الخميس 19 أبريل 2018 م - ٣ شعبان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / منظومة أممية بقواعد جديدة

منظومة أممية بقواعد جديدة

ابراهيم بدوي

”.. استطاعت روسيا الاتحادية إقامة خليط جديد بين تاريخها القيصري، وقوتها السوفيتية، وسعت بجهد دؤوب إلى إعادة التمركز حول العالم، بهدف استعادة المجد السوفيتي، كما أنها سعت بقوة نحو إعادة تدشين ترسانتها العسكرية التي اقتربت من اقتسام سوق السلاح الدولي مع واشنطن وحلفائها، واستطاعت أن تقيم جسورا من التحالفات مع كل من يناوئ واشنطن،”

يشكل الخلاف الاميركي البريطاني الفرنسي من جهة والروسي من الجهة الاخرى نموذجا جديدا على حالة الصراع التي تشهدها الكرة الارضية بين أقطاب متعددة تمتلك أدوات لا تتمايز بشكل فريد، لكنها تتميز بمهارة اللاعبين وقدرتهم على تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر، صراع سيادة يستخدم فيه كافة الادوات بدءا من الحرب الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية محدودة الاثر، وهي حالة غابت عن المشهد طوال عقدي التسعينات والعشرية الاولى في الالفية الثانية، وكانت الولايات المتحدة هي العنصر المسيطر على مجريات الاحداث في العالم في هذين العقدين، لكن مع ارتفاع معدلات الطموح حتى بين حلفائها، فإن الولايات المتحدة قد وجدت صعوبة في الحفاظ على تفوقها المطلق ويدها الطويلة المسيطرة على الاحداث في العالم، وخرجت قوى اقليمية وعالمية حول العالم، وتعالت الرؤوس الساعية لقيادة ما يمكن أن نسميه بحملة للتمرد ضد الهيمنة الاميركية، حتى في اوروبا الغربية الحليف الرئيسي لواشنطن حول العالم، وظهر النموذج الصيني كمنافس اقتصادي كبير، استطاع بأن يتمدد على ارض المعمورة ليكون أكثر ندية اقتصاديا وحتى عسكريا، بعد أن شرع في بناء القواعد في العديد من الاماكن الحيوية في العالم.
ولكن يظل الفاعل الروسي هو أبرز المناوئين لواشنطن على مستوى العالم، واستطاعت روسيا الاتحادية إقامة خليط جديد بين تاريخها القيصري، وقوتها السوفيتية، وسعت بجهد دؤوب إلى إعادة التمركز حول العالم، بهدف استعادة المجد السوفيتي، كما أنها سعت بقوة نحو إعادة تدشين ترسانتها العسكرية التي اقتربت من اقتسام سوق السلاح الدولي مع واشنطن وحلفائها، واستطاعت أن تقيم جسورا من التحالفات مع كل من يناوئ واشنطن، واستبدلت موسكو علاقاتها القائمة على تصدير الايدلوجية، بعلاقات جديدة متحررة من الايدلوجية التي كانت عائقا إلى حد ما في تطوير علاقات موسكو السوفيتية مع غير الايدلوجيين من حلفائها، وكانت مصدر مخاوف ممن يحاول مناوئة أميركا، لكن دون التخلي عن توجهاتهم الاقتصادية أو السياسية.
فموسكو الحديثة أكثر تحررا من ايدلوجية معينة، بل إنها تلعب وفق المعطيات التي حددها النظام العالمي التي كانت تقوده أميركا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسعت لربط تحركاتها الرامية لتصاعد النفوذ بمصالح واضحة، متخذة من خريطة التحالفات السوفيتية السابقة مرتكزا لانطلاق عودتها كقطب عالمي، في عالم به أكثر من دولة تسعى إلى أن تكون أحد اقطاب العالم، وجيمعهم يمتلكون أدوات متشابهة وفق نظام عالمي سياسي واقتصادي، ولم تكن المهمة الروسية البوتينية ميسرة، فكانت الاخفاقات وخسارة بعض الحلفاء حول العالم في مناطق نفوذ كانت دائما في رصيد روسيا السوفيتية كالعراق وليبيا جزء من مرحلة بناء القدرات التي تؤهلها للعودة إلى قطبية العالم، خصوصا وأن النظام الروسي وقتها كان يسعى إلى بناء اقتصاد يتحمل الطموحات المستقبلية، لكن سرعان ما أدركت ما فاتها وبدأت في الدفاع عن مصالحها بقوة في مناطق نفوذها واستعادة حلفاء قدامي انضموا للمعسكر الغربي، أو على الاقل تم تحييدهم، وظهر النفوذ الروسي القوي الصلب في اوكرانيا وسوريا، ما دفع بعض الدول إلى السعي لاقامة تحالفات مع الروس بعد أن صنعوا صورة ذهنية تؤكد أن روسيا الجديدة لا تتخلى عن حلفائها، وإنها قادرة على التضامن معهم في أحلك الظروف.
وساعد على الصعود الروسي غياب القدرة الاميركية على التواجد عالميا بالصورة القديمة، وظهور دول نافستها اقتصاديا واثرت عليها في مناطق نفوذها في شرق اسيا والشرق الاوسط وحتى اوروبا، فقوى اقتصادية كألمانيا والصين واليابان .. الخ، استطاعت أن تضعف قدرات الاقتصاد الاميركي في التمدد عالميا، وأصبح بحاجة إلى خطوات اقتصادية تعيد إليه التوازن من جديد، وهي النقطة التي لعب عليها الرئيس ترامب في سيناريو الصعود إلى كرسي البيت الابيض، لاعادة التوازن الاقتصادي المفقود، بدفع الحلفاء أو من وصفهم بالاصدقاء التي ساعدتهم أميركا، فاتورة عودة الاقتصاد الاميركي لسابق عهده، والسعي عبر خطوات تستهدف إضعاف اقتصاديات منافسيه، وحتى اصدقائه الذي يؤمن ترامب أن عليهم أن يدفعوا بجدية أثمان الحماية الاميركية، والعمل وفق منظومتها بعقلية من ليس معي فهو ضدي، ليشتد الصراع وتستخدم فيه كافة الاورواق بدءا بالتلاعب في اسعار النفط والعقوبات الاقتصادية، وصولا إلى بناء تحالفات جديدة تضعف النفوذ لدى الاخر بالعقلية الاميركية، وبين توجه روسي يعي أن الوصول للمبتغى سيكلفه خوض حرب تكسير عظام، سيدفع ثمنها اقتصاديا، لكنها ستمنحه فرصة للعودة إلى الواجهة السياسية، مما سيصب في ترسيم اقتصادياته حول العالم، ولكن في خضم هذا الصراع، الذي اختلط به الحابل بالنابل، تبرز حقيقة واحدة، أن العالم بحاجة إلى منظومة أممية أكثر فاعلية، تستطيع أن تبقي الصراع والتنافس في إطاراته الحالية، وتحول دون تصعيده، تقوم على اسس واضحة ترفض البلطجة من الدول الكبرى، وتحفظ الحقوق للدول وسيادتها في إطار العدالة الانسانية، فترسانة الاسلحة التي يمتلكها المتنافسون تستطيع أن تمحي هذا الكوكب البائس في حالة طيش من زعمائه كما كان الحال في الحرب العالمية الثانية، باختصار نحتاج لمنظومة أممية تضع قواعد جديدة للتنافس تمنع من تحوله لحرب لن تبقي ولن تذر.

إلى الأعلى