الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / وطني بالعربي .. “أقبُر” بوشر

وطني بالعربي .. “أقبُر” بوشر

جميلة بنت علي الجهورية:
جاءني يعدو مسرعاً إلى المنزل يحمل معه فضوله المعرفي لمعلومة جديدة كان قد سمعها من أحد الرجال في مسجد الحي، جاء وأنفاسه تسابق الزمن وعيناه تشقان طريق العودة برغبة تقوده لأبعد من حدود المنزل، حيث صوت الماضي الذي يغريه يإختراق خط الزمن وتحريك أرقام التاريخ واستكشاف ما يدعوه بـ ” الأقبر” كما ينطقها بصيغة الجمع.
ما زالت انفاسه ساخنة ومشحونة لم تهدأ بعد، فالخبر الذي جاء به كما يصفه ثمين ومهم ليقول بزهو:”عندك خبر أن وراء بيتنا أقبُر!؟ آثار لحروب العمانيين والاعداء ..
ابتسم وبفضول ابادله الحماسة المعرفية “أقبُر”!! وأقول له تقصد “قبور” .. يهز برأسه ويقول:”هي هي” ويكمل حديثه انه يجب ان يذهب الآن ليبحث عنها حيث أن رجلاً أخبرهم أن هناك قبوراً خلف المنزل، وموقعاً أثرياً قد شغفه فضولاً..
يتحدث وشيئاً ما يشده بقوة لتلك المدافن القابعة على تلك التلة التي زحف إليها العمران وتكاد تصبح مهددة بالاندثار، حيث العمران يتنامى ويمد سطوته بعلم أو بدون علم في المكان .. لكن صغيري سعيد بهذه المعلومة وأن هناك آثاراً قريبة منا ويرغب في استطلاعها، إلا أن الوقت شارف على الغروب، ولا يمكن لي كأم أن أتركه يذهب، والمكان يعج بالأيدي العاملة الوافدة في نشاط البناء.
لذا كان لابد لي أن أُسكِن ذلك الشغف وأُغذِيه بمعلومات تُرضي فضوله حتى حين، محاولة بذلك تنشيط ذاكرته بالزيارات الصباحية التي كُنت حريصة على أخذه لها يوميا ونحن في طريق الذهاب إلى روضته، حينما كان صغيراً، والتي شملت فلج الحارة وعين صاد والبيوت والأبراج والحصون والآثار المتناثرة في بوشر القديمة والتي كانت من بينها مدافن صاد، ومدافن بوشر التي يرجع تاريخها للالفيتين الثانية والأولى قبل الميلاد وتميزت بشكلها الدائري المبطن بالحجارة، ناهيك عن مقابر قرص العسل والتي تعد من اقدم هذه المدافن.
لكن صغيري صوت الاجداد يناديه، ويستحثه الخطى للوقوف على صليل السيوف وأصداح طبول النصر، وانتفاضة الرجال التي تركت بصمتها على سهول وتلال وجبال بوشر في معارك يذكرها التاريخ ويجلها بفخر.
خرج إليها لعله يشهد على عقد الصلح الذي تم بين قائد قوات الإمام خميس بن سعيد الرستاقي والبرتغاليين، أو أنه يشهد هزيمة جيش القائد الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي، أو يحظى بشرف لقاء السيدة ثريا البوسعيدية بالمقحم في (البيت الكبير) والذي يضم عددا من التحصينات والأبراج والغرف.
فالآثار التي كان يبحث عنها صغيري وتشع بها روحه كانت أكبر من شواهد تاريخية وبقايا جنائزية، بل أكبر من مكون جغرافي وصراع على صناعة هوية، لذلك يخطئ من يظن أن هذا الجيل يعيش حالة من الانسحاب وسوف يتنازل عن تاريخه وإرثه الحضاري ، يخطئ من يتوقع أن الحروب الإعلامية الثقافية تفلح في تدمير ما سلم به التاريخ وحفظته فطرة الأرض والإنسان.
وها هو يدعوني لجولة لتلك المدافن المنتشرة أعلى التلة، والتي كانت أشبه بالاكواخ المتهدمة والمرصوصة بالصخور والحجارة المتناثرة وتقبع في مكانها مع لوحة تحذيرية قديمة يمنع فيها العبث بالموقع، بينما هو مفتوح من جميع الاتجاهات، والعمران يقترب منها سريعاً.
تنتهي الرحلة مع (أقبُر بوشر) على حد قوله لكنه يبقى يتلمس ذاكرة الأرض ويشتم رائحة الزمن المعتق بملاحم الإنسان، لنعود منها متخم الخيال يفيض بالمحبة للمكان.
وحيث الآثار المنسية التي لا زالت تسكن عقله، تارة أجده منجذباً للآثار والتاريخ والجيولوجيا، وتارة تسرقه كرة القدم بأبطالها ومهاراتها، ومرات كثيرة هو محلق في السماء على متن سلاح الجو السلطاني العماني، لأراقب ذلك الشغف المعرفي الذي يأخذه لاكتشاف ذاته كلما أضافت له الحياة شيء، بل ويستحثه بالأسئلة التي يشتكي منها معلموه.

* من أسرة تحرير (الوطن)
Alwatan1111@gmail.com

إلى الأعلى