الأربعاء 18 يوليو 2018 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في محنة بعض زملاء المهنة

في محنة بعض زملاء المهنة

كاظم الموسوي

” محنة زملاء المهنة صارخة ومعيبة ومخجلة. تتكشف في الأزمات والتبدلات والتغيرات غير المحسوبة او المنتظرة، وتتعرى بعضها دون طلب او سؤال او اكراه مقصود. ماذا سيسجل التاريخ العربي عنها، وكيف يمكن الثقة بما يدوّن من هؤلاء وعنهم، وهم أمام العين الآن تقلبوا وتناقضوا وتنازعوا ولم يحرجوا أمام ضميرهم او مستقبلهم او صفحات التاريخ. حين يقال إن التاريخ لا يرحم قد “يبدعوا” في التأويل والتبرير، وحتى الإسناد لنص مقدس او حدث مشهود، ”

خرجت وسائل إعلام ناطقة بالعربية بأسماء ووجوه زملاء عرب، يتحدثون ويكتبون عن “جرائم أنظمة عربية” كانوا يرتعون في مرابعها، وينسون ضمائرهم عند بوابات محاسبيها وأموالها. برزت بعض مظاهر هذه المحنة في الأزمة الخليجية – الخليجية، ومنها امتدت او في التوازي معها إلى قضايا اخرى، كانت معالم لها في طريقها الإعلامي او تمرير رسائلها عبرها. وأصبحت قناة دولة عرفت باسمها صوت معارضة او اكثر لحكومات مختلفة معها، هي ومن تمولها من وسائل إعلام في انقلاب هزلي لا تحسد عليه. فضلا عن استضافة معارضين سياسيين معروفين وإعطاء فرص واسعة لهم على تلك المنابر، وتحويل أغلب برامجها الحوارية وصفحات منشوراتها إلى لسان حال معارض ومشاكس وناقد متناسية ماضيها في المدح والتطبيل على مختلف الأصعدة والمستويات.
في ليلة ليلاء، في المقلب الاخر، كشفت فضائيات أخرى مستور اؤلئك الذين انقلبوا في تلك الليلة، أحدهم رجل مخابرات وظف في مهنة الإعلام وطرد منها لاسباب كثيرة، معروفة لمن يسأل عنها، وذهب كالعادة ليصبح معارضا لحكومة بلاده واذا بتلك الليلة يعود إلى مهنته الاولى مدافعا عن حكومته وباحثا عن كل الاسباب التي تدين ما كان يوما ملجأه وحماه. هكذا تحولت هذه الأصوات وتغيرت الوجوه وتناقضت المواقف، بأي معنى لها أو مدلول عليها، وثمة اصوات أخرى أكثر تراجيكوميدية من ذاك. أحدهم متورط بينه وبين من يموّله ويرتزق عليه ولغيره ايضا، وبكل صلافة خرج متلكأ في مفرداته ومتموجا في تعبيراته وكاذبا في صوته ولغته وحركاته، فاضحا محنة كبرى يعيشها في وقت لم يتوقع حصوله.
في تلك الليلة من تلك الأيام برزت المحنة وفضحت الوجوه. فحين يفقد الاعلامي، الكاتب او الموظف، حسه وفكره وضميره، لا يحتاج بعد ذلك إلى من يخبره عما فعل وما كان والى ما صار او وصل إليه. فهو في كل هذه الحالات ضيّع البوصلة وافتقد الإنسان الذي يكونه، باعتبار أن الإنسان موقف، وان الموقف تعبير عنه أو هو دليله في هذه الدنيا الفانية.
لا يستغرب بعد أن يصير لديه ما كان يطلق عليه لفظيا بالعدو الاستراتيجي والكيان الصهيوني الى اسم دولة، وبعض وسائل الاعلام تضعه بين قويسات صغيرة، ربما خجلا مما تدعيه ومسعى لتخفيف حمأة التقلب والتلوّن والفقدان للوازع او البرهان، ولكن تحت غطاء التطبيع والاعتراف له بما لم يكن في حسابه، ويشهر كل ما لديه من خزين مدفون أو رصيد مخبأ في توصيف العدو الجديد لواضعي مكتبه او قلمه او موجهي حركته وحتى لسانه، رغم قوة فكيه عليه. ولا يستغرب طبعا اصدار مواقع جديدة، إعلامية إلكترونية او ورقية او برامج جديدة، تحمل ما مطلوب وما يراد له أن يكون بدلا عن ” الثوابت” والرأي والرأي الاخر، او أن تعرف اكثر بلا مصداقية او نزاهة او عفة، من اي نوع لها، حتى لغويا، ويبدع فيها امثال هؤلاء المبدعين المتورطين والقيام بما لم يقم به غيرهم في التفنن و” الابداع” الإعلامي الجديد المطلوب منهم.
تتسابق هذه الوسائل وموظفوها المكلفون، زملاء المهنة، في اغراء مسؤوليهم بما اخفوه عنهم في سابق زمان، وفي ابداع ما لابد منه في زمن تحريف المعنى وتشويه المبنى وغسل الأدمغة او كي الوعي، الذي درسوه او تعلموه قبل الوصول إلى حيث يقبعون او يتباهون في عرض المواهب وتمثيل المذاهب. ولا سؤال لهم بعد أن انغمروا في مشاهد العروض، القديمة أو الجديدة، وباسماء مزركشة وجذابة، وبوجوه مطلية وبمراسلين بوظائف عدة. تتشابه اعلاناتهم وتختلف ألوانهم، تتوافق مضامينهم وتفترق اتجاهاتهم، كأدوات عازفي الأوركسترا والسيمفونية، والمايسترو الواحد والموجه الرائد.
محرج في بعض هذه الملاحظات ما صدر عن ” مفكرين” ومراسلين اعلاميين مثلا عن مفهوم الثورة والمقاومة والممانعة والانتفاضة الشعبية وقوى التحرر والتغيير وامثالها، وكيف تحولت في بعض برامجهم العلنية ورسائلهم وحواراتهم الى مفردات سخرية والى عناوين مقلوبة وتوجهات مضادة للعقلية السائدة في تلك الفضائيات او المواقع والصحف والتصريحات. وأصبحت كلمة ” داعش” مثلا اخرا، وهي مختصر لتنظيم الارهاب المقر والمعترف به دوليا وامنيا الى تنظيم ” الدولة” والتذكير باصداراته والنقل منها كمصدر موثوق عندها والتذاكي بتمرير مقاصده وأهدافه واخباره، في وقت تزييف الوقائع وتدوير الحقائق والخداع في التعبير والتصوير والاسماء والاحداث.
محنة زملاء المهنة صارخة ومعيبة ومخجلة. تتكشف في الأزمات والتبدلات والتغيرات غير المحسوبة او المنتظرة، وتتعرى بعضها دون طلب او سؤال او اكراه مقصود. ماذا سيسجل التاريخ العربي عنها، وكيف يمكن الثقة بما يدوّن من هؤلاء وعنهم، وهم أمام العين الان تقلبوا وتناقضوا وتنازعوا ولم يحرجوا امام ضميرهم او مستقبلهم او صفحات التاريخ. حين يقال إن التاريخ لا يرحم قد “يبدعوا” في التأويل والتبرير، وحتى الإسناد لنص مقدس او حدث مشهود، ولكن الحقيقة لا تغطى بغربال كالشمس التي لا يمكن تكذيبها في أي زمان ومكان.
صوّر المحنة تعددت وبعض الزملاء في محنتهم لا يتباهون طبعا ولكنهم يبررون ما تورطوا به وربما يزينونه لأنفسهم ويحاولون المغالبة فيه والمناطحة أحيانا دون وخزة ضمير فعلي او احساس انساني طبيعي. لسان الحال العام يردد؛ عشنا و شفنا والزمن سجال. منذ اول هجمة استعمارية على وطننا العربي وغزو واحتلال بلداننا، ونشر القواعد العسكرية والاتفاقات العدوانية المعروفة في التفرقة والتسيّد والاستغلال والاستبداد، ومثل هذه الصور او الحالات تتكرر دون اعتبار او تحسب او تساؤل مسؤول. إن مجرد ذكر وجودها ظاهرة غير مرغوبة وشهادة بؤس وخسران. كان المفروض الا تتوفر لها ظروف وتجهز بيئات ولا تصبح محنة او أشد منها.
كان من الواجب في بعض محنة زملاء عرب درس تاريخي وعبرة لأجيال لابد أن تلتزم بما يلزم ويتوجب بما يجب وتحمل مسؤولية أمة ومشروع حضارة وحقوق انسان وتنمية مستدامة لمستقبل منشود ولبناء عالم آمن بسلام وطمأنينة وخيارات مضمونة.

إلى الأعلى