الأحد 27 مايو 2018 م - ١١ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / السلطانة جومبيه فاطمة .. صراع الحب والسلطة “10″

السلطانة جومبيه فاطمة .. صراع الحب والسلطة “10″

يوسف الحبسي

(السلطانة جومبيه فاطمة ابنة السلطان “رامنتاكا” ملجاشي الأصل من مدغشقر، هرب من بلاده بسبب صراعات على السلطة هناك، واستولى عنوة على الحكم في جزيرة موهيلي القمرية الوادعة في عام 1832م، وتسمى باسم عبدالرحمن، وأعلن إسلامه، وتحالف بعدها مع السلطان سعيد بن سلطان، سلطان عمان وزنجبار، وأوصى قبل وفاته أن تخلفه ابنته فاطمة في حكم موهيلي، التي وصفها معاصروها بـ”حالة مرضية متقلبة المزاج” والتي تنافست على كسب ودها وخطبة يدها أطراف دولية وإقليمية ومحلية تنافسا محموما).

إن وقوع موهيلي تحت هيمنة جزيرة أنجوان كان يبدو متوقعا أكثر من أي وقت مضى بعد مايو 1861، إذ ذهب “تسيفاندين” إلى موتسامودو عاصمة أنجوان بحسب القس “فيناز” للتباحث مع القنصل الإنجليزي “صنلي” من أجل الزواج المقبل للأمير محمد بن السلطان عبدالله من السلطانة فاطمة، وبقي هذا الأمر مقلقا لمضاجع الفرنسيين، إلا أن السلطانة طبعا قررت الزواج من عمر المسيلي قي 11 سبتمبر 1864م نزولا عند رغبة السلطات الفرنسية في مايوت بعد ذلك بسنوات، ووجد الفرنسيون أن الظروف مهيئة والفرصة مواتية ينبغي حسن استغلالها، لذا توصل الآمر الأعلى في مايوت “جبري” إلى أنه لا يمكن إطلاقا وضع موهيلي تحت مراقبة مايوت إلا بدفع ثمن استخدام القوة من أجل إبعاد الوزراء الثلاثة في حكومة السلطانة ونفيهم من الجزيرة، وبدأت الخطة التنفيذية الميدانية قبل كل شيء بإخلاء الفرنسيين المقيمين في الجزيرة “فيناز” و”ماريوس أرنود” اللذين غادرا موهيلي في 16 يونيو 1861م، وفور وصول الرجلين إلى مايوت أصدر الآمر الأعلى في مايوت تعليماته إلى القبطان “بيرتين” بالتوجة إلى موهيلي لإنجاز المهمة التي تمت بنجاح في يوليو 1861م، ولم تعترضها السفينة الإنجليزية “بريسك” التي كانت ـ حينئذ ـ جاثمة في مرساة فومبوني، فأبحرت ـ على الفور ـ مفضلة خيار عدم مواجهة العمل الفرنسي.
وكانت العملية مكونة من فصيلتين تضمان سبعة وأربعين رجلا، بقيادة ملازم السفينة “بيسيجير” “ماريوس أرنود” الذي عاد وشارك في العملية بصفة مترجم، واستطاع من حمل السلطانة فاطمة على إصدار مرسوم يقضي بعقوبة نفي الوزراء الثلاثة، فتم القبض على “تسيفاندين”، وعبدالله مسيلم، وإركابهما على السفينة، أما الوزير الثالث علي معلم، فقد أوقف في قرية داخل الجزيرة، واقتيد في المساء إلى متن السفينة التي انطلقت بالوزراء الثلاثة إلى مايوت.
وفي اليوم التالي وجهت السلطانة رسالة شكر إلى كل من “بيرتين” و”جبري” ملتمسة فرض إجراءات صارمة على المبعدين الثلاثة الذين تم حبسهم في بلدة “فامانزي” حيث أمنت الإدارة الفرنسية لهم الإقامة والإعاشة.
وتوفي “تسيفاندين” عام 1863م، أما زميلاه فقد عفا عنهما السلطان محمد بن سعيد بن محمد بن ناصر البوسعيدي، الابن الأكبر لجومبيه فاطمة، وسمح لهما بمغادرة مايوت عام 1868م، إلى جزيرة القمر الكبرى، وأقاما بها فترة ثم عادا إلى موهيلي حينما اندلعت الأزمة التي شهدتها الجزيرة في مايو 1871م، فتم نفي عبدالله مسيلم ـ مرة أخرى ـ بعد عشر سنوات من النفي الأول، أما علي معلم فتوفي بجزيرة القمر الكبرى بعد عدة أعوام من ذلك، وبهذا التدخل العسكري من الأسطول البحري الفرنسي تم التخلص من هؤلاء الوزراء المقاومين والمحسوبين على سلطان زنجبار، ويشكلون معارضة قوية للمصالح الفرنسية في موهيلي، مما فتح الباب واسعا أمام المطامع الفرنسية وانتزاع “لامبير” اتفاقيته مع السلطانة فاطمة التي كرست نفوذ فرنسا لفرض همنتها على موهيلي.
كان الدوق “جوزيف لامبير” قد وصل إلى مايوت في 2 يوينو 1861م عشية عملية التدخل العسكري لنفي الوزراء الثلاثة، والتقى بشريكه “ماريوس أرنود” الذي أطلعه على الوضع السياسي في موهيلي، والعقبات التي تعترض فيها مشاريعهما، فشهدت الجزيرة بعد تلك العملية فترة هدوء نسبي، وقام جوزيف لامبير بزيارة تفقدية قصيرة إلى موهيلي مكنته من التعرف خلالها على جومبيه فاطمة، وتقييم الموارد الزراعية في الجزيرة، وفي 15 أكتوبر 1863م قام ماريوس بزيارة الجزيرة حيث وجد أن السلطانة فاطمة لم تزل على استعداداتها للترحيب بمشاريعهما، بل وجهت رسالة في 18 أكتوبر من ذات العام إلى لامبير لتذكيره بعدم نسيان الوعود المقطوعة قبل سنتين.
وفي العام التالي عاد ماريوس إلى موهيلي بينما عاد إليها لامبير في ديسمبر 1864م، وهو يحمل معه 15 صندوقا من المعدات، وكانت السلطانة حريصة على تلبية طلباته بهدف نيل عطف ورضا السلطات الفرنسية في مايوت، ومن هنا استطاع لامبير مستغلا ضعف السلطانة بعد وفاة الأمير سعيد بن محمد البوسعيدي في منفاه بجزيرة القمر الكبرى في 11 سبتمبر 1864م، وكونها تورطت في بعض الديون المالية من لامبير، استطاع التوقيع معها في 14 فبراير 1865م على اتفاقية الامتياز، التي كان قد أعد نصها بما يخدم مصالحه، وتتنازل له السلطانة بموجب هذه الاتفاقية عن جميع الأراضي الزراعية في الجزيرة غير المستغلة من قبل السكان لمدة 60 عاما مقابل حصول السلطانة على 5% من قيمة أرباح الاستثمار، مع تعهدها بتقديم الأيدي العاملة في المشروع، مما مهد الطريق وقرب المسافة لتثبيت نفوذ وهيمنة بلاده على الجزيرة، مما جعل لامبير السيد الحقيقي في الجزيرة …يتبع

إلى الأعلى