الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مسلسل تتكامل فيه عوامل الإثارة

مسلسل تتكامل فيه عوامل الإثارة

علي عقلة عرسان

لم يخل مسلسل ترامب، من مغريات ومُبهجات تغري من يتابعون فضائح المشاهير، فقد أعلن محاميه مايكل كوهين، في بيان نشرته صحيفة نيويورك تايمز، “أنه قام بدفع مبلغ 130 ألف دولار من أمواله الخاصة إلى الممثلة الإباحية ستيفاني كليفورد المعروفة بستورمي دانيالز، التي قالت إنها أقامت علاقة مع قطب العقارات ترامب عام 2006.”، فبطل المسلسل مغامر من نوع خاص أيضا.

المسلسل الأميركي بعنوان “ترامب رئيسا”، مشوِّق جدا، ويحقق ما لم يحققه، ولن يحققه مطلقا، شريط سينمائي، أو مسلسل تلفزوني من أي نوع، فعائداته بمئات المليارات من الدولارات حتى الآن، والحبل على الجرار. حوادثه تمتاز بتوالي المَد والجَزْر، تتصاعد حاملة خطورة تجعلك تشهق من الرّعب، وتشدك إلى الحدث القادم بما يشبه الذهول، وبجاذبية ملحوظة، ثم يأتي حدث يشبه التخفيف من أصر الفاجعة، فيهوي بك درجات، فتشعر باهتزاز داخلي عنيف، كأنك على متن طائرة في تيارات ريح قوية، تلعب بها صعودا وهبوطا. وينشد ملايين المتابعين إلى هذا النوع من الأحداث التي كثيرا ما تقف عند شفير الهاوية، وعند بهلوانيات رسمية، تخالها ألاعيب “أكروبات”، لكنها تنجلي عن ألوان متداخلة، ويتفاعل المتابعون مع الأقوال والأفعال، ويشاركون في التوقعات، يخطئون أحيانا ويصيبون، ويفجعون في معظم الوقت أو ينفجرون بالضحك.. لكنهم يشاركون مشاركة متميزة، ويبقون أوفياء للمسلسل. لو لم يكن دونالد ترامب، بطل هذا المسلسل، رئيسا لأعظم دولة في العالم، لكان بهلوانا جذابا لا يُجارى، لا سيما وهو يحرص على فن شد المتابع إليه، بغباء أو ذكاء أو خداع، ويعطي الصراع، الذي هو عَصَب الدراما، أهمية قصوى، ويشد متابعيه بحباله المشدودة بين المُجون والجنون، فيعيشون ملهاة سوداء، وينتظرون تطورها.. وهذا يعطي لهذا المسلسل حيوية وجاذبية، في إطار واقعية سياسية، تبدو تخبطية.. ولكنها رغم ما فيها من شوائب، تبدو انتهازية مُجزية من نوع فريد، وابتزازية “ناجعة ـ فاجعة”، بشكل غير مسبوق، وذات عائدات مالية خيالية.. جاذبة لكثير من الزبائن والضحايا والمتابعين والمحللين والـ… وذات أبعاد متنوعة. وفي حلقات المسلسل إياه، غنى في المعاني، والمرامي، والدِّلالات، والأساليب، والوسائل.. والكثير من الشر والإبهار، الأمر الذي يضعك، بوصفك متابعا معنيا، على حافة الشك في تصنيف ما تتابعه، أهو نتاج عبقرية، أم نتيجة فرط نرجسية مَرَضية، أم بهلوانية في سيرك سياسي، يفوق فنون البولشوي، وسيرك موسكو المشهور، ومهارات اللاعبين الصينيين الأفذاذ، ومنتجات هوليود بطبيعة الحال؟! ولا تكاد تنتهي ذروةٌ من ذرى الحماقة المُجزية، أو الغفلة الفخ، حتى تبدأ أخرى تعلوها درجة فدرجة.. ولا تكاد تنتهي “تغريدة على تويتر” تحمل قرارا بطرد، أو شتم، أو تهديد، أو وعيد، أو.. أو.. حتى تبدأ أخرى.. وكثيرا ما ينساق بطل المسلسل، نتيجة استفزاز بعض المعنيين جدا، والمتابعين بإخلاص، لما يقوم به بطل المُسلسل، إذ يقول له “ستذهب إلى مزبلة التاريخ” مثلا.. حتى يستنفِر، ويستبد به الانفعال، فيرد بما يقربه من الجنون.. إنها “دراما عَظَمَة”، كما في التعبير المَصري المعروف والمُحَبَّب.
وقد أدَّت المتابعات المَسؤولة، لمجريات الأقوال والأفعال المرصوفة الموصوفة، منذ سنة ونيِّف، على بدء المسلسل، إلى “رَجَّاتٍ” عنيفة في الشارعين السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة الأميركية خصوصا، وفي أماكن مختلفة من العالم، بصورة عامة.. الأمر الذي دفع أميركيين معنيين، سياسيين، ونوابا في المجلسين، وقضاة وإعلاميين، إلى المطالبة بفحص أهلية لحاكم كبير، وليس لبطل مسلسل جذَّاب، أو بهلوان ناجحٍ جدا.. وقد وافق البطل ذاته، على أن يخضع لفحص طبي شامل.
وضمن التحرُّك السياسي الذي مهد للمطالبة بفحص دقيق من هذا النوع، للحكم على “أهلية الشخصية المعنية بالقيادة التاريخية”، أو واكبها، أو تلاها.. ضمن ذلك التحرّك، أجمعت الآراء، كما نقلت صحف ووكالات أنباء وفضائيات، أميركية وغربية، وعربية: “على أن ترامب يعاني حقيقة من اضطراب نفسي نرجسي”. وهذا أكثر خطورة بكثير من مجرّد مرض نرجسي. ووفقا لمايو كلينيك، “فإن هذا الاضطراب، يعتبَر حالة عقلية يشعر فيها الناس بأهميتهم الخاصة بشكل مبالغ فيه، وبالحاجة العميقة للاهتمام والإعجاب المفرطيْن، وبالعلاقات المضطربة، وعدم التعاطف مع الآخرين”. وعلاوة على ذلك؛ فإن “وراء قناع من الثقة القصوى، يكمن تقدير الذات الهش، الذي يكون عرضة لأدنى الانتقادات”، وهو ما تعكسه تصرفات ترامب اليومية.
وقد جاء في كتاب مايكل وولف، النار والغضب داخل البيت الأبيض لدونالد ترامب، أنه: “بعد الثامنة مساء بقليل، ليلة الانتخابات ـ عندما بدا أن المنحى الذي لم يكن متوقعا ـ يشير إلى أن ترامب قد يفوز ـ أصبح مؤكدا، قال دون جونيور لأحد الأصدقاء: إن والده، أو كما يناديه اختصارا دي.جي.تي، بدا وكأنه شاهد شبَحا. وكانت ميلانيا تذرف الدموع ـ ليس دموع الفرح”..”وفي غضون ما يزيد عن الساعة بقليل، وبحسب مشاهدات ستيف بانون المستاء، بدأ ترامب المرتبك يتحول إلى ترامب غير المُصدِّق، ثم ترامب المذعور. لكن بقي التحوّل النهائي: فجأة أصبح دونالد ترامب رجلا يصدِّق أنه يستحق أن يكون رئيس الولايات المتحدة، وقادر على أن يكون رئيسا”. (عن الأندبندت البريطانية ـ الخميس ٤ يناير ٢٠١٨).
ومن الطبيعي أن يستغل السياسيون وغيرهم من المتطلعين للشهرة والسلطة والنجاح، ومن المناوئين لبطل المسلسل المُربح الجَذاب.. من الطبيعي أن يستغلوا هذا الوضع أحسن استغلال، فينبشوا تاريخ البطل ـ البهلوان ـ الماكر، ويعلنوا رأيا فيه، داعين إلى تصرّف حيالَه.. وكانت ردود أفعال ترامب على تلك الآراء والمواقف والانتقادات، وعلى الحفريَّات في ماضيه القريب، تؤكد ما ذهب إليه التحليل والتنظير حول شخصيته.. ومما قيل في هذا المَجال: “إن الرئيس ترامب يعاني من بداية الخَرَف”.. ووفقا للمرجعية الطبية الحديثة الموثوق بها، “فإن أعراض الخرف تشمل الإثارة، والعدوان، والأوهام، والهلوسة، واللامبالاة، وفقدان السيطرة”. وقد أبدى مسؤولون كبار، قرَّبهم ترامب منه، ووثق بهم، وأسند لهم المناصب العليا في إدارته، ثم أبعدهم بأسلوب فج، يوحي بعدوانية مرَضية، أو بحالة دفاع عن النفس، لشخص محاصر في الزاوية.. فحين انتقد ستيف بانون قرار ترامب بالتعامل مع قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، وقال إن قرار ترامب بطرد جيمس كومي من إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي “أسوأ قرار في تاريخ السياسة الحديثة”.. أصدر ترامب بيانا يندد فيه بالتصريحات التي أدلى بها ستيف بانون، وقال إن المُخطِّط الاستراتيجي السابق في البيت الأبيض “فقدَ عقلَه”.. وقد استبدله بغيره، واستبدل آخرين أو طردهم، لاعتراضهم على أسلوبه، ومنهم من طُرِد بطريقة مهينة، مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، الذي علِم بخبر إقالته من منصبه، عندما قرأ تغريدة الرئيس دونالد ترامب في تويتر.. وكان تيلرسون قد وصف ترامب، بعد خبرة وتعامل معه، بأنه “أبلَه”.. وقد طرد ترامب موظيفا في الخارجية، تعاطف مع تيلرسون.
ولم يخل مسلسل ترامب، من مغريات ومُبهجات تغري من يتابعون فضائح المشاهير، فقد أعلن محاميه مايكل كوهين، في بيان نشرته صحيفة نيويورك تايمز، “أنه قام بدفع مبلغ 130 ألف دولار من أمواله الخاصة إلى الممثلة الإباحية ستيفاني كليفورد المعروفة بستورمي دانيالز، التي قالت إنها أقامت علاقة مع قطب العقارات ترامب عام 2006.”، فبطل المسلسل مغامر من نوع خاص أيضا.
وكل هذا لا يكاد يُذكَر، حيال مواقف سياسية وتصريحات غير مدروسة، للبطل العبقري، تتصل بالعلاقات والمواقف والصراعات والسياسة الدولية. ومما يشار إليه في هذا المجال، وهو مجال غني جدا بالمعطيات المشوّقة، تصريح ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال: إنه سيمسح كوريا الشمالية من خريطة العالم، الأمر الذي دعا كيم جونج للقول “إن ترامب فقد عقله”، لكن هذا الفصل الذي تبارى فيه الرئيسان بالإشارة إلى لوحة المفاتيح النووية التي لكل منهما، انتهى إلى النقيض مما ارتفع إليه من تهديد، حيث قرر ترامب الاجتماع إلى الرئيس الكوري الشمالي، بعد أن لاحظ تقاربا بين الكوريتين، بعد خمسة وستين عاما من العداء بينهما، ومنعهما بصور شتى من التقارب والتفاهم. وهذه “الشَّقلَبَة” السياسية ليست فريدة في بابها، فبعد أن أعلن الرئيس عن محاور جديدة للشر في العالم، وصف روسيا الاتحادية والصين بأنهما عدوان استراتيجيان للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وأعلن حربا تجارية على الصين، ثم عاد لطرح موضوع التعاون معها في هذا المجال.. وأعلن عن فرض رسوم جمركية على مواد تسوردها بلاده من دول أروروبية، مثل الحديد والصلب، ثم عاد ليخترق ذلك بصورة ما..
على أن هذا ونماذجه، مما يحصل من فعل في الداخل والخارج، ومع دول الجوار، والمؤسسات الدولية.. لا يماثله في شيء ثباته على أمور أخرى بدرجة لافتة جدا جدا للانتباه، على الرغم مما فيها من خروج صارخ على القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، والقيم الإنسانية، وما يتصل بالأمن الدولي والسلام.. ومعظم ذلك، أو كله يتصل بموقفه الحميمي أو بالأحرى متماهيه التام مع الكيان العنصري الإرهابي الصهيوني. وتجده في كل ما يتصل بذلك “حصيفا وثابتا ومخادعا وداهية”، ولا شك في أن مواقفه تلك، في هذا المجال، محكومة أو مسنودة، بموقف القوة الخفية المهيمنة على السياسة الأميركية، والمؤسسات، وهي القوة النافذة، ومدعومة، أو مملاة.. من النفوذ العنصري ـ الصهيوني ـ التلمودي الداخلي والخارجي.
ومما يشار إليه من مواقف وسياسات وقرارات وتوجهات في هذا المجال:
١ – إعلانه أن القدس عاصمة لكيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل”، في تجاوز تام للإجماع الدولي، وقرارات مجلس الأمن، وهيئة الأمم المتحدة، والمؤسسات الدولية الأخرى.
٢ – دعمه المطلق للاستيطان الصهيوني في كل ما تبقى من أرض للفلسطينيين في وطنهم التاريخي.
٣ – وقفه لدعم مؤسسة الأونروا، إغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وللسلطة الفلسطينية، بهدف إلغاء حق العودة، وإخضاع السلطة الفلسطينية لإرادة الاحتلال الصهيوني، ولما يخطط له مما سماه، ويسميه “صفقة القرن”، بتنازل الفلسطينيين عن وطنهم، وعن القدس التي قال إنه شطبها من جدول الأعمال؟! وفي هذا الإطار، عندما لم ينجح مندوبوه في فرض ما يريدون على اجتماع دعا إليه، بشأن غزة، طلب من مبعوثه للمنطقة جرينبلات أن يبلغ الحاضرين ، بأنه “قرر أن يشطب مبادرته للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل من جدول أعماله الحالي لأجل غير محدد”.(١٦/٣/٢٠١٨) لكنه، بقي يؤكد أن مبادرته ما زالت قائمة.
٤ – توجهه نحو نقض الاتفاق الدولي المتعلق بالملف النووي الإيراني، الذي كانت الولايات المتحدة قد وافقت عليه، وتعمل “إسرائيل” على إلغائه.
٥ – ومن ألاعيبه الابتزازية الأخيرة، مناورته عن سحب القوات الأميركية من سوريا، فقد قال، خلال مؤتمر صحفي مع رؤساء ثلاث دول من البلطيق: “.. مهمتنا الأساسية في هذا الصدد هي التخلص من “داعش” (تنظيم “الدولة الإسلامية”). اقتربنا من إتمام هذه المهمة وسنتخذ قريبا قرارا بالتنسيق مع آخرين بشأن ما سنفعله. أريد الخروج. أريد أن أعيد جنودنا لوطنهم”.
معادلة ترامب للابتزاز واضحة، خلق الأزمات، والتهديد بالانسحاب عند الغرق فيها، وطلب دفع التكاليف” لديكم أموال، ادفعوا”. هو يدرك جيدا أنه يريد احتلال أجزاء من سوريا لتحقيق مصالح أميركية، وحماية تلك المصالح، ولتنفيذ مشروع “إسرائيل الثانية”، الذي تصر “إسرائيل الأولى” على إنجازه. إن ترامب ملتزم بالبقاء في سوريا لتقسيمها، وللمحافظة على مصالح أميركية يتكلم عنها.. ويريد أن يجبر دولا عربية على دفع تكاليف احتلاله، وحماية مصالحه.. وإلا فسيترك المجال، ومن ثم فالنتائج معروفة لهم.. إيران وغير ذلك.. إنه، في هذا المجال، الثابت على مواقف، والناجح في الابتزاز، بعد خلق الظروف الملائمة لذلك.
إن ترامب، الذي “يتشقلب”، ويشقلب إدارته، لا يفعل شيئا غير مدروس بشأن المصالح “الإسرائيلية” والمخاوف الإسرائيلية، حتى لو كان ذلك على حساب مصالح أميركية.
ومما فعله، ويفعله، ويؤكد هذا التوجه، تعيينه مؤخرا لاثنين في منصبي وزير خارجية ومستشار الأمن القومي، هما من أشد الموالين لإسرائيل، وقد قال البروفيسور الصهيوني إبراهام بن تسفي، عن تعيينهما: “قيميا وعميقا يقوم على أساس اعترافهما بشراكة المصير بين المجتمعين والثقافتين اللتين تتقاسمان فكرة تأسيسية، إرثا قوميا ورؤيا. لا يمكن لإسرائيل أن تأمل أفضل من هذا” (إسرائيل اليوم – في 25/3/2018).
أما ترشيح ترامب لـ”جينا هاسبيل” لترؤس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه).. وهي الخبيرة بممارسة تعذيب المعتقلين، فينبغي أن يقرأ بدقة، لمزيد من معرفة أبعاد ومُتَع مسلسل ترامب. فلنتابع مسلسل ترامب، ولندرك ونتعظ.

إلى الأعلى