الأربعاء 23 مايو 2018 م - ٧ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: إياكم والغيبة
خطبة الجمعة: إياكم والغيبة

خطبة الجمعة: إياكم والغيبة

الْحَمْدُ للهِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ، الْقَائِلِ فِي مُحْـكَمِ التَّنْزِيلِ:(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق ـ 18)، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْـيُنِ وَمَا تُخْـفِي الصُّدُورُ، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إلى خَيْرِ الأَقْوَالِ، وَمَا يُقَرِّبُ إِلَى الرَّحْمَنِ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وتَابِعِيهِمْ إِلَى يَوْمِ يَقُومُ النَّاسُ لِلْوَاحِدِ الدَّيَّانِ.
أَمَّا بَعْدُ، فِيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْـلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْعَمَ عَلى الإِنْسَانِ بِنِعْمَةٍ عُظْمَى لأَجْـلِ حَمْدِهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيسِهِ وَتَعْظِيمِهِ، أَلا وَهِيَ نِعْمَةُ اللِّسَانِ، يُعَبِّرُ بِها عَنْ رَغَائِبِهِ وَحَاجَاتِهِ، وَيُعْرِبُ بِها عَمَّا يَجُولُ فِي خَاطِرِهِ، وَلَكِنْ هَذَا العُضْوُ الصَّغِيرُ جِرْمُهُ، العَظِيمُ خَطَرُهُ وَأَثَرُهُ، لَهُ وَجْهَانِ: وَجْهٌ لِلْخَيْرِ وَوَجْهٌ لِلشَّرِّ، فَإِنْ أَرَدتَّ بِهِ وَجْهَ الْخَيْرِ اسْـتَعْمَلْتَهُ فِيمَا يُرْضِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ سَدِيدِ الْقَوْلِ وَجَمِيلِ الأَحَادِيثِ، وَإِنْ أَرَدْتَ بِهِ الشَّرَّ زَلَقَ بِكَ فِي دَنِيءِ الْقَوْلِ وَمَرْذُولِ الْحَدِيثِ، فَزِمَامُهُ بِيَدِكَ وَمِفْتَاحُهُ بِقَلْبِكَ.
فَيَا أَخِي إِيَّاكَ وَتَسْخِيرَ اللِّسانِ فِي مَرْذُولِ الْكَلامِ وَرَدِيئِهِ، فَفِي ذَلِكَ تَبْدِيلٌ لِنِعْمَةِ اللهِ، وَهُوَ مَا حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ:(وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة ـ 211)، وَلَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ حَفِظَ نَفْسَهُ مِنَ اثْنَيْنِ أَحْرَزَ دِيْنَهُ، قِيلَ: وَمَا هُمَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ حَفِظَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْـلَيْهِ)، قَالَ الرَّبِيعُ: يَعْنِي اللِّسَانَ وَالْفَرْجَ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الْخَطِرَةِ، وَالَّتِي غَدَتْ فَاكِهَةَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَجَالِسِ، أَنْ يَذْكُرَ الْوَاحِدُ أَخَاهُ الَّذِي غَابَ عَنْهُ بِالْمَكْرُوهِ مِنَ الْقَوْلِ، وَهِيَ الْغِيبَةُ الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:(وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات ـ 12)، وَقَدْ خُصَّتِ الْغِيبَةُ بِذَلِكُمُ الْوَصْفِ الْبالِغِ فِي التَّنْفِيرِ:(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)، إِنَّ الإسْلامَ ـ أَيُّهَا الْأَحِبَةُ ـ يَمُدُّ جُسُورَ الثِّقَةِ الْمُتَبَادَلَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُمْ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ:(وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ..) (الحجرات ـ 11)، فَكَأَنَّ مَنْ يَلْمِزُ أَخَاهُ يَلْمِزُ نَفْسَهُ، وَذَلِكَ الَّذِي اغْتَابَ أَخَاهُ كَأَنَّمَا وَقَعَ عَلَى جُثَّتِهِ يَنْهَشُ لَحْمَهَا مُتَلَذِّذًا بِذَلِكَ، وَمَا عَرْضُ الْقُرْآنِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ الْبَشِعَةِ إلّا لِأَجْلِ التَّنْفِيرِ مِنَ الْغِيبَةِ الَّتِي يُؤَدِّي بِهَا فَاعِلُهَا أَكْبَرَ عَمَلٍ سَلْبِيٍّ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَهِيَ مَسْلَكٌ يَسْلُبُ مِنْ أَخِيكَ مَا أَسْبَلَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ سِتْرٍ، وَمَا أَخْفَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الْخَلْقِ، فَتَأْتِي أَنْتَ لِتَلْفِتَ الآخَرِينَ إِلَى مَا وَجَبَ عَدَمُ الالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُغْضَى عَنْهُ، فَالْغِيبَةُ فِي حَقِيقَتِهَا كَلِمَةٌ سَلْبِيَّةٌ، مُثَبِّطَةٌ لِلْعَزَائِمِ، هَادِمَةٌ لِلْهِمَمِ، مُزَعْزِعَةٌ لِلثِّقَةِ، تَزْرَعُ الْحِقْدَ وَالضَّغِينَةَ، وَتُشْعِلُ بَيْنَ النَّاسِ الْفِتْنَةَ، وَالْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللهُ مَنْ أَيْقَظَهَا، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، سَأَلَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) أَصْحَابَهُ يَوْمًا:(أَتَدْرُونَ مَا الْغِيْبَةُ؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُوْلُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ).
إِنَّ الإِسْلامَ ـ أَيُّهَا الْكِرَامُ ـ دِينٌ يَرْقَى بِصَاحِبِهِ لِيَتَعَبَّدَ للهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يَقُولُ كَمَا يَتَعَبَّدُ لَهُ بِمَا يَعْمَلُ، فَلَا تَجْعَلْ، يَا أَخِي، نُطْقَكَ مَعْصِيَةً، إِذْ مَعْصِيَةُ الْكَلِمَةِ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ أَثَرًا وَخَطَرًا مِنْ مَعْصِيَةِ الْعَمَلِ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ:(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق ـ 18)، فَلَا تَسْتَهِينُوا بِالْكَلِمَةِ ـ يَا عِبَادَ اللَّهِ ـ وَاحْذَرُوا مِنْ إلْقَاءِ الْكَلامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ، فَرُبَّ كَلِمَةٍ أَوْجَبَتْ لِصَاحِبِهَا دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَرُبَّ كَلِمَةٍ أَوْلَجَتْ صَاحِبَهَا النَّارَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَلَمَّا قَالَ مُعَاذٌ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم):(أَمُؤَاخَذُونَ نَحْنُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ يا رَسُولَ اللهِ؟ أَجَابَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ـ أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)، وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ ـ يَا عِبَادَ اللَّهِ ـ فِي حَصَائِدِ الأَقْلامِ، فَإِنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَرُبَّما كَانَ أَحَدَّ اللِّسَانَيْنِ، فَأُولَئِكَ، الَّذِينَ يَتَنَاوَلُونَ أَعْرَاضَ النَّاسِ عَبْرَ بَرَامِجِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْذَرُوا الْغِيبَةَ أَيَّمَا حَذَرٍ، فَفِي الْحَدِيثِ:(يا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتََّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ)، لِذَلِكَ مِنَ الأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ أَنْ تُقَاوَمَ ظَاهِرَةُ انْتِشَارِ الْغِيبَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ بِالتَّوْعِيَةِ مِنْ مَضَارِّهَا وَآثَارِهَا الْمُدَمِّرَةِ، وَمُقَاوَمَةِ مَدِّهَا بِتَرْبِيَةِ الْوَالِدَيْنِ أَوْلَادَهُمَا عَلَى الْحَذَرِ مِنْ غِيْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمِنَ اغْتِيَابِ الآخَرِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مُرَاعَاةَ الْحُرُمَاتِ تَتَأَكَّدُ فِي عَصْرِ الشَّبَكَاتِ وَالفَضَاءِ الافتِرَاضِيِّ، فَيَجِبُ الْحَذَرُ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ تَنَاوُلِ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، وذلك بِتَوَقِّي كِتَابَةِ أَوْ إِرْسالِ مَا يَعُودُ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الإِلِكْتُرُونِيَّةَ تَنْتَقِلُ عَبْرَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَيَنْتَشِرُ مَعَنَاهَا إِمَّا بِحَقٍّ وَإِمَّا بِبَاطِلٍ، فَاحْرِصُوا عَلَى الْحَقِّ لِأَنَّكُمْ أَهْلُ الْحَقِّ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبَاطِلَ فَإِنَّ ظِلَّهُ زائِلٌ (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الاسراء ـ 81).
كَمْ رَخُصَتِ الْكَلِمَاتُ ـ يا عِبَادَ اللَّهِ ـ عِنْدَ أَقْوَامٍ مَاتَتْ ضَمَائِرُهُمْ حَتَّى اغْتَابُوا بِهَا أُسَرًا وَجَمَاعَاتٍ، وَجَعَلُوهَا وَسِيلَةَ ابْتِزَازٍ رَخِيصَةً؛ يُوْقِعُونَ عَبْرَ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ أَطْفَالًا وَفَتَيَاتٍ، حَمَلَهُمْ مَعْسُولُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ عَلَى الثِّقَةِ فِيهِمْ، فَوَقَعَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَآسِي، فَأَيْنَ هُمْ مِمَّنْ (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر ـ 19)؟، أَيْنَ هُمْ مِنْ سَاعَةٍ يُقْبِلُونَ إِلَيْهَا أَوْ هِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِمْ؟ (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الانعام ـ 93).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوا اللهَ تَعَالَى فِيمَا تَنْطِقُونَ وَفِيمَا تَكْتُبُونَ، وَابْتَعِدُوا عَنْ مَنْهِيَّاتِ الأَقْوَالِ كَمَا تَتَجَنَّبُونَ مَنْهِيَّاتِ الأَعْمَالِ،(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة ـ 105).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُشَجِّعُ عَلَى إِتْيَانِ الْكَلِمَاتِ الْمُشَجِّعَةِ، الْبَاعِثَةِ لِلْهِمَمِ، الْمُوقِظَةِ لِلْعَزَائِمِ، كَلِمَاتِ التَّبْشِيرِ لَا التَّنْفِيرِ، الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَهَا الصُّدُورُ، وَتَدْخُلُ الْقُلُوبَ بِلا اسْتِئْذَانٍ، تَقُولُهَا فِي وَجْهِ أَخِيكَ وَفِي غَيْبَتِهِ، وَفِيهَا الثَّنَاءُ وَالْبِشْرُ وَمَا يَبْعَثُ عَلَى الْخَيْرِ، كُلُّهَا حَزْمٌ وَعَزْمٌ، وَتَقْوَى وَإِيثَارٌ، وَإِظْهَارٌ لِلْجَوَانِبِ الإِيجَابِيَّةِ، وَإِغْضَاءٌ عَنِ الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ، وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) الْمَدِينَةَ كَانَ أَوَّلُ مَا سَمِعَهُ النَّاسُ مِنْهُ قَوْلَهُ (صلى الله عليه وسلم):(أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ)، فَبِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فَتْحَ النَّبِيُّ مَغَالِيقَ الْقُلُوبِ، فَسَقَطَتْ عَنْهَا أَقْفَالُهَا، حَتَّى دَخَلَ أَصْحَابُهَا فِي دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَرَاقِبُوا اللهَ تَعَالَى فِيمَا تَأْتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ، وَتَوَاصَوْا فِيمَا
بَيْنَكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر 1 ـ 3).
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى