الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “هوامش البساط الأحمر” للمدادحة تروي انتكاسة الحلم القومي

“هوامش البساط الأحمر” للمدادحة تروي انتكاسة الحلم القومي

عمّان ـ العمانية:
في روايته السيريّة “هوامش البساط الأحمر”، يناقش الدكتور عبد الهادي المدادحة جدلية المصير الشخصي وأحداث التاريخ، حيث ما نعتقده هامشاً قد يكون من التاريخ، وما يملأ حياة الفرد صخباً ربما لا يعدو أن يكون هامشاً صغيراً في أسفل الصفحة.
لكن المدادحة يُقدِّم في كتابه الصادر عن “الآن ناشرون وموزعون”، حقيقة أخرى، لا يريد ضياعها كتفصيلٍ صغير في متن نصٍّ كبير، أو كقطرة ماء في مجرى النهر. إنه يؤكد على أن وعي التاريخ وحركته لا يمكن أن يكون هامشاً، بل هو محرك للتاريخ نفسه، بصرف النظر عن نتائج تلك الحركة.
تتحدث الرواية عن سيرة وسيرورة شاب يذهب للدراسة في مصر أواسط السبعينات حاملاً في جعبته نقاء السريرة والعاطفة القومية وحبّ المعرفة. وكانت تلك الفترة تشهد صعود الرئيس السادات وسياسته المناوئة لسلفه جمال عبد الناصر ذي النزعة القومية التحرّرية التقدمية، والتي تركت تأثيراً كبيراً على فكر ملايين الشباب على امتداد الخريطة العربية، ومن هؤلاء الشباب كان “خالد العربي”، ابن مدينة الكرك جنوب الأردن، الذي لم يكن يخفي إعجابه بعبد الناصر وبما أنجزه لبلده وللأمة العربية.
يتم اعتقال البطل الذي رفض اتفاقية “كامب ديفيد”، والذي لم يكن يدرك أن له تأثيراً على مجرى الأحداث. وفي السجن تُصقل شخصيته، ويتبلور موقفه الوطني والقومي. ثم يُبعَد قبل أن ينهي دراسته، فيعود إلى بلده وهو يحمل أسئلة كثيرة عن مسؤولياته الوطنية، ومسؤولياته الشخصية تجاه دراسته الأكاديمية، وأسئلة عن جدوى العمل السياسي في ظلّ وجود تنظيمات سياسيّة وصولية يشكّل البساط الأحمر هاجس المنتمين إليها. ثم يُتاح له إكمال دراسته في دمشق، وهناك يجد نفسه مرّة أخرى في خضم العمل السياسي دون أن يكون له قرار في ذلك، ومرّة أخرى تواتيه الفرصة لتـأمُّل واقع العمل السياسي، لتتضح أكثر معالم “البساط الأحمر” الذي يسعى الكثيرون ليقفوا عليه.
أما خالد العربي فلم يفكر بذلك البساط ، لكنه كان يأبى أن يكون هامشاً، فترك البساط الأحمر لاولئك الذين كانوا مستعدين للقضاء على مناوئيهم السياسيين دون رأفة، أمام جاذبية البساط الأحمر وإغراءاته. ورغم ذلك، لم يغادر البطل الفكر، ولم يغادر وجدانه الذي ظل مشدوداً نحو الحرّية، ومن ذلك أنه انطلق دون تفكير ليشارك الجمهور المحتفي باندلاع ثورة يناير، وكأنه يستعيد مصر التي أبعتده قبل أكثر من أربعين عاماً.
تجمع الرواية بين السرد الأدبي وتسجيل الأحداث، وهي أقرب للسيرة الذاتية. ويقدِّم الكاتب المادة التسجيلية على شكل هوامش على متن النص، وهي هوامش لا تخلو من دلالات، فهي تعبّر عن أحداث مفصلية، حددت مجرى التاريخ في تلك الحقبة من تاريخ المنطقة.
يقدّم المدادحة كل فصل بعبارة افتتاحية، تشكّل جوهر الفصل:” الرغبة حلم جميل، أما الطموح فهو أن تشمِّر عن ذراعيك لتحقيق حلمك”، “كأن الحياة أجملها بعض فرص اغتنمناها، أوشكت أن تضيع”، ” الفعل عمل إيجابي، لكن رد الفعل صدىً يمشي بسرعة الصوت ويتلاشى”، “لكي ترى أبعد، لا بد من قلب تملؤه البصيرة”.
يقول المدادحة إن كتابه لا يشبه كتاب “هوامش السجن” للمفكر والفيلسوف الإيطالي غرامشي، كما إنه ليس مذكرات معتقل سياسي تَنقّل بين أكثر من سجن في أكثر من عاصمة. ويضيف: “هوامشي كانت إيحاءات إلى أن الطريق الذي كنا نسلكه سيقودنا إلى الخذلان والهزيمة. فالبساط الأحمر الذي يسير عليه المسؤولون، خالفَ اتجاه بوصلة الجماهير التي كانت تسعى للحرية أولاً وأخيراً”.
ويشير إلى أن الكتاب يكشف أنّنا كنا نقدِّم الموت على الحياة، وهذا اتجاه “معاكس للطبيعة”، فلكي تحقق النصر، عليك أن تحيا أولاً ثم تناضل، وإلا فإنك “لن تستطيع أن تبني حياة من الموت، ولا أن تنتصر”.
من أجواء هذا العمل الأدبي: “مَن يعرف الحقيقة؟ حينما تغادر النجوم مداراتها تائهات، هل تستطيع أنت أن تعيدها وتصحح مسار الفلك، أو تستطيع أن تمسك الرياح بيديك وتغيير اتجاهاتها، أو أن تضيء عتمة الليل بشمعة قد انطفأت جذوتها، أو أن تزجر الموج عندما يزمجر البحر غاضباً، أو أن تلملم الروح بعد أن سرحت في الملكوت؟ هل تستطيع أن تمحو الحزن من قلب استوطنه الحزن؟ هل كانت النجوم التي تشاغلني في السماء، ترانا كما نراها؟ هل تذهب النجوم إلى الأسواق؟”.

إلى الأعلى