الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي: الحكاية الشعبية.. صوت السرد وشفاهية الظلال

النقد الثقافي: الحكاية الشعبية.. صوت السرد وشفاهية الظلال

عبدالله الشعيبي
مدخل..
تنسج الذاكرة دراماها الخاصة عندما يتعلق الحديث بالنسق الشفاهي، الذي تنبت في تربته الحكاية، وتنساب مع تفاصيله الشخوص والأحداث، وتنفلت من الروتين اليومي أزمنة محددة، تفعّل التلقي الجمعي في المكان الواحد.
الحكاية، كائن الصوت الذي كان جزءا من المنظومة الشفاهية في البيئة العمانية التقليدية، لم تكن لتحصل على هذا التأثير لو لم تكن حمّالة أوجه دلالية وسمات مخيالية ذات صلة بالتكوينين الفردي والجمعي على حد سواء.
لا ندعي في هذه المقاربة الاعتناء بما يحقق عمقا أكثر في بنية المعلوم سلفا عن الحكاية الشعبية العمانية، بل سنحاول الاقتراب مما كان جزءا من نسق مخيالي يطيب التعاطي معه حكائيا، وربما صار شهيرا فكرة حكايات الجدات ومناخات الليل وطقوس السماع، ومرت بالعديد من مراحل التوثيقات في البيئة العمانية، نعني به النقل الذي قدم وصفا للمشهدية، وهو وصف يتلاقى مع العديد من البلدان العربية والعالمية، باعتبار أن الحكاية هي أُسّ تربوي، فضلا عن كونه سمة ترويحية، يتم فيها التنافس في دائرة الخيال الذي يغذّي الحدث من بيئته التي ينتمي إليها، وتلك الزيادات هي بمثابة ذكاء فردي ذي سمات تصويرية ولغوية، لا أميل إلى تسميتها (كذبا)، بل هي طاقة تنساب مع استعداد ذاتي لدى الفرد للتكيف مع معطيات تفاصيل الحكاية، بما لها وما عليها، ولكن داخل سياق الذاكرة المكانية.

صوت الدهشة
هناك شكلان للحكاية في البيئة العمانية القديمة، الأول مرتبط بكبيرات السن من النساء، حين يغدقن بعافية الخيال المستكنّ في الذاكرة، مع قليل من الزيادات، لبث جمال في الحدث؛ والثاني مرتبط بشريحة الذكور، وهما هنا معبّران عن فئتين، الفئة الأولى هي المراهقة ، والفئة الثانية هي من تجاوزت أعمارهم الأربعين، وهاتان الفئتان لهما تأثير بالغ في نسج الحكاية الشعبية ضمن الفئة التي تنتمي إليها، ويحصل أن يتم إعادة سردها بما يتناسب مع طبيعة المخاطَب، عندما يكون الأحفاد هم المتلقون..
هذا معناه أن واقع الحكاية الشعبية من زاويتها الشفاهية ليست واحدة، بل متنوعة ومتعددة، والشرائح التي تتعاطى معها نسجا وإيصالا وتكوينا، هي شرائح مختلفة، ولها أسبابها ودوافعها ومناخاتها، ولكل من هذه الشرائح فونيمها الصوتي الدرامي الذي يقوم بالسرد والإيغال إلى أقصى درجة ممكنة من التأثير.
الصوت هو الفعل الدرامي، وسياج الحماية ضد التشكيك في التفاصيل الحدثية أو الشخوص، وهو صانع المخيال الزمني والمكاني والتفاصيل في عقل المتلقين، وفي الوقت الذي ينحو السرد صوتيا نحو المبالغة، يكون التوازن هو الخيط الفاصل بين الواقع والخيال لدى السارد في تلك القصص، ولا بد من الإمساك بهذه الشعرة حتى لا ينهار البناء، وتتحول الحكاية من عالم جميل إلى عالم مشوب بـ الكذب من زاويته الأخلاقية.
الدهشة التي يكشفها الصوت وحركة الجسد لدى السارد، هي المناخ الذي من خلاله يتم تكثيف مستوى الصدق في الحكاية، حتى لا يساور تفاصيلها الشك، ولذلك تطول الحكايات أحيانا، وتتعدد فصولها أحيانا أخر، ولكن الإتقان تكمن نتيجته في التأثير الآني للحكاية، واستمرار سردها على مدار عقود من الزمان، وإن كانت في مرحلة لاحقة تم طمس معالمها في واقع الحياة، وظهرت بدلا منها أنواع أخرى من الحكايات الشعبية، وهذه الأنواع الأخرى صارت معاصرة، ولها سمات مختلفة.

غرائبية الدراما
الحكاية الشعبية تقوم على عماد أساسي لتأسيس بنية توصيلية ذات استمرارية وديمومة ذاكرية في المكان الواحد، أي عابرة الأجيال، بغض النظر عن الزيادات التي يمكن أن تطالها خلال مسيرة الديمومة تلك، هذا العماد هو (الغرائبية).
تشكل الغرائبية في الحكاية الشعبية في عالم الفئات الثلاث التي أشرنا إليها مساقا جوهريا، ويمكن كشف ذلك جزئيا من خلال التفريق بينها.
كبيرات السن / الجدات، ينتبهن إلى أن الجمهور الذي ينصت إلى الحكاية، يبني قدرته على الفهم والتكيف مع الحدث أو التفاعل من خلال طاقات صوتية ذات رتم منخفض، وعبارات واضحة المعنى، غامضة الأهداف، لا تنكشف ملابساتها بسهولة، ولكنها تنتهي بحدث جميل.
الفئة التي تنتمي إلى المراهقين، لديهم غايات لفت الأنظار والتميز ، وتكثيف المتحلقين حوله، مع ربط مصدر قصته بسارد غامض لكنه موثوق ومن بنية المكان، ولهذا تظل الحكاية ذات سمة قابلة للتصديق، ولكن يحصل أن تقفز الحكاية من مساحتها المكانية إلى مكان آخر، بحسب السارد الوسيط، الذي ينقل تلك العوالم، بينما السارد الشعبي الأساسي، لا يصبح سوى مجرد ناقل ظاهري، بينما هو سارد أساسي وليس هامشيا.
الغرائبية يبنيها الساردون والساردات من واقع الحكاية التي وجدت لها مرجعية في المخيلة ذات الهدف التربوي أو الترويحي أو الذاتي أو البطولي، ولهذا البناء تدفق مختلف، يتضح من واقع طبيعة اللغة التي تجترح التكوين الغرائبي، بدءا من الفكرة، مرورا بتشكيل المكان وهندسته، وصولا إلى الشخوص والكائنات والحوارات، وقوفا عند النتائج التي تقود نحو ختاميات لا تزال تترك مساحة استرجاعية للمتلقين كي يشكلوا / يشكلن السيكولوجية الذاتية في صلتها بالأحداث (أحلام اليقظة).

طقس التفاصيل
في البيئة العمانية القديمة، كانت الحكاية الشعبية ذات طقوس، فحكايات الجدات تتعايش مع جغرافيا الليل وطقس القناديل في (بطون السِّبَل) أو طقس النجوم فوق المنامات (الدعون)، والعوالم المتشكلة في الحكايات تفرد أجنحة الليل كي تخيّم بحضورها على أجفان الأطفال لكي يناموا أو ينمن، ومن يرفض النوم أو يقاومه ويمتد الليل، يقال له سنكمل الحكاية غدا، لتبدأ مساحات تطويرية تخدم ديمومة الحدث واستمراريته.
هذا الطقس هو الأكثر شيوعا في التناول الثقافي والأدبي والبحث والدراسي والأكاديمي، حكايات الجدات قبيل النوم في الليل، والذي يكاد يكون مستنفدا تقليبا ودراسة، وغلب هذا الطقس على غيره من الطقوس الحكائية.
وربما نعزو ذلك إلى كون الجزئين الآخرين لم يجدا الالتفات الذي يفتح باب التعقب والنبش؛ فـ السارد المراهق، أو الشاب العشريني، الذي يبحث عن تأكيد الذات بطريقته الخاصة، عن طريق سرد متتاليات شفوية، ونقل أحداث ذات سمات جديدة، بين أقرانه في العمر، هو طاقة حكائية سردية مخيفة، ومكمن الإخافة هو القدرة على توليد الأحداث، وتكييف الوقائع لتتناسب مع التفاصيل، وتكثيف الحوارات، وتشكيل خارطات مكانية وتفاصيل مدهشة، كل ذلك في دائرة غرائبية السرد والأحداث والشخوص والكائنات، وعلى الرغم من هذه القدرة والذكاء، إلا أنه ظل بعيدا عن التناول في النقد الثقافي، لأن هذا السرد في نسقه المجتمعي هو قرين الكذب، الذي يتعارض مع المسلمات الأخلاقية في المكان.

حياة وحتف
بين الحياة والحتف ظهرت حكايات شعبية عمانية، حكايات ذات بعد مثالي، تتماس مع القدوة، ويحتاج إليها الواقع الجمعي لغايات معينة، وهي البطولة الشعبية، التي تكون مرتبطة بشخص محدد، له مواصفات خاصة، ويقوم بأفعال يصعب تقليدها، وانتشرت هذه الحكايات في الأزمنة القديمة، وكان يتم تناقلها في المجالس وتحت الظلال، ولكن في مرحلة لاحقة، ظهرت بطولات من نوع أكثر خصوصية، ساردها هو الجد، والمتلقي هو الحفيد، وهي خليط من أحداث حقيقية تخص شخصا معروفا، بينما يدخل الجد طرفا في الحكاية، ومشاركا في الحدث، وهذه الحكايات أيضا لم تجد متابعة نقدية أو ثقافية، إذ اختفى نموذج حكاية البطولة الشعبية، وتم قبر تلك الحكايات مع أصحابها، ولم ينبش حولها السارد الحديث لجمع شفويات الزمن البعيد.

خاتمة
ما نود قوله هنا هو إن النقد الثقافي عليه القبول بمهمة التوغل في الحكاية الشعبية العمانية إلى أبعد من التنميط الذي حظيت به الذاكرة، وهو المحصور في حكايات الجدات، بحثا عن آثار شفوية أكثر تحفيزا على تعديد مناخات البحث في الإرث الحكائي الشعبي.

إلى الأعلى