الجمعة 19 أكتوبر 2018 م - ١٠ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لصوص!!

لصوص!!

عادل سعد

”يطلون على فقراء العراق بملامح انتخابية صارمة مع عناوين أنهم سيكونون في البرلمان القادم صوت الفقراء, والصوت القوي ضد الفساد, وأن أهدافهم مستمدة من الأهداف الربانية المرسومة لنهري دجلة والفرات يتمنطقون بالأمل والمساواة والعدل ودفع الفاسدين للقضاء واسترجاع الأموال التي سرقها آخرون.”

يستنسخ سياسيون التجربة (الرائدة) للصوص العطور الذين يحرصون على تعطير أنفسهم مجانا في الأسواق الكبيرة الحرة والمقيدة, فقد تحولت إلى مشاهد متكررة أن يتسكع رجال ونساء في أقسام العطور من تلك الأسواق, يعطرون أنفسهم من النماذج المعروضة بذريعة فحص نوعية العطر تمهيدا لشرائه, لكنهم في أغلب الأحيان ينسلون من هناك بدون أن يدفعوا دولارا واحدا, قلت دولارا واحدا ولم أقل فلسا واحدا؛ لأن التعاطي بالدولار يشمل الآن أغلب حالات الدفع!
هناك سياسيون يعتمدون الآلية نفسها, يلتقطون هذا العنوان أو ذاك, من السائد في الواجهات كأحلام أو آمال أو اعتقادات ويعرضونه بكل مفردات التطبيل والنفاق والمراوغة, عارضين (روائحهم) التي تزينوا بها على إيقاعات رشاقة الكذب والتدليس وفاقة الضمير عندما تكون هذه الرشاقة من ضمن أساسيات التمرس في هذه المواقف.
تستطيع أن ترصد سياسيين من هذا النوع أيضا على قارعة انتخابات برلمانية, وعلى موائد ولائم مشبعة بالدهون السياسية المهدرجة أو الاجتماعات, أو عروض مواقف في فضائيات, أو على صفحات جرائد, أو مواقع إنترنت ينشدون تغريدات مشابهة إلى تغريدات الرئيس الأميركي ترامب في عروض القوة وروائح الجاه العسكري لتدمير سوريا وإقامة حكم الغاب المجرد من أية قيمة بالضد تماما من الميثاق العتيد للأمم المتحدة الداعي في ديباجته إلى المقاصد الجميلة وفرص التنمية ونبذ الكراهية التي امتنع أمينها العام أنطونيو جوتيريش من التفكير بها لئلا يمس أهداف الدمار, بل تستطيع أن تجد ذات العطور في التغريدة التي أطلقها الرئيس الفرنسي ماكرون ضمن الفقاعات التي دأب عليها حين قال إنه استطاع أن يقنع ترامب بتأجيل سحب القوات الأميركية من سوريا وبذلك ارتكب فضيحتين بنيويتين, الأولى أنه سيد النصائح الأوروبية بلا منازع وكأنه بذلك يضرب على جدار المستشارة الألمانية ميركل, والفضيحة الثانية أنه أعلن مع سبق الإصرار وبكل وضوح أن السياسة الأميركية تعمل بالنصائح فحسب وليس بحساب من يدفع ثمن العتاد.
تستطيع أن ترصد مثل تلك العطور في البكائيات التي أقامها سياسيون رواتبهم مدفوعة الثمن عن أوضاع العراق وسوريا وليبيا واليمن وربما في بلدان عربية أخرى إذا لم يكونوا, أي أن هؤلاء السياسيين مساهمون في إدارة دفة تلك البلدان على وفق الأجندة التي (نذروا) أنفسهم لها.
أعداد من هؤلاء السياسيين نصبوا أنفسهم دعاة الإصلاح الشامل في العراق متزينين بربطات العنق واكسسوارات الوجوه, رجالا ونساءً, بعض هذه الإكسسوارات والعطور من مناشئ صناعية في تايلاند وأخرى من شانيل أو ديور أو ماكس فاكتور.
يطلون على فقراء العراق بملامح انتخابية صارمة مع عناوين أنهم سيكونون في البرلمان القادم صوت الفقراء, والصوت القوي ضد الفساد, وأن أهدافهم مستمدة من الأهداف الربانية المرسومة لنهري دجلة والفرات يتمنطقون بالأمل والمساواة والعدل ودفع الفاسدين للقضاء واسترجاع الأموال التي سرقها آخرون, لم أقرأ كلمة واحدة تشير إلى أن أحدهم ارتكب خطا، وأنه يعتذر للعراقيين وعلى أتم الاستعداد لتصحيح خطئه إذا تم انتخابه.
إن هذا النوع من المرشحين, أعدادهم بالجملة, لم يلتزم مرشح واحد بأنه سيتولى رعايه يتيم من الأطفال الأيتام في العراق, الذين وصل عددهم في مدينة الموصل وحدها حسب معلومات حصلت عليها من باحث اجتماعي خلال زيارتي الثالثة للمدينة أن عددهم وصل إلى 22000 يتيم، مع أن عراقيين آخرين من جنوب العراق ووسطه ومن حواضر عراقية أخرى دفعوا دماءً حارةً من أجل نجاة هؤلاء الأيتام خلال تحرير هذه المدينة, لم أقرأ في أية لافتة من لافتات المرشحات للانتخابات المقبلة جملة واحدة تشير إلى أنها تتضامن مع مطلقة, أو أرملة عراقية، وقد وصلت أعدادهن إلى أكثر من مليون وربع المليون امرأة, لم أقرأ ولم أجد مرشحة أو مرشحا تعهد بأنه إذا فاز سوف يتخلى عن واحد بالمئة بالأكثر من مكافآته ومرتباته البرلمانية لصالح أكثر من سبعمئة وخمسين ألف شاب وشابة ما زالوا عاطلين عن العمل وأغلبهم بشهادات جامعية.
الحال, العطور التي يسرقونها, هي من دكاكين سياسية معدة لهذا الغرض في طبخات لآمال وتطلعات مواطنين عراقيين أدمنوا الانتظار على مرأى طاولات البيع والشراء.

إلى الأعلى