الجمعة 19 أكتوبر 2018 م - ١٠ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (5 ـ 7)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (5 ـ 7)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(نظام الحسبة والدعوى العمومية) للأستاذ الدكتور جابر عبدالهادى سالم الشافعى ـ أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
يقول الباحث حول مراتب الحسبة: للحسبة مراتب يتدرج فيها المحتسِب، وذلك لتحقيق الهدف المقصود منها، وهو إقامة المعروف المتروك، وتغيير المنكَر الموجود ومنعه، وحتى لا يؤدي أمره ونهيه إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوة، وفيما يلى بيان مراتب الحسبة: المرتبة الأولى (التعريف بالمنكر وبيان حكمه): قد يكون المحتسَب عليه جاهلاً بحكم الفعل الذي أقدم عليه، فيكون الاحتساب عليه بتعريفه بما وقع فيه من منكر، وبيان حكمه، ووجه الصواب فيه، كالعامي الذى يقع في البيوع الفاسدة التي قد تخفى عليه، لأن هذا التعريف قد يكفى لكفه عنه، فيجب تنبيهه إلى الصواب، وتعريفه بالأحكام برفق ولُطف، ليكون ذلك أدعى للقبول، وأقرب إلى الإجابة من العنف والشدة، ويملك العمل بهذه المرتبة كلٌّ من والي الحسبة والمتطوِّع بها، والمرتبة الثانية (الوعظ والإرشاد والنصح): وهذا يحتسب به على من ترك المعروف وهو عالم بوجوبه أو أقدم على المنكر وهو عالم بتحريمه أو أصر عليه بعد علمه به، كالذي يواظب على أكل الربا أو شرب الخمر، فيخوّف من عقاب الله تعالى، والترهيب من النار والترغيب فى الجنة، ويتدرج معه في الكلام بلطف، من غير تعنيف، وينبغي للمحتسِب أن يحرص على أن يكون ذلك سراً فيما بينه وبين المحتسَب عليه في أول الأمر، فإن لم ينفعه ذلك أفشاه ولو علم به الناس، ويملك العمل بهذه المرتبة كلٌّ مِن والي الحسبة والمتطوِّع بها، والمرتبة الثالثة (الزجر والتوبيخ باللسان): وهذه المرتبة ينتقل إليها إذا لم يُجْدِ أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح مع المحتسَب عليه، وقد ظهر منه الإصرار والاستهزاء والوقوع في المنكر، فحينئذٍ يجب زجره وردعه بالقول الصارف له عن مقارفة المنكر، توبيخاً أو تقريعا بعبارات شديدة اللهجة، كما ينبغى أن لا يأتى المحتسب بفاحش القول فلا يشتم ولا يسب ولا يكذب، ويملك العمل بهذه المرتبة كلٌّ من والي الحسبة والمتطوِّع بها، والمرتبة الرابعة (التغيير باليد): والمقصود بها دفع المنكر ورفعه بالقوة، وذلك عند عجز المحتسب بالمراتب السابقة، وهذا إنما يكون في المعاصي التي تقبل بطبيعتها التغيير المادي، ككسر آلات اللهو، وإراقة الخمر، ومصادرة المال المسروق أو المكتسب بالغش والاحتكار، والتغيير باليد له شروط من أهمها، ألا يباشر المحتسِب التغيير بيده إلا إذا امتنع المحتسَب عليه من تغيير المنكر بنفسه بعد نهيه عنه، فليس للمحتسِب مثلا أن يُريق الخمر بنفسه إذا استطاع أن يكلِّف شاربها بإراقتها، ويشترط أيضا أن يقتصر في التغيير على القدر المحتاج إليه من غير زيادة، فإذا أمكنه أن يُعطِّل آلات اللهو عن الاستفادة منها بإفسادها، لم يَجُز له تحطيمُها أو إتلافها بأي شكل من الأشكال، وإنما يكفى أن يفصلها حتى تصير خشبا حتى تزول عن حكم الملاهي، لأنّ الهدف من التغيير هو منع استمرار المنكر ودفعه، لا العقوبة عليه، لأن العقوبة إنما هي من وظائف السلطات العامة وليس للأفراد، والمرتبة الخامسة (التخويف والتهديد بالضرب): ويلجأ المحتسِب إلى هذه المرتبة إذا أصرّ المحتسَب عليه على فعل المعصية ولم ينته عنها، فيُهدِّده المحتسِب بالضرب، أو بإخبار الوالي عنه، ويشترط في هذه المرتبة ألا يهدِّده بوعيد لا يجوز له تنفيذه، كأن يقول له: لأضربنّ ولدك أو لأفضحنّ نساءك، كما يُستحسن ألا يهدِّده إلا بما يقدر على تنفيذه، لئلا يؤدِّي ذلك إلى الاستهانة والاستخفاف بتهديد المحتسِب، والمرتبة السادسة (مباشرة الضرب): إذا لم تُجْدِ الطرق السابقة في دفْعه المنكر، يجوز عند الضرورة أن يباشر المحتسِب ضربَ المحتسَب عليه، لكفه عن المنكر إذا أصرّ عليه، ويُشترط في هذه المرتبة أن يكون المحتسِب قادراً على مباشرة الضرب من غير أن يَلحَقه بنفسه أو بغيره ضرر هو أكبر من المنكر الذي دفَعه بذلك، وألا يزيد فيه عن قدر الحاجة، فإذا امتنع المنكر عليه عن ارتكاب المنكر، بضربه، فليس للمحتسب أن يضربه مرة أخرى، والمرتبة السابعة (الاستعانة بالغير): إذا عجز المحتسِب عن تغيير المنكر بنفسه، واحتاج إلى الاستعانة بالغير لإزالته ودفعه، فإن كان المحتسِب والياً فله ذلك، أما إذا كان المحتسِب متطوِّعاً.
فإن كانت الاستعانة بذوي السلطة جاز له ذلك، والمقصود بذوي السلطة هم من عينهم الإمام في ولاية من الولايات كالقضاة، وجعل من صلاحيات عمَلهم جواز الاستعداء إليهم وطلب النصرة منهم، أما إذا كانت الاستعانة بغير ذوي السلطة، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على رأيين، الأول: يرى البعض عدم جواز اتخاذ الأعوان في تغيير المنكر، لأنه قد يتخذ أصحاب المنكر أعواناً أيضاً لمواجهتهم، فيؤدِّي هذا إلى القتال والفتن وإخلال الأمن في البلاد، مما يؤدِّي إلى منكر أكبر من المنكر المطلوب تغييره، والضرر لا يُزال بضرر مثلِه، ولا بأشد منه، والثاني: يرى البعض أنه يجوز الاستعانة بغيره لمواجهة المنكر وتغييره، لأنه إذا جاز له استعمال المراتب السابقة جاز له استعمال هذه المرتبة لدفع المنكر وإزالته، والراجح أن المحتسِب إذا أمِن الفتنة، فيجوز له الاستعانة بالغير لتغيير ذلك المنكر، أما إذا غلب على ظنّه أن استعانته بالغير لتغيير المنكر يؤدِّي إلى مفسدة أكبر من المصلحة المرجوّة من قيامه بالاحتساب، من إثارة للفساد والفتنة في البلاد، فلا يجوز له ذلك لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
والنقطة الثانية ـ دعوى الحسبة والدعوى العمومية: رأينا فيما سبق أن مراتب الحسبة التى يتبعها المحتسب كثيرة ومتدرجة، وأنه عند عجز المحتسب عن تغيير المنكر بالمراتب السابقة لقوة شوكة المحتسب عليه، أو كان المنكر قد وقع وانتهى، فإنه فى هذه الحالة يكون رفع الدعوى أمام القضاء حقا وواجبا على المحتسب، وهذه الدعوى يطلق عليها العلماء دعوى الحسبة، وهذه الدعوى تمتاز عن مراتب الحسبة الأخرى وتمتاز عن الدعوى الشخصية، بأوصاف خاصة بها، وفيما يلى بيان هذه النقطة بشئ من التفصيل المناسب.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى