الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: سوريا .. عدوان عنوانه نكسات مركبة

شراع: سوريا .. عدوان عنوانه نكسات مركبة

خميس التوبي

شكل الرهان على الإدارة الجمهورية “الترامبوية” بنسختها “البوشية” ـ تشن حروبًا واسعة، وعلى طريقة الكاوبوي ترعى الأبقار وتحلبها، وتقلب موازين ما عجزت عنه المنتجات الإرهابية بمختلف صنوفها ومسمياتها للقوى الاستعمارية الامبريالية وذيولها وأدواتها الرجعية ـ مضمون العربدة العدوانية التي قامت بها دول العدوان (أميركا وبريطانيا وفرنسا) على سوريا، متخذة من مسرحية هزلية اسمها “استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين” تكئة لتبرير عدوانها، معيدة التأكيد على تاريخها الاستعماري الامبريالي المثخن والمتخم بشتى أساليب الكذب والنفاق والازدواجية وخرق القانون الدولي، والاستعباد ونهب الثروات وتدمير الدول وإسقاط الحكومات.
لقد جاء العدوان الثلاثي على سوريا تعبيرًا واضحًا عن حجم القلق والشعور بالانكسار والهزيمة، وتحطم مخطط الهيمنة على المنطقة المرتكز على إخراج كل من روسيا الاتحادية والصين، وتأمين بقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي رأس حربة لحماية المصالح والمشاريع الاستعمارية في المنطقة للدول الثلاث، والذي بقيت حلقته الأخيرة سوريا التي تعمل بامتياز على تقطيع خيوط المخطط الخبيث، ما يؤشر حقيقة على أفول نجوم هذه الدول الاستعمارية الامبريالية، والعد التدريجي لزوال الغدة الاستعمارية السرطانية المسماة “إسرائيل”.
لذلك، تدرك دول الاستعمار (قديمه وجديده) حجم المأزق الذي تواجهه على أسوار سوريا بقوة صمود شعبها وبسالة جيشها وحكمة قيادتها، ووفاء حلفائها، وفقدان هذه الدول الكثير من جوانب هيمنتها وامبراطوريتها، فتحاول التكيف مع المعادلات الكونية الجديدة التي فرضتها سوريا وحلفاؤها بالحفاظ على ما تبقى من مظاهر امبراطوريتها وهيمنتها، والبدء بمرحلة الترميم الذي يظهر من خلال عمليات الحلب المتواصلة التي يقوم بها الرئيس دونالد ترامب.
وبقراءة متأنية قليلًا لحقيقة العدوان الذي شنته واشنطن ولندن وباريس على سوريا فجر السبت، مع أنه تجاوزَ عقود التوكيل للأدوات من القوى الرجعية والمرتزقة والتنظيمات الإرهابية، نجد أنه عبارة عن نكسات مركبة:
أولًا: نكسة عربية، حيث كشف العدوان مدى ما وصل إليه الوضع العربي من وهن وانحدار غير مسبوق، عبرت عنه المواقف وبيانات الترحيب والتأييد التي صدرت من كثير من العواصم العربية بهذا الشأن إلا دليلًا ساطعًا على ذلك.
ثانيًا: نكسة أخلاقية، حيث فائض النفاق يغرق أسرَّة المطارحات السياسية بين فاعلها ومفعولها، يؤشر على انهيار خطير في القيم والمبادئ والمثل والنظم والقوانين التي تحكم علاقات الدول ببعضها بعضًا، وكذلك علاقات البشر ببعضهم بعضًا، ويتبدى ذلك من خلال إحدى صوره الشاذة في حبك مبررات القتل والعدوان، والتمييز الشاذ بين مدني وآخر رغم أنهما من جنس واحد، ويظهر ذلك عبر الفرق بين المسرحية الهزلية “الكيماوية” في مدينة دوما والتي كتب نصها المسرحي وقام بإخراجها أجهزة استخبارات متآمرة على سوريا، أشارت موسكو إلى أحدها وذكرته بالاسم وهو “جهاز المخابرات البريطاني”، لتشن دول العدوان والاستكبار العالمي الثلاث عدوانها الغاشم على سوريا، رافضة تشكيل لجنة تقصي حقائق محايدة، ومستبقة نتائج مهمة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التابعة للأمم المتحدة، وبين الإعدام الجماعي الذي يقوم به كيان الاحتلال الإسرائيلي للمدنيين العزل في “مسيرة العودة الكبرى” التي أطلقوها للمطالبة بحقوقهم، فكيف يستقيم الادعاء بأن العدوان هو رد على استخدام الجيش العربي السوري السلاح الكيماوي ضد المدنيين، والتأييد المطلق لجرائم الحرب والإبادة والانتهاكات ضد الإنسانية التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل؟
ثالثًا: نكسة سياسية ودبلوماسية، قادتها روسيا الاتحادية بكل حكمة ودهاء وعلى مرأى ومسمع العالم أجمعه، وذلك من خلال جلسات مجلس الأمن الدولي التي دعت إليها، سواء من أجل تشكيل لجنة تقصي حقائق محايدة، وهو ما لم يتم لاستخدام دول العدوان الفيتو ضد مشروع القرار الروسي، حيث ترغب هذه الدول في تشكيل لجنة تتكون من جواسيسها وعملائها لتأتي نتائج اللجنة وفق ما تشتهيه مخططاتها الخبيثة، وفي سبيل ذلك قدمت واشنطن مشروع قرار وهو ما انتبهت إليه موسكو فأحبطته بالفيتو، أو من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، حيث بدا خلال هذه الجلسة الإصرار على الكذب والنفاق وإضمار الشر والعدوان من قبل دول العدوان، لتأتي ثالثة الأثافي بعد العدوان، بدعوة موسكو لمجلس الأمن الدولي لعقد جلسة حيث قدمت مشروع قرار يدين العدوان، رغم علمها أن مشروع قرارها لن يمر، فدول العدوان لن تدين نفسها، إلا أن الدهاء الروسي يريد إسقاط آخر ورقة توت تستر عورات دول العدوان أمام شعوبها، والرأي العام العالمي، لكون العدوان جاء خارقًا للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، ومستبقًا لنتائج تحقيق بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وهو ما يؤكد على كذب مشاهد مسرحية الكيماوي في مدينة دوما، ولأن دول العدوان تعلم ذلك بحكم ضلوعها وإعدادها لها أرادت استباق نتائج بعثة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى لا يفتضح أمر كذبها أمام شعوبها، وحتى تسدد مقابل ما استلمته من أموال مغشوشة وعميلة.
رابعًا: نكسة عسكرية تسليحية، بدت من خلال الأداء المذهل للجيش العربي السوري في إسقاط وحرف أغلب الصواريخ “الذكية والجميلة” التي وعد بها ترامب روسيا وسوريا، فقد حولتها الدفاعات المضادة السوفيتية الصنع القديمة التي جرى تأهيلها من قبل الجيش العربي السوري وبمعاونة روسية إلى صواريخ “غبية وخردة”؛ أي أن سوريا لم تلجأ إلى استخدام أسلحة الدفاع الحديثة والمتطورة، كما أنها لم تستخدم وسائل الدفاع الجوي. وهنا يُستنتج التفوق الروسي في أنظمة الرصد والتشويش، وفاعلية السلاح الروسي، والخبرة التي يراكمها كل يوم الجيش العربي السوري.
إذن، تمكنت سوريا وحلفاؤها من توجيه صفعة أخرى إلى صفعة تحرير الغوطة الشرقية التي راهن عليها معسكر التآمر والعدوان في جعلها الخاصرة الرخوة التي ستكسر ظهر العاصمة دمشق والحكومة السورية، فإذا بتحريرها يكسر ظهر معسكر التآمر والعدوان، ويحطم الحلقة قبل الأخيرة في مخطط التآمر والتدمير، مع اليقين بأن الرد على العدوان آتٍ لا محالة، لكن، كما هي العادة، يأتي بعيدًا عن الصراخ والتهويل، ويكون موجعًا، فإسقاط وحرف أكثر من مئة صاروخ بأسلحة غير موازية في “الحداثة والدقة والجمال” ـ كما وصفها مطلقوها ـ فيه رسالة واضحة.

إلى الأعلى