الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الكهف (41)

سورة الكهف (41)

(أمَّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة) هذان الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم
اعداد ـ أم يوسف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة )الغاشية(، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح. وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ)الحمد لله( وهذه السور هي :الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر( وكلها تبتدئ بتمجيد الله جل وعلا وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
قوله تعالى:(فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً) قيل: هو من كلام الخضر ـ عليه السلام ـ وهو الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين أي: خفنا أن يرهقهما طغياناً وكفراً، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبر الخضر، قال الطبري: معناه فعلمنا، وكذا قال ابن عباس أي: فعلمنا، وهذا كما كني عن العلم بالخوف في قوله (إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) وحكي أن أبياً قرأ (فعلم ربك) وقيل: الخشية بمعنى الكراهة، يقال: فرقت بينهما خشية أن يقتتلا أي: كراهة ذلك، قال ابن عطية: والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة، أي: على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود (فخاف ربك) وهذا بين في الاستعارة، وهذا نظير ما وقع القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون، و(يُرْهِقَهُمَا) يجشمهما ويكلفهما، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه فيضلا ويتدينا بدينه.
قوله تعالى:(فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا) قرأ الجمهور بفتح الباء وشد الدال، وقرأ عاصم بسكون الباء وتخفيف الدال أي: أن يرزقهما الله ولداً، يقال: بدل وأبدل مثل مهل وأمهل ونرل وأنزل.
قوله تعالى:(خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً) أي: ديناً وصلاحاً، (وَأَقْرَبَ رُحْماً) قرأ ابن عباس (رُحْماً) بالضم، قال الشاعر:
وكيف بظلم جارية
ومنها اللين والرحم
الباقون بسكونها، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
يا منزل الرحم على إدريسا
ومنزل اللعن على إبليسا
واختلف عن أبي عمرو، و(رحماً) معطوف على (زكاة) أي: رحمة، قال: رحمه رحمة ورحماً، وألفه للتأنيث، ومذكره رحم، وقيل: الرُّحم هنا بمعنى الرَّحِم، قرأها ابن عباس (وأصل رحماً) أي: رحماً، وقرأ أيضا (أزكى منه)، وعن ابن جبير وابن جريج أنهما بُدلا جارية، قال الكلبي: فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم، وقال قتادة: ولدت أثنى عشر نبياً، وعن ابن جريج أيضاً أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملاً بغلام مسلم وكان المقتول كافراً، وعن ابن عباس: فولدت جارية ولدت نبياً، وفي رواية: أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبياً، وقاله جعفر بن محمد عن أبيه، قال علماؤنا: وهذا بعيد ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم.
ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعاً من الأكباد، ومن للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء، قال قتادة: لقد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فالواجب على كل امرئ الرضا بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب.
قوله تعالى:(أَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) هذان الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم، واسمهما أصرم وصريم، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام:(لا يتم بعد بلوغ) هذا هو الظاهر، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ إن كانا يتيمين، على معنى الشفقة عليهما، وقد تقدم أن اليتم في الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل فقد الأم.
ودل قوله:(في المدينة) على أن القرية تسمى مدينة ومنه الحديث:(أمرت بقرية تأكل القرى ..) وفي حديث الهجرة (لمن أنت) فقال الرجل: من أهل المدينة يعني مكة.
قوله تعالى:(وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا) اختلف الناس في الكنز فقال عكرمة وقتادة: كان مالا جسيما وهو الظاهر من اسم الكنز إذ هو في اللغة المال المجموع وقد مضى القول فيه، وقال ابن عباس: كان علما في صحف مدفونة، وعنه أيضاً قال:(كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وروي نحوه عن عكرمة وعمر مولى غفرة، ورواه عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
قوله تعالى:(وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً) ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دِنْيَةً، وقيل: هو الأب السابع قاله جعفر بن محمد، وقيل: العاشر فحفظا فيه وإن لم يذكر بصلاح، وكان يسمى كاشحاً، قال مقاتل اسم أمهما دنيا، ذكره النقاش. ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته، وعلى هذا يدل قوله تعالى:(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ).

إلى الأعلى