الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / تَمثُّلات المعتقد في رواية موشكا (الأسطورة، الطقس، القربان، الجن) (1)

تَمثُّلات المعتقد في رواية موشكا (الأسطورة، الطقس، القربان، الجن) (1)

فهد بن مبارك الحجري:

الأسطورة
يُعتبر مفهوم الأسطورة في ثقافتنا العربية عند الكثيرين هو المقابل للخرافة، مما يؤثر على الدور الذي لعبته الأسطورة قديماً، وحديثاً في توظيفها أدبياً، وحتى نستطيع أن نشكل رؤية واضحة يمكن الاستفادة من طرح فراس السواح في تحليله للأسطورة كما جاء في كتابه دين الإنسان (بحث في ماهيّة الدين ومنشأ الدافع الديني)؛ إذا يقول فراس السواح: ( “ليست الأسطورة من الكلمات المستحدثة في اللغة العربية، والمضامين التي استوعبتها هذه الكلمة في الاستخدامات الحديثة، تستند إلى مضامينها القديمة. تفيدنا المعاجم العربية، بأن كلمة أساطير قد جاءت من السطر وهو الخط أو الكتابة، وجمعه أسطار كما هو الحال في سبب وأسباب، وجمع الجمع أساطير، ونعثر على أول استخدام للكلمة في القرآن الكريم، حيث جاء في سورة الفرقان / 5 قوله تعالى: وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، وهنا إشارة إلى اتهام المشركين للنبي باستلهامه قصص الأولين المكتوبة، وهذا الاشتقاق لكلمة أسطورة في العربية يقارب اشتقاقها في اللغات الأوربية؛ فكلمة Myth في الإنجليزية والفرنسية وغيرها، مشتقة من الأصل اليوناني Muthas وتعني قصة أو حكاية. وكان أفلاطون أول من استعمل تعبير Muthologia للدلالة على فن رواية القصص، وبشكل خاص ذلك النوع الذي ندعوه اليوم بالأساطير، ومنه جاء تعبير Muthology المستخدم في اللغات الأوروبية الحديثة، أما في لغات المشرق القديم، فلا نعثر على مصطلح خاص ميّز به أهل تلك الحضارات الحكاية الأسطورية عن غيرها، وتظهر فهارس النقوش الكتابية التي تَعَوّد الكتبة السومريون وضعها لتصنيف محتويات مكتباتهم (وقد عثر حتى الآن على اثنين من هذه الفهارس) إن الأرشيف السومري لم يميز النصوص الأسطورية عن غيرها ولم يدرجها في تسلسل خاص، بل تركها موزعة بين النصوص الأخرى التي تدور حول موضوعات شتى مثل الحكمة والأمثال والأدعية والوصايا وما إليها(1)” ).
بعد ذلك يبدأ السوّاح يميز بين النص الأسطوري والنص العادي حيث يقول: “من هنا يمكن القول بأن القدماء لم يضعوا لأنفسهم تمييزاً لغويا لتلك المجموعة من الأعمال الأدبية التي تصنفها الآن تحت عنوان الميثولوجيا، ولا هُم عنوا بتفريقها عن بقية الأجناس الأدبية، وذلك رغم توكيدهم على اختلافها وخصوصيتها، فكيف نستطيع اليوم أن نميز بين النص الأسطوري والنص العادي، وما هي المعايير التي تساعدنا على إجراء مثل هذا التمييز؟(2) “. ورأيه هذا بناه على اشتغاله في مجال الميثولوجيا الذي بدأه من فترة طويلة.
ومن حيث الشكل يحدد فراس السواح على أن “الأسطورة هي شكل من أشكال الأدب الرفيع، فهي قصة تحكمها قواعد السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات وما إليها. وفي الثقافات العليا، جرت العادة أن يصاغ النص الأسطوري في قالب شعري يساعد على ترتيله وتداوله شفاهة بين الأفراد وعبر الأجيال، ويزوده بسلطان على العواطف والقلوب(3)”، لذلك يمكن اعتبار ملحمة جلجامش الأسطورية – كمثال- ضمن هذا الأدب الرفيع.
بعد ذلك يعرّف فراس السوّاح الأسطورة من حيث تأثيرها على الجماعة على أنها “قصة تقليدية، بمعنى أنها تحافظ على ثبات نسبي، وتتناقلها الأجيال بنصها عبر فترة طويلة من الزمن طالما حافظت على طاقتها الإيحائية بالنسبة إلى الجماعة(4)”.
ثم يذكر أمثلة على ذلك فيقول: “فأسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل، وهي أسطورة سومرية من أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، قد استمرت في صيغتها الأكادية المطابقة تقريباً للأصل السومري، وحتى أواسط الألف الأول قبل الميلاد، حيث عثر على نسخة منها في مكتبة أشور بانيبال(5)”
يؤكد السوّاح أن الأسطورة ليس لها زمن بمعنى “أنها لا تقص عن حدث جرى في الماضي وانتهى، بل عن حدث ذي حضور دائم. فزمانها والحالة هذه زمن ماثل أبداً لا يتحول إلى ماضٍ(6)، ويذكر مثالاً على الإله تموز “الذي قتل ثم بعث إلى الحياة، إنما يفعل ذلك في كل عام، إذ يقتل في الصيف ويبعث إلى الحياة في الربيع(7) “، وكذلك يقول عن الإله مردوخ “الذي خلق الكون ونظمه في الأزمنة المقدسة الأولى، إنما يفعل ذلك في كل عام ومع بداية السنة الجديدة، حيث يقوم بإعادة خلق الكون وتجديدة(8)”، ثم يوضح الصراع الذي دار بين الإله بعل والحية لوتان “ذات الرؤوس السبعة وقتله لها، هو صراع دائم بين الخير والحياة، وقوى الشر والموت(9)”.
هذه الأمثلة توضح – بشكل جليّ – الدور الذي لعبته الأسطورة لدى الجماعات وتأثيرها الوجداني في حياتهم وسلوكهم.
نجد أن السوّاح قد ميّز الحدث الأسطوري عن غيره من الأحداث بأن موضوعات الأسطورة تتميز “بالجدية والشمولية؛ فهي تدور حول المسائل الكبرى التي ألحّت دوماً على عقل الإنسان، مثل الخلق والتكوين وأصول الأشياء والموت والعالم الآخر وما إلى ذلك من قضايا صارت وقفاً على الفلسفة فيما بعد(10)”. كما أنه يوضح دور الآلهة وأنصافها “في الأسطورة، فإذا ظهر الإنسان على مسرح الأحداث كان دوره مكملاً لا رئيسياً (11)”، بالتالي يؤكد الدور الرئيسي لها في الأسطورة.
يقول السوّاح: “لا يعرف للأسطورة مؤلف معين لأنها ليست نتاج خيال فردي أو حكمة شخص بعينه، بل إنها ظاهرة جمعية تعبر عن تأملات الجماعة وحكمتها وخاصة ثقافتها، ولا يمنع هذا الطابع الجمعي أن يقوم الأفراد بإعادة صياغة الحكايات الأسطورية وفق صنعة أدبية تتماشى وروح عصرهم(12)”، لذلك تبقى الأسطورة ملكاً للجماعة وترتبط بقدسيتها.
يؤكد السوّاح على أن الأسطورة تتمتع “بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم، وإن السطوة التي تمتعت بها الأسطورة في الماضي، لا يدانيها سوى سطوة العلم في العصر الحديث؛ فنحن نؤمن بوجود الجراثيم وبقدرتها على تسبب المرض سواء رأيناها تحت المجهر أم لا، وذلك لأن العلم قد أثبت وجودها، كما أننا نؤمن بالطريقة نفسها بأن المادة مؤلفة من جزيئات وذرات، وأن الكون مؤلف من مليارات المجرات إلخ(13)”. “وفي العالم القديم لم ير الشياطين أو الآلهة سوى قلة من الكهنة في أحلامهم أو في نوبات الوجد التي تعتريهم، ومع ذلك آمن الإنسان القديم بكل العوالم التي نقلتها له الأسطورة، وكان الكفر بمضامينها كفراً بكل القيم التي تشد الفرد إلى جماعته وثقافته، وفقداناً للتوجه السليم في الحياة(14)”.
يُنهي السوّاح في تمييزه بين النصّ الأسطوري والنص العادي بأنّ الأسطورة ترتبط “بنظام ديني معين وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام وطقوسه المؤسسة، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة إذا انهار النظام الذي تنتمي إليه، وتتحول إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الأدبية الشبيهة بالأسطورة؛ مثل الحكاية الخرافية والقصة البطولية، وقد تنحل بعض عناصرها في الحكاية الشعبية (15)”.
بعد ان يميّز فراس السواح بين النص الأسطوري والنص العادي، يضع تعريفا للأسطورة فيعرفها بأنها ” حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي(16)”، “والسلطان الذاتي للأسطورة هنا لا يأتي من أية عوامل خارجية عنها، بل من أسلوب صياغتها وطريقة مخاطبتها للجوانب الانفعالية وغير العقلانية في الإنسان، وما زلنا حتى اليوم، نحن أهل دولة العقل العالمية هذه، نشعر بسلطان الأسطورة يغمرنا كلما وقفنا بين يديها دون أن ندري لذلك سبباً (17)”.
من خلال ما سبق ذكره يمكننا أن نقوم بتحليل أسطورة الإله بعل، من خلال انزياحها في الرواية ؛ لذلك سوف نورد حكاية بعل صعب المنزاحة من أسطورة الإله بعل ثم نقوم بتحليلها:
“حكى الأب للكاهنة التي يؤخذ برأيها وتُستشار في أمور التنجيم وفك الأحلام، وأخبرها بحلمه، فأخذت أربع حصوات تنوب عن أربعة آلهة سين، وودّ، وهُبل، ورابع لا يحضرني اسمه وعلّمت بالفحم على الإله المجهول، قلّبت الحصوات في
يدها ثلاث مرات، ثم طرحتها أرضاً على الرمل الفاصل بين والد بعل صعب والكاهنة، وألقت الحصى ثلاث مرات، وفي المرات الثلاث التي رُمي فيها الحصى، كان الإله المجهول يقع بين الإلهين ودّ وهُبل، فقالت الكاهنة:
- ستلد لك زوجتك الثانية بنتّا فتخلص منها قبل أن تجلب لك عاراً لا تزيله مياه الأرض، ولا تمحوه ذرات الرمال، ولا تُفصح بنيّتك لكائن من يكون، وأرى أن تقوم بالدفن من لا يتعاطف معها، كابن أخ أو ابن عمّ أو ابن زوجة أخرى(18)”.
“أنجبت الزوجة بنتاً كما رأت الكاهنة، ووكّل والد بعل صعب ابنه الذي يثق فيه بتولي مهمة وأد المولودة بعد اتمامها حوليّ الرضاعة(19)”.
“غافل الأب امراته وأخذ منها ابنته، وأعطاها بعل صعب وأمره أن يحملها على جواده ويرميها في جُبّ مهجور، أو يدفنها في الخلاء حيث لا يراه أحد ولا يكشف سره كاشف… حمل بعل صعب أخته على صهوة جواده وابتعد عن مضارب القبيلة، ولم يدفن أخته كما أمره والده(20)”.
“بل خالف الأمر وخرج من القبيلة لأجل حياة أخته وتصعلك، تنقل بها بين القبائل، وإذا سئل عن البنت كان يقنع السائلين، أنها أخته وقد توفيت أمهما، وهما الآن ذاهبان إلى أخوالهما القاطنين في ديار بعيدة(21)”.
“كبرت فُرجة وأصبحت تعتمد على نفسها، واستقر الاثنان قرب غدير ماء، يوفر لهما حاجة الشرب، وأحياناً يصطاد بعل صعب الغزلان الواردة للماء، كما يصطاد الطيور والأرانب بعصا ( الآقِت )، التي يتقن تصويبها نحو الهدف، يمسك أحد أطراف العصا المحددة كالإبرة ويقذف بكل قوته على الطريدة فيشقها مخترقاً جسدها في كثير من الحالات (22)”.
بعد ذلك نلاحظ أن فُرجة قد عشقت رجلاً وهربت معه، بعد أن تآمرت مع عشيقها على قتل أخيها بعل صعب لأنه لن يتركها تهرب؛ لكن عشيقها لم يتأكد من موته بعد أن رماه بالسهم:
- “هل تأكدت من إصابته ؟ قالت فُرجة التي أردفها الشاب خلفه على صهوة حصانه.
- لا أعرف فقد ارتبكت حين سمعت شخيره، لكنني رأيت انغراس السهم بين فخذيه، ولن يعيش بعده، وإذا سلم فسيكون مخصيّا(23)”.

بعد ذلك نجد أن بعل صعب رغم إصابته البليغة لكنه تبعهم:
“لم يكن القدر تعيساً مع بعل صعب بل أسعفه الحظ بوجود حصانه سليل الجواد الأبلق المرفوع نسباً ومكانة في صحائف الملوك، حين رسم تقربا للإله الجنوبي (سين )، والمنقوش بالدماء والعسل والفُحُوم، على جدران الكهوف والمغارات المختبئة عن الضباب والرياح والأمطار ولهيب الأكوان، الجواد الأبلق الذي حمل الملك الحميري إلى لجة البحر قبل معركته مع المقاتلين الأحباش، فغرقا معا ونجيا من الأسر ومن غِلّ الخصوم(24)”.
وقبل دخوله إلى المدينة التي يسكن فيها الشاب الذي هربت معه فُرجة أخت بعل صعب كان منهكاً؛ بسبب فقد حصانه وجرحه الغائر، حيث وجد فتاة:
“وجد بعل صعب المنهك القوى والخائر البدن، فتاة معها سلة خبز جالسة عند طرف البحيرة المردومة بمياه الشلالات المتساقطة من الجعافر المنحوتة في الصخر.
- هل أعطيتني خبزة اُسكت بها صرير البطن الخاوي منذ أيام، قال بعل صعب.
- ليتني أستطيع ذلك، لكن الخبز مُعد ( للهام ) الذي سيظهر بعد قليل، قالت الفتاة.
أعطني كسرة خبز، فأنا لا استطيع تحمل الجوع، لتطعم الهام !! (25)”.

- “إذا لم يأكل الهام هذه الخبز، سينفث ناره على المدينة التي تدفع له فتاة في كل حول عند انتصاف الشهر السابع من السنة القمرية، اتقاء لشره.
قال بعل صعب أعطني الخبز وإذا هجم عليك سأقدم نفسي له قبلك(26)”.
بعد أن أعطته الفتاة الخبز وخرج الهام:
“انغرس أحد أطراف العصا في فم الهام لذي أطبق بأعلى فكه على العصا الواقف في فمه من الألم، واخترق العصا الفكين، فمنع الهام من فتح فمه ونفث النار(27)”.
“وكان البعض منهم قد فسّر خضخضة الماء في البحيرة بمعركة الجن في الليلة الناصفة للشهر السابع من السنة القمرية(28)”…

——————————

المراجع والهوامش:

(1) السوّاح، فراس: دين الإنسان ( بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني )، ص56.
(2) المرجع ذاته، ص56.
(3) المرجع ذاته، ص57.
(4) السوّاح، فراس: دين الإنسان ( بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني )،ص57.
(5) المرجع ذاته، ص57.
(6) المرجع ذاته، ص57.
(7) المرجع ذاته، ص57.
(8) المرجع ذاته، ص57.
(9) المرجع ذاته، ص57.
(10)السوّاح، فراس: دين الإنسان ( بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني )، ص58.
(11) المرجع ذاته، ص58.
(12)المرجع ذاته، ص58.
(13) السوّاح، فراس: دين الإنسان ( بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني )، ص58.
(14) المرجع ذاته، ص58.
(15) المرجع ذاته، 58.
(16) المرجع ذاته، ص58.
(17) المرجع ذاته، ص58.
(18) الشحري، محمد، رواية موشكا، ص 99-100.
(19) المرجع ذاته، ص 100.
(20)الشحري، محمد، رواية موشكا، ص100.
(21) المرجع ذاته، ص100.
(22) المرجع ذاته، ص100-101.
(23) المرجع ذاته، ص110.
(24)الشحري، محمد، رواية موشكا، ص110.
(25) المرجع ذاته، ص 114-115.
(26)الشحري، محمد، رواية موشكا، ص 114-115.
(27) المرجع ذاته، ص 115.
(28) المرجع ذاته، ص 116.

إلى الأعلى