الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حقوق الإنسان من خلال مؤلفات أهل عمان

حقوق الإنسان من خلال مؤلفات أهل عمان

الأغبري : من حقوق المسلم أن يبش في وجهه إذا لقيه، وليس كما يقع من بعض الذين ينتسبون إلى التدين، يلقون الناس بوجوه مكفهرة عابسة، يتجنبون إلقاء السلام
ـ عُني العمانيون بجوانب حقوق الإنسان تنظيرا وتطبيقا، فالتنظير من خلال ما ألفوه من كتب على مختلف العصور

ـ أوضاع بعض المسلمين في مناطق مختلفة من العالم لا تسر بسبب ما يلاقيه المسلمون من ويلات

كتب التراث العماني تضم كما كبيرا من الوصايا التي تشدد على ضرورة عدم انتهاك الأموال

إعداد ـ احمد بن سعيد الجرداني

ندوة تطور العلوم الفقهية الثالثة عشر جاءت هذا العام بعنوان ( الفقه الاسلامي المشترك ..الانساني والمصالح
) وحول ما قدم في هذه الندوة من بحوث واوراق عمل كانت لنا هذه التساؤلات من خلال قراءتنا لهذه الورقة ففي هذا اليوم نقدم لكم ايها الاخوة القراء بحث بعنوان (حقوق الإنسان من خلال مؤلفات أهل عمان
) للدكتور إسماعيل بن صالح بن حمدان الأغبري فمع الموضوع..

في البداية حقوق الإنسان من الأمور المهمة في حياة البشر هل لكم من كلمة حول هذا ؟

ليس بخاف على ذي لب أهمية حقوق الإنسان، المادية منها والمعنوية، فالله اصطفاه من دون سائر المخلوقات، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }الإسراء70 وسخر له الكائنات ما في البر والبحر معا {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ }لقمان20 بل خلقه في أحسن هيئة وعلى أجمل منظر {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }التين4 أسجد له الملائكة الكرام، تشريفا له وتفضيلا إن سلك المحجة البيضاء.
عُني العمانيون بجوانب حقوق الإنسان تنظيرا وتطبيقا، فالتنظير من خلال ما ألفوه من كتب على مختلف العصور، وأما التطبيق فمن خلال تعاقب الدول التي نشأت منذ عهد الإمام الجلندى بن مسعود عام 132هـ ثم دولة اليعاربة ثم الدولة البوسعيدية وما بين هذه الدول ممن تولى نظام الحكم في عمان.
التعمق في الحديث عن حقوق الإنسان جاء في وقت يعتدي فيه الإنسان على أخيه الإنسان، يستبيح دمه وماله وعرضه، ولا يوفر لحمه بقول وعمل.
إن المشاهد التي تعرضها الشاشات يوميا لتستصرخ العقلاء من هذه الأمة ومن سائر الأمم إلى التحاكم إلى وصايا الشريعة الإسلامية التي شددت أيما تشديد جراء انتهاك حقوق الإنسان، ومن المؤسف أن ينتهك المسلم حق أخيه المسلم، في الحياة، يتمثل ذلك في إزهاق روحه، كما يتعدى على ماله بالسلب والنهب والحرق والتدمير، تحت ذرائع شتى، ودعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، يشهر سيف التكفير في وجه أخيه، لمجرد اختلاف في الرأي، وتباين في التفكير.
إن أوضاع بعض المسلمين في مناطق مختلفة من العالم لا تسر بسبب ما يلاقيه المسلمون من ويلات العدوان على حق الحياة وسائر الحقوق من تشريد وطرد وإبعاد وتهجير.
لقد أنشأ العالم المنظمات الإقليمية والدولية التي تعتني بحقوق الإنسان وترصد تلك الانتهاكات، وهي تتوسع للأسف يوما بعد يوم.
إن تضامن الدول كافة والمنظمات الدولية والإقليمية والشعوب مما يساهم في ترسيخ الحقوق.
إن هذه الندوة المباركة لم تزل تتخير كل عام مواضيع ذات صلة وثيقة بواقع الإنسانية، تعالج الأمور وفق أسس وآليات علمية، بعيدة عن الصخب والعواطف والضجيج.

الحقوق العامة
هل لكم من جولة تاريخية في كتب تراث الأولين حول الحقوق العامة ؟

لم تغفل كتب التراث العماني من تعداد الحقوق العامة التي ينبغي أن تسود بين الناس، ولعلنا نختار ما ورد منها عند العلامة سلمة بن مسلم العوتبي ( ق5هـ) فقد أورد بعضا من هذه الحقوق العامة: ( … أن يغفر ذنبه، ويرحم عبرته، ويقيل عثرته، ويستر عورته، ويرضى صحبته، ويحفظ خلته، ويعوده في مرضته، ويحضر موتته، ويشهد جنازته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسه، ويرد سلامه، ويرشد ضالته، ويطيب له كلامه، ويبدي إنعامه، ويتولاه، ولا يعاديه، وينصره ظالما أو مظلوما، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكرهه لنفسه)
فمن حقوق المسلم أن يبش في وجهه إذا لقيه، وليس كما يقع من بعض الذين ينتسبون إلى التدين، يلقون الناس بوجوه مكفهرة عابسة، يتجنبون إلقاء السلام، وإذا سلم عليهم أحد لم يردوا عليه، وإذا عطس لا يشمتوه، وهذا مما يشوه الإسلام، ويرسم صورة قاتمة عن الإسلام وأهله.
إن الجفاء وعدم الابتسامة في وجوه الخلق، وتجنب البشاشة تحت ذرائع شتى منها ما يسمى بالابتداع أو التقصير في الدين هو مما ينفر عن الدين الإسلامي الحنيف، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُرو عنه جفاء في الطبع، ولا غلظة في القول، ولا عبوسا مع الناس أي كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وصدق الله تعالى إذ يقول {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159.
إن سوء الخلق وغلظة الطبع مما يتنافى مع أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }فصلت34.
إن سوء الخلق يتنافى مع حقوق الناس العامة، ويصادم قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وخالق الناس بخلق حسن) ومن عجائب الأمور أن يزعم شخص أنه على الاستقامة في الدين، وهو مائل عنها إلى غيرها، بسوء المسلك، وقبح التصرف.
حرمة التعدي على أموال الناس ولو كانوا بغاة

في الختام هناك كتب تضم مجوعة من الوصايا حول من يتعدى على حقوق الآخرين في الأموال والممتلكات وغيرها من الأمور هل لكم من كلمة في هذا الجانب ؟
إن كتب التراث العماني تضم كما كبيرا من الوصايا التي تشدد على ضرورة عدم انتهاك الأموال ولو كانت أموال بغاة، لأن مال الباغي ولو كان سلاحا لا يغنم، وإنما مرده إلى ورثة الباغي إن هلك، ومن ذلك:
رفض الإمام الجلندى بن مسعود تسليم ميراث شيبان للخليفة العباسي
وتتلخص القصة أن شيبان الصفري قدم عمان، هاربا من جيش السفاح العباسي، الذي يقوده خازم بن خزيمة، فلما وصل يطلب قتل شيبان، وجد أن الإمام الجلندى بن مسعود ( ت134هـ) قد أبى نزول شيبان أرض عمان، وهو يدين بتكفير من خالفه، ولكن شيبان أبى الرحيل، فوقع القتال، وقتل العمانيون شيبان، وخلف شيئا من المال، فقال خازم قد كنت أطلب شيبان ولكن كفيتمونا أمره، ثم إني أطلب ما تركه شيبان، إلا أن الإمام الجلندى أبى تلبية طلب خازم، ذلك أن العمانيين لم يقاتلوا شيبان على أنه خارج عن الإسلام، بل هو باغ، ومال الباغي لا يحل، بل يؤول لورثته، لكن شيبان أصر أيما إصرار على طلبه، استشار الجلندى علماء زمانه ـ وهو منهم ـ ومنهم هلال بن عطية الخراساني وشبيب بن عطية العماني وخلف بن زياد البحراني، ويبدو أنهم خافوا على دولتهم الناشئة من الانهيار على يد جيش السفاح، فأشاروا إلى الإمام بأن يسلم ما تركه شيبان إلى خازم، وما يرضيه من المال، على أن يضمن العمانيون ويدفعوا قيمة ما تركه شيبان من بيت المال، فوافق الجلندى بن مسعود
قال العلامة نور الدين السالمي:
ومال أهل البغي لا يحل وإن يكن قوم له استحلوا
خوارج ضلت فصارت مارقة من دينها صفرية أزارقة
فعرضوا للناس بالسيف كما قد استحلوا المال منهم مغنما
وأمة المختار فارقتهم وضللتهم وفسقتهم
ثم بين السالمي أن الصحابة لم يستحلوا غنائم مسلم، فقال:
ولم يكن غنم بيوم الجمل ويوم صفين وسبي من علي
كذاك يوم الدار أيضا لم يكن سبي ولا غنم فكيف يقبلن
فعلهم الحجة فيما فعلوا ونقلهم له فيما قد نقلوا
نكتفي بهذا القدر ولنا تواصل بإذن الله ومن ارد الزيادة فعليه الرجوع إلى اصل البحث..

إلى الأعلى