الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: لتزدهر عقولنا محبة وسلاماً

رحاب: لتزدهر عقولنا محبة وسلاماً

د.أحمد بن علي المعشني:
منذ أسبوعين دعيت إلى مدرسة جبلية لإلقاء محاضرة تحفيزية للطالبات والمعلمات والأمهات، وبما أن تلك المدرسة تبعد عن المدينة مسافة ستين كيلومترا تقريبا، وموعد المحاضرة يحين في تمام الساعة التاسعة صباحاً، فقد انطلقت من المدينة مبكراً، وفؤجئت بأنني قد وصلت إلى تلك المنطقة قبل المحاضرة بساعة كاملة، وهنا انتهزت تلك الفرصة الجميلة فانعطفت بسيارتي إلى هضبة جبلية جميلة تطل على وديان وشعاب وتلال وحديقة طبيعية حافلة بالحياة والجمال.
أوقفت محرك سيارتي وبدأت استمتع بالصمت والهدوء الذي لا تلوثه محركات ولايشوبه ضجيج، وجعلت أمتع أنفي برائحة أزهار شجرة (الثومر) وأنظف أذني بسماع زقزقة الطيور وهديل الحمام وأسمح للشمس أن تقلب مشاعري كما تقلب الحياة في الكهوف وتزيل الظلام فينتشر الصباح ويزيد الحياة بهجة وجمالاً، وقبل أن يحين موعد المحاضرة بنصف ساعة، أدرت المحرك وعدت إلى الطريق العام، ففوجئت برجل يتعقب سيارتي، رددت عليه السلام ولكنه كان متجهما وفي عينيه تساؤل ما، لكنني اتجهت صوب المركز الإدراي، وتوقفت أمام بقالة مواد غذائية على الشارع العام وطلبت ماء، فإذا بنفس الرجل يتعقبني، فنظرت إليه مبتسماً وألقيت عليه السلام، قرد السلام باقتضاب، فسألته: هل أطلب لك ماء؟ فرد معتذراً، ثم سألني بإلحاح من أنا؟ وماذا أريد؟ ولماذ جئت إلى هنا؟ فأجبته بأنني من أهل هذه المنطقة؟ لكنه لم يقتنع وألح علي بقوة محاولا أن يعرفني وأن يعرف قبيلتي، فسألته لماذا تحرص على معرفة اسمي؟! أنا من سكان هذه المنطقة. لكنه حاول بكل ما يستطيع أن يعرفني وأن يعرف أهلي وهدف زيارتي ولماذا أنا هنا تحديداً!. تناولت الماء من البقالة وودعته وغادرته، فتبعني مرة أخرى، وقبل أن أصل إلى المدرسة كنت أتمتع بعشر دقائق أخرى لكي أقضيها في تلك المنطقة الجميلة قبل المحاضرة، فاتجهت إلى تلة أخرى تتيح لي النظر إلى عين ماء قديم، تحيطه أشجار التين البري وأشجار سقوت مخضرة وتتداعي إليه العصافير للشرب، كان المشهد غاية في الجمال والروعة فاستمتعت بالمكان والهواء النقي وطنين أسراب النحل التي تلثم أزهار (الثومر). كنت أكثر صفاء وانتعاشا وسعادة، فشكرت الله وحمدنه، واستشعرت مروري وتفاعلي مع المكان والكائنات والخالق عزوجل، وإذا بالرجل لا يزال يقف بعيدا يريد أن يعرف إلى أين سأتجه، لعله يظفر بمعرفة الهدف من زيارتي إلى ذلك المركز الإداري، كان شاحب الوجه، نحيلاً، مجهداً جداً، وسيارته مصدئة وكان قد حشر كل ما لديه من حياة وحشد فضوله لمعرفة من أنا؟ بينما كنت أنا متجهاً بكل تفكيري واهتمامي لكي أرى الحياة والجمال والسعادة في الناس والبيوت والطبيعة وأنا أستجمع في عقلي كيف صارت تلك المنطقة حافلة بالجمال والحياة وجمعت جميع الأزمنة في ملامح بيوتها وأصوات أطفالها وأحلامهم. دخلت إلى المدرسة التي كانت صرحا تعليميا جميلاً جداً، يجمع طالبات من الصف الخامس حتى الصف الثاني عشر، تتعانق دماؤهن وعروقهن وجيناتهن في قالب إنساني جميل، وأجمل قاعة كانت تلك التي القيت فيها المحاضرة واكتشفت أنها قاعة مصادر التعلم، وهي مزودة بأحدث الأجهزة ومرتبطة بشبكة للإنترنت ولها رفوف تحفل بكتب دراسية وثقافية منتقاة لتساعد في بناء شخصية الطالبات وتوسيع آفاقهن. عادت بي الذاكرة إلى سنوات خلت، قبل اربعين عاماً تحديداً، يوم كانت تلك البقعة جرداء، قاحلة، وها هي اليوم مدينة عامرة تنمو فيها الحياة وينتشر بين سكانها الوعي.
دعوت الله أن يمتد العمران إلى تفكير الناس وأن تزدهر عقولهم بالمحبة والسلام.
* رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى