الأحد 27 مايو 2018 م - ١١ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / سعاد الصباح وثريا العريض “تزهران” في ربيع الشعر العربي

سعاد الصباح وثريا العريض “تزهران” في ربيع الشعر العربي

ليس الأمر جديدا.. ولا سابقة تسجل باسم هذه المؤسسة أو تلك، لكنها حلقة متواصلة من استحقاق الاحتفاء وتكريم شاعرتين بارزتين من شاعرات الخليج العربي، وإبرازهن في احتفالية كبرى تقيمها مؤسسة ثقافية عريقة، في مناسبة أدبية عالمية، تتوافق مع مناسبة عالمية أخرى مهمة.
فالحدث الذي دأبت مؤسسة البابطين الثقافية، في إقامته على مدار عقد من الزمن، تزامناً مع احتفالات يوم الشعر العالمي الذي أقرته اليونسكو تعزيزاً لمكانة الشعر، دخل دورته الحادية عشرة هذا العام، وكان لا بد له أن يلتفت للشاعرة الخليجية، بعدما كرم قائمة كبيرة من الشعراء، واحتفى بقامات ورموز الشعر في كل البلدان العربية عامة وشعراء الكويت خاصة، كما هو الحال مع الشاعر العماني عبدالله بن علي الخليلي، الذي كان أحد الشاعرين المحتفى بهما في الموسم الثامن من المهرجان في العام 2015م، مع الشاعر الكويتي راشد السيف، وكذلك الاحتفاء بشعراء مثل الشاعر التونسي الراحل محيي الدين خريف، والشاعر السوري الراحل عمر أبو ريشة، والشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب، والشعراء الكويتيين محمد الفايز وسليمان الجارالله ويعقوب عبدالعزيز الرشيد.
احتفالية هذا العام، اختلفت في جنس الشخوص المحتفى بهم، وكذلك وجودهم على قيد الحياة، بعكس ما كان سائدا في الدورات الماضية، ولذلك كانت مناسبة الاحتفال العالمي بيوم المرأة العالمي الذي تصادف في ذات شهر إقامة الفعالية، سانحة لاختيار الشاعرتين سعاد الصباح من دولة الكويت، وثريا العريض من المملكة العربية السعودية، بما يمثله من التقاء مناسبتين عالميتين في مهرجان ثقافي يتزامن معهما.
في كلمته الافتتاحية في افتتاح مهرجان ربيع الشعر العربي في دورته الحادية عشرة، والتي انطلقت في مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي في الخامس والعشرين من مارس 2018م، تطرق الشاعر عبد العزيز سعود البابطين رئيس مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية إلى أن المهرجان يأتي هذا العام “والعالم يحتفي بالمرأة في «يوم المرأة العالمي»، ونحن نحتفي بالمرأة العربية نعقد هذا المهرجان تحت اسم شاعرتين لهما بصمتهما في الشعر العربي وهما الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح والشاعرة الدكتورة ثريّا العريض تقديرًا من المؤسسة لهما ولإبداعهما الشعري ولمكانة المرأة العربية ودورها المتميز في المجتمع وإسهامها في بناء الأوطان في كل المجالات.
واشار البابطين إلى “إن تكريم المبدعين من الشعراء هو هدف أساسي من أهداف المؤسسة، وهو سُنَّةٌ من سُننِ الوفاء والاعتراف بالجميل لهؤلاء الشعراء الذين يحملون ألقَ الأمة وكبرياءَها، ويحصنون بالكلمة الخلّاقة روحها من التشظي ووعيها من الانحراف، ويلهمون الأمة التماسك والثبات في منعرجات التاريخ الفاصلة، ويكرِّسُون حياتَهم لتبقى الأمة شامخة في وجه الرياح العاصفة”.
بين سعاد الصباح وثريا العريض، ثمة قواسم مشتركة، فهما شاعرتان “من زمن لم يكن من السهل على المرأة أن ترفع بالشعر صوتها”، وكان لهما الدور الأمثل في رسم المشهد الشعري بشكل خاص، والمشهد الثقافي والفكري بشكل عام، وإذا كانت الدكتورة سعاد الصباح قد عبرت عن همومها وتطلعاتها بقصائد أشبه ما تكون بالبيانات التي يكمل بعضها بعضا ـ كما يذكر الناقد السعودي محمد العباس ـ فإن الدكتورة ثريا العريض هجست بنفس المآزق التاريخية والعاطفية وجادلتها بنفس شعري أرق، وبلغة أكثر شفافية في قصيدة طويلة وجميلة بعنوان “مساءلة ابن ابي ربيعة ” يمكن اعتبارها نموذجا أو وثيقة اجتماعية نفسية حقوقية أمينة ومعبرة عن واقع وتطلعات جمعية.
وبالعودة إلى مهرجان ربيع الشعر العربي، فقد تضمن في سياق تكريمه للشاعرتين سعاد الصباح وثريا العريض، ندوتين عن الشاعرتين المحتفى بهما، شاركت في الندوة الأولى التي خصصت حول الشاعرة الدكتورة سعاد الصباح كل من الدكتورة نور الهدى باديس، والدكتورة فاطمة يوسف العلي، وترأست الجلسة الدكتورة نورية الرومي التي ألقت كلمة الدكتورة سعاد الصباح وعبرت عن امتنانها لهذا التكريم وتحدثت عن رحلتها العلمية والإبداعية.
أما الندوة الثانية فقد احتفت بالشاعرة الدكتورة ثريا العريض، التي شاركت في الندوة كمتحدثة بجانب ابنتها الدكتورة مي عبدالله الدباغ والدكتورة ميساء الخواجة، وأدارت الجلسة الدكتورة نسيمة الغيث.
سعاد الصباح: كلماتي تحوّلت إلى طيور
لم تتمكن صاحبة قصيدة “أنني بنت الكويت” و”باقون هنا” و”السمفونية الرمادية”، من حضور حفل التكريم المقام لها في مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي في الكويت، بسبب وعكة صحية ألمت بها ــ كما ذكرت ذلك الدكتورة نورية الرومي ــ غير أنها أرسلت كلمة بهذه المناسبة أبرزت فيها بعض المحطات المضيئة في رحلتها الإنسانية والشعرية الحافلة، “جئت إليكم لأحكي لكم شيئاً من سيرة مواطنة كويتية عربية اسمها سعاد محمد الصباح.. فلها حكاية تستحق أن تروى منذ الضحكة الأولى حتى الدمعة الأخيرة”.
تقول سعاد الصباح في شهادتها عن السفر، “كان السفر كتاب سعاد المفتوح.. وأفقها اللانهائي، فقد كسبت أجمل خبراتها من السفر، وسجلت أروع ذكرياتها في السفر، وعرفت أنبل أصدقائها في السفر.. كانت تسافر.. على جناح صقر الخليج.. الزوج والسند والحبيب والظل الظليل عبدالله المبارك”.
وتحدثت سعاد الصباح في شهادتها التي قرأت جزءا منها الدكتورة نورية الرومي عن منعها من الكتابة، “مُنِعْتُ من الكتابة مرتين، كما تم منع المجلات والصحف من نشر أخباري أو أي كلمة عني، فكان الحصار مزدوجاً ليسجنني في دائرة المرأة المكبّلة بالتقاليد، ولكن حصيلة هذا المنع كانت مذهلة، فديواني (فتافيت امرأة) الذي تم منعه من التداول طبع منه 120 ألف نسخة على مستوى الوطن العربي في وقت كان فيه التوزيع صعباً، لقد تحوّلت كلماتي إلى طيور تمرّدت على السجن في الأرض، فانطلقت إلى السماء ليشاهدها كل الوطن العربي، ولتصبح رمزاً للكلمة الحرة”.
واختتمت شهادتها بتوصيف الشعر، وفي ذلك تقول: “الشعر هو الشعر أياً كان قائله بصرف النظر عن الجنس والجنسية واللغة، الشعر عبر العصور كان وسيبقى لغة واحدة، كما هي لغة العصافير التي لا تتبدل بين غصن في جبل لبناني وآخر في واد صيني.. ومن قال: للشعر جنس.. وللنثر جنس.. ومن قال إن الطبيعة تكره صوت الطيور الجميلة؟”.
وإذا كانت سعاد الصباح قد قدمت بعضا من محطات حياتها، فإن الدكتورة فاطمة العلي، قد أضاءت محطات أخرى في حياتها الأدبية الثرية، وهي ــ فاطمة العلي ــ كتبت شهادتها بحب مستفيض لشخصية سعاد الصباح، ووصفتها بأنها “امرأة اختلط بعظمها ولحمها دم القصيدة، وزيت اللوحة، ونفط الاقتصاد، امرأة صاغتها الأقدار عبر تجارب حياتها، فبدت امرأة قوية تخفي ضعفها، لا تستسلم لقسوة الحياة، وإن فرضت عليها الوحدة، فعاشت حياتها ترتدي عباءة ضعف امرأة قوية”.
وتضيف العلي في شهادتها عن سعاد الصباح التي يراها البعض تلك الطفلة المدللة بكر الشيخ محمد الصباح، فتنفي صفة الدلال عنها، فلم تكن سعاد كذلك، “ولم يكن الدلال يوما سبيل الاستكانة أو الراحة، لأن النفوس الكبيرة تتعب بالراحة وترتاح بالتعب، وقد عرفت ذاتها منذ مطالع الوعي، وأدركت أن عليها واجبا يتجاوز هذه الذات، لتكون جسر خير ومحبة، وصوت علم وثقافة، وقد جاهدت في سبيل ذلك كله، وسارت الطريق من أولها إلى آخرها، أدركت أن السلم لا يتكون من درجة واحدة، مهما علا، بل هو سلسلة من الدرجات، على الإنسان أن يجتازها الواحدة بعد الأخرى، حتى يحقق ذاته، فيكون بذلك قادرا على تثبيت القدمين في الموقع الذي يصل إليه”.
ثريا العريض: الشعر هو الرسم بالكلمات
الشاعرة الثانية المكرمة في مهرجان ربيع الشعر العربي في دورته الحادية عشرة، تحدثت في الندوة الخاصة بها، عن تجربتها الشعرية، وعن نشأتها في بيت شاعر، وأديب، ومثقف، ودبلوماسي، وعن ذلك تقول: “أما عني وعن الشعر فقد ولدت شاعرة في بيت شاعر أديب مثقف ودبلوماسي، فنالني من كل سماته شيء. عشقت الرسم والكلمات والرياضيات ورأيت الأرقام والحروف أثرى مادة خام ألهو بها وتلهو بي”.
أعجز عن أن أحصر الشعر في تعريف غير ذاك المختصر المفيد: الشعر هو الرسم بالكلمات ليخلد شعوراً ما، وله رتم داخلي يرتبط بذلك الشعور وينقله لمن يسمعه.
أنا ابنة سواحل الخليج ورمله, ووريثة ديلمون, ولذا لشعري نكهة الزمان وتجسيد المكان”.
غير أن الأهم في ندوة ثريا العريض، هو شهادة ابنتها الدكتورة مي الدباغ استاذة الأدب الإنحليزي التي قدمت كلمة حميمية حول تجربتها مع والدتها في طفولتها، وكيف تعرفت على ما يدور في الساحة الثقافية السعودية عبر قراءة مقالاتها اليومية قبل إرسالها بالفاكس إلى الصحيفة.
وأشارت الى أنها أطلت من خلال ثريا العريض على مرحلة ممتلئة بالأفكار في السعودية في فترة الثمانينات والتسعينات، حيث كان وجود امرأة شاعرة أو كاتبة امرا مكروها وحكرا على الرجال فقط، لأن المرأة الشاعرة مثل أمها تتحدى قواعد اللعبة وتسهم في تغييرها أيضا.
الدكتورة ميساء الخواجة تحدثت عن نسوية الخطاب في شعر ثريا العريض، ومما أشارت إليه في ورقتها أن الشاعرة السعودية ثريا العريض “تعد إحدى الشاعرات اللاتي اخترن التمرد ومساءلة الواقع والمجتمع، وقد عدها بعض الدارسين إحدى شاعرات الرمزية المجددة اللاتي قدمن نصوصا متميزة صورت صوت المرأة الجديدة في رحلة بحثها عن كينونتها الاجتماعية الخاصة والإنسانية العامة.
وقالت: لقد “اختارت ثريا شعر التفعيلة منهجا كتابيا وعت أنه يمثل ما تريد، ويمكن أن يحمل صوت تمردها، ذلك التمرد الهاديء الذي لا يصل إلى حد الرفض المطلق، لكنه يعمد إلى مساءلة الواقع حول المرأة وما تعيشه من تهميش وإقصاء.
وخلصت إلى إن “نسوية ثريا العريض تبدأ من وعيها بذاتها، ومن إعلانها المستمر عن وجودها، ومن نبشها الدائم في التاريخ وفي الحاضر لتأكيد أناها ووجودها، وكذلك من إثارة الأسئلة التي ترتبط بمساءلة المحيط والواقع، ومساءلة التاريخ والمجتمع عن وضع المرأة وتكميم صوتها وإقصائها”.

—–

إنني بنت الكـويت
بنت هذا الشاطئ النائم فوق الرمل،
كـالظبي الجميل
في عيوني تتلاقى
أنجم الليل ، وأشجار النخيل
من هنا .. أبـحـر أجدادي جميعا
ثم عـادوا .. يحملون المستحيل..

سعاد الصباح

أنا طفلة البارحة
والعمر أنت
بك الليل يبدأ
يا وجه أمي
ترخي جدائل شعري
تلملم عنها الهموم
ترصعها بالنجوم
تهدهدني لأنام.

ثريا العريض

إلى الأعلى