الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العدوان والسياسة

العدوان والسياسة

” من بين التحليلات أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لجأ للخيار الأسهل وهو “قتل العرب” بالعدوان على غزة لتخفيف ضغوط اليمين المتطرف الذي يزايد على يمينية نتنياهو نفسه. لكن نتنياهو بلا شك أخطأ الحسابات، فالعالم العربي من حوله يتغير بسرعة وليس معنى أن الناس في الدول التي شهدت تغييرات لا تريد حكم الإخوان المسلمين أنهم سيكونون محايدين وهو يقتل الناس في غزة باسم “محاربة حركة حماس”. ”
ــــــــــــــــــــــــ
وكأنما كتب على هذه الأمة أن تذكر دوما بضعفها وهوانها، وأن ينال منها أعداؤها في أيامها التي تجلها، فتكررت الاعتداءات على شعوبها في شهر رمضان وأعدم رئيس إحدى دولها صبيحة العيد. كان أول من “أفتى” بضرورة قصف مسلمين عرب في شهر الصوم هو الحاج توني بلير رئيس وزراء بريطانيا عام 1998، حين أقنع الرئيس الأميركي المتردد وقتها بل كلينتون بقصف العراق مع أول أيام الصيام في ذلك العام. ومنذئذ يتكرر الاستهانة بالعرب والمسلمين في رمضان وغير رمضان وفي أعيادهم وغير الأعياد. مفارقة مثيرة أن “الشيخ بلير” هو مبعوث اللجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط التي تدير الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، حتى لو استبعدنا أنه “أفتى” للإسرائيليين بضرب غزة في رمضان فالتوقيت مثير حقا.
مرة أخرى، ورغم أن تحليلي السابق لم يتغير من أن تلك حرب تستهدف تصعيد التطرف، نكرر أنه ليس هناك ما يبرر العدوان ـ خاصة من كيان احتلال عنصري على شعب أعزل محاصر منذ ثماني سنوات. لكن العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة ـ وعلى الفلسطينيين عموما في الحقيقة وفي الضفة الغربية أيضا، بالقتل ومصادرة الممتلكات أو هدمها وحرقها ورعاية عدوان المتطرفين المستوطنين ـ دائما ما يثير تحليلات سياسية حتى من قبل الأطراف الداخلة فيه أصلا. بالطبع هذا لا يعني كثيرا المقاتلين الذين يصدون هجمات اسرائيل البربرية، وكما يقول لك أغلب السياسيين الفلسطينيين من كافة الفصائل فإنهم لا يعرفون كثيرا عن الجناح العسكري لحركاتهم، وإن كان هؤلاء المقاومون يتحركون في النهاية في إطار سياسي. لكن العدوان ليس بحاجة لقرار سياسي، فحين يهاجمك عدو، لا تنتظر أن تسأل حكيما اذا كان مناسبا الرد على العدوان أم لا ـ هو رد فعل إنساني طبيعي أن تحاول صد الأذى عن نفسك وعن أهلك.
إذا، ليس في الحديث عن السياسة بأي شكل تقييم لمقاومة العدوان ولا تفسير أو تبرير أو تقرير. إنما لا حرب بلا سياسة، والحرب في النهاية إحدى أدوات السياسة كالدبلوماسية والتجارة وغيرها. نعم، قد يصح القول إن ما يجري في غزة ليس حربا، بمعنى أنه ليس هناك جيش فلسطيني يشتبك مع جيش آخر ولكن سيرد قانونا على هذا بأن الاحتلال الاسرائيلي ـ قانونا ونظريا على الأقل ـ غير موجود منذ 2005/2006. صحيح أنه ليست هناك دولة غزة، ولا حتى دولة فلسطينية ـ عمليا، وإن كان لها إطار قانوني بالفعل ـ لكن هذا الجدل يمكن ألا ينتهي. المهم أن السياسة للأسف ليست ببعيدة عن ذلك العدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين في غزة، ولا كانت في أي عدوان سابق. المختلف هذه المرة، أن السياسة تنال كثيرا من مقاومة الفلسطينيين وتزيد من بشاعة عدوان الاحتلال.
من بين التحليلات أن رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو لجأ للخيار الأسهل وهو “قتل العرب” بالعدوان على غزة لتخفيف ضغوط اليمين المتطرف الذي يزايد على يمينية نتنياهو نفسه. لكن نتنياهو بلا شك أخطأ الحسابات، فالعالم العربي من حوله يتغير بسرعة وليس معنى أن الناس في الدول التي شهدت تغييرات لا تريد حكم الإخوان المسلمين أنهم سيكونون محايدين وهو يقتل الناس في غزة باسم “محاربة حركة حماس”. في النهاية، كانت كل الانتفاضات الشعبية في الدول العربية مع الحق الفلسطيني ربما أكثر من الأنظمة التي غيرتها تلك الاحتجاجات. ثم إن تركيبة القيادات العربية التي كانت إسرائيل تتعامل معها في كل أزمة تغيرت، ولم تعد الأمور حتى كما كانت عليه قبل عام، فالمنطقة كلها تمر بفترة “ميوعة” وسيولة وتتخبط الدول داخلها في التعامل الصحيح مع تلك التغييرات، ما بالك بمن خارجها كالغرب واسرائيل!.
قد لا يهمنا مشكلة قادة الاحتلال السياسية، حتى وإن كان الجميع في النهاية يتعاملون معهم في مفاوضات. لكن السياسة لا تقتصر على الجانب الآخر فقط ، بل إنها للأسف في القلب مما يجري فلسطينيا وعربيا أيضا. فبغض النظر عن الأسباب والدوافع (وإن كان دافع التطهير العرقي متأصل أساسا في احتلال عنصري) لا شك أن أحد الأهداف الرئيسية للعدوان هو ضرب المصالحة الفلسطينية بين السلطة وحماس. ورغم التصريحات المطمئنة من جانب كل الأطراف الفلسطينية، إلا أن حركة حماس بلا شك لن تدع فرصة لاضعاف شريكها في المصالحة ـ بعد أن تضع الحرب أوزارها ويأتي وقت السياسة. ويراكم هذا شقاقا مفتعلا بين الفلسطينيين في غزة والضفة لا يفيد إلا العدو. أما حماس، وإن استعادت بعضا مما خسرته نتيجة سقوط حكم الإخوان في مصر، فربما تظل في حال أقرب إلى ما كانت عليه بعد إقالة حكومتها قبل ثماني سنوات وانتهائها “مسيطرة” على قطاع غزة.
للأسف أيضا أن السياسة العربية لا تعين المقاومة لاعتبارات مختلفة، بل على العكس يسعى كثيرون إلى “السمسرة بالدم” ويدفع الفلسطينيون الأبرياء الثمن. حتى الطرف الإقليمي الذي يدعم المقاومة عمليا (إيران، فتركيا مجرد طق حنك أجوف بلا معنى) مواقفه مرهونة بحساباته هو إقليميا وعالميا. خلاصة القول إن العدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين، وتصعيده الكارثي بمجازر غزة قصفا واجتياحا، تفت فيه السياسة بدلا من أن تسهم في التقليل من آثاره ولا نقول صده ـ فالعرب يعترفون بأنهم عجزة، ولا داعي لجلد الذات أكثر من ذلك.

د. أيمن مصطفى* كاتب صحفي عربي

إلى الأعلى