنّ الصفوانَ الذي عليه طبقةٌ خفيفةٌ من الترابِ لا يُنبِتُ شيئاً ؛ خصوصاً عندمايصيبُه الوابلُ ، فيمسحُ على هذه الطبقةِ الخفيفةِ من الترابِ ، ويبقى ذلك المنظرُالكالحُ القبيحُ ، ويبيّنُ لنا اللهُ سبحانه وتعالى شأنَ أولئك الذين يُنفقونأموالَهم ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ وتثبيتاً من أنفسِهم إذْ يقولُ : الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًامِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْأُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَاتَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( البقرة/265) ، واللهُ سبحانه وتعالى حضَّ على الإنفاقِ من طيّباتِ الأموالِ ؛ لأنَّالإنسانَ الذي يبتغي وجهَ اللهِ سبحانه وتعالى ، ويحرصُ على مصلحةِ نفسِه عليه أنيُقدّمَ المالَ الصالحَ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْوَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُتُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّاللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( البقرة/267) .
ويبيّنَ لنا اللهُ سبحانه وتعالى أنَّ كلَّ ما يُنفقُه العبدُ إنما يعودُإليه : وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْوَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ( البقرة/272) ، فالإنسانُ الذي ينفقُ في سبيلِ اللهِ إنما يُنفقُ على نفسِه ؛ لأنَّعاقبةَ هذا الإنفاقِ ترجعُ إليه ، أما المُنْفَقُ عليه فإنّه يستمتِعُ بما يُعطى فيهذه الحياةِ الدنيا ، وإنما يُؤجرُ على ذلك إنْ شكرَ اللهَ تعالى على هذه النعمةِ ،وتصرّفَ أيضاً في المالِ بحسبِ ما أمرَه اللهُ سبحانه وتعالى أن يتصرّفَ فيه ، وقدبيّنَ لنا اللهُ سبحانه وتعالى السُّبُلَ التي يجبُ أن يُنفَقَ فيها المالُ ، وفيهذا البيانِ ما يدلُّ على أنَّ الإنفاقَ يكونُ خاصّاً ، ويكونُ عامّاً ، والإنفاقُالعامُّ يكونُ منظَّماً وغيرَ منظَّمٍ ، فالإنفاقُ الخاصُّهو الإنفاقُ على العِيالِ ، والإنفاقُ العامُّ هو سائرُ الإنفاقِ ، وهو ينقسمُ إلىقسمين : قسمٍ منظّمٍ ، وقسمٍ غيرِ منظّمٍ ، فالإنفاقُ المنظّمُ هو الزكاةُالمشروعةُ التي فرضَها اللهُ سبحانه وتعالى في أصنافٍ مخصوصةٍ من المالِ بنسَبٍمبيّنةٍ مخصوصةٍ إذا بلغتْ مقداراً مخصوصاً ، والإنفاقُ العامُّ هو الإنفاقُالخارجُ عن الزكاةِ ، وهو يجبُ على المسلمِ إذا لم تسدَّ هذه الزكاةُ حاجاتِالفقراءِ والمساكينِ وسائرِ المسلمين ، فاللهُ سبحانه وتعالى يقولُ : لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِوَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِوَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِيالْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَوَفِي الرِّقَابِ ( البقرة/177) ، هذه حقوقٌ من غيرِ الزكاةِ بدليلِ قولِه سبحانه وتعالى من بعد : وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ( البقرة/177) ، فيجبُ على المسلمِ أن يُنفِقَ من المالِ من خارجِ الزكاةِ إذا لمتسدَّ الزكاةُ حاجاتِ الفقراءِ والمساكينِ ، فليس من الإيمانِ في شيءٍ أن يبيتَالمسلمُ وهو شبعان ، وجارُه جائعٌ محتاجٌ إلى هذا المالِ.

ومن ينفِقْ فإنّما ينفِقُ على نفسِه

ودعا سماحة الشيخ المسلمون إلى تقوى الله فقال فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، وآتُوا المالَ علىحبِّه ذوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين وفي الرقابِ ،آتُوهم ممّا آتَاكم اللهُ سبحانه وتعالى من هذا المالِ ، وأنفِقُوا مما جعلكممستخلفين فيه ، وراقِبُوا أنفسَكم في سريرتِكم وعلانيتِكم ، واقصِدُوا بالإنفاقِوبسائرِ وجوهِ البرِّ وجهَ اللهِ سبحانه وتعالى الذي منَّ عليكم بالخيرِ ، وآتاكمما آتاكم مِن فضْلٍ .

فقدرُوِيَ في الحديثِ عن رسولِ اللهِأنّه : «ما مِن يومٍ تطلعُ شمسُه إلاوملِكٌ ينادي اللهمَّ أعطِ مُنفِقاً خلَفاً وأعطِ مُمسِكاً تلفاً»، فمن يبخلْ فإنما يبخلُ عننفسِه ، ومن ينفِقْ فإنّما ينفِقُ على نفسِه ، فيجبُ على العبدِ أن يحرصَ علىالإنفاقِ في سبيلِ اللهِ سبحانه ، وأن يتقرّبَ إلى اللهِ تعالى بكلِّ ما ينفِقُه ،لا يبتغي بشيءٍ من ذلك سوى مرضاتِه عزَّ وجلَّ ، فبحسنِ النيةِ يكونُ الإنفاقُالعاديُّ الذي ينفقُه الإنسانُ على نفسِه ، وينفقُه على عائلتِهمنالقرُباتِ التي يتقرّبُ بها العبدُ إلى اللهِ سبحانه وتعالى ، وقد جاءَ في حديثِرسولِ اللهِفي تعدادِ أنواعِ الصدقةِ : «حتى ما تجعلُه في فيّ امرأتِك»، ذلك كلُّه معحسنِ النيةِ ، وصلاحِ الحالِ ، والاستقامةِ في الباطنِ وفي الظاهر.
ِ

إلى الأعلى