الأحد 19 أغسطس 2018 م - ٨ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شاغل أميركا الراهن

شاغل أميركا الراهن

أ.د. محمد الدعمي

غادر كومي مكتب التحقيقات الفيدرالي بصمت، وبقي حبيس بيته حتى مفاجأة خبر إصدار الكتاب أعلاه، إذ إن الكتاب في جوهره نقد لاذع للرئيس، نقد يتماهى إلى ادعاء كومي “أن دونالد ترامب غير لائق لمنصب الرئيس الأميركي أخلاقيا، وليس بدنيا”، زد على ذلك تماديه حد القول بأن “الرئيس دونالد ترامب كان قد طلب منه ما لا يتواءم مع متطلبات وضوابط عمله، مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالي”، الأمر الذي قاد الرئيس إلى قراره المفاجئ بطرده أولا، ثم طرد نائبه من بعده..

في سياق مقالة أخرى تتمحور حول الصراع المركزي في أميركا اليوم، بعنوان “النظام أم المال”، (الجمعة 20 أبريل، 2018)، لاحظت كيف تبلور هذا الصراع المصيري على البقاء بالنسبة لما يسمى بــ”الديمقراطية الأميركية”، خاصة بعد تسنم الرئيس دونالد ترامب الرئاسة قبل أكثر من سنة، كما لاحظت بأن تحقيقات “لجنة مولر” الجارية اليوم على قدم وساق إنما هي مرآة هذا الصراع، إلا أن على المرء، إضافة لما أشرنا إليه في أعلاه، أن يلاحظ بأن الجمهور الأميركي مشغول اليوم على نحو أكثر مباشرة مع كتاب أصدره المدير السابق لــ”مكتب التحقيقات الفيدرالي” FBI، الـــــــسيد “جيمس كومــــــي” يوم 17 أبريـــــــل، 2018، تحت عنــــــــوان ((AHigher Loyalty نظرا لما يميط هذا الكتاب عنه اللثام حول أحد تشعبات الصراع الأساس أعلاه، وأقصد بذلك الخشية من النزق الذي سوغ للرئيس قرار طرد جيمس كومي من منصبه الخطير.
ولكن على الرغم من أن الكتاب ما زال في انتظار المزيد من الأضواء والمداخلات النقدية على هامش استرجاعاته وأفكاره، إلا أن للمرء أن يلاحظ بأن تفجر الصراع بين المال (الملياردير دونالد ترامب، رئيسا)، وبين النظام (كومي مديرFBI) يعود أصلا إلى طلب الرئيس من كومي غض النظر عن ملف تحقيق حساس كان قد بدأ حال تسنم الأول الرئاسة حول التعاون المفترض بين أول رئيس لمجلس الأمن القومي عينه ترامب وبين الحكومة الروسية، وهي قضية أمنية من الوزن الثقيل بطبيعة الحال: إذ إن كومي قد تعرض للإحراج كثيرا من قبل الرئيس ترامب لأن مثل هذا الطلب مخالف لقواعد عمله على رأس أهم جهاز استخباري في العالم. وهذا ما دعا كومي إلى عدم تلبية طلب الرئيس، الأمر الذي قاد الرئيس إلى طرد كومي على حين غرة.
غادر كومي مكتب التحقيقات الفيدرالي بصمت، وبقي حبيس بيته حتى مفاجأة خبر إصدار الكتاب أعلاه، إذ إن الكتاب في جوهره نقد لاذع للرئيس، نقد يتماهى إلى ادعاء كومي “أن دونالد ترامب غير لائق لمنصب الرئيس الأميركي أخلاقيا، وليس بدنيا”، زد على ذلك تماديه حد القول بأن “الرئيس دونالد ترامب كان قد طلب منه ما لا يتواءم مع متطلبات وضوابط عمله، مديرا لمكتب التحقيقات الفيدرالي”، الأمر الذي قاد الرئيس إلى قراره المفاجئ بطرده أولا، ثم طرد نائبه من بعده، بعد أن حل الأخير محل المدير، بديلا عن كومي. علما أن ماكيد McCade لم يبقَ بمنصبه طويلا، الثاني، إذ إنه قد طرد ثانية، وقد حدث ذلك في توقيت حقود للغاية لأنه قد طرد قبل يومين فقط من تاريخ استحقاقه لحقوقه التقاعدية. وبذلك حرم ماكيد من آلاف الدولارات مرتبا شهريا لبقية سني حياته بسبب نزق وانفعالية الرئيس.
وقد لاحظ المؤلف، أي كومي، أن الرئيس يبدو رجلا غريب الأطوار، وعجيب الشكل المؤلف بسبب لون بشرته البرتقالي وتسريحة شعره الغريبة، إلا أنه لم يركز على هذه الشكليات بوصفها قضايا ثانوية، بقدر ما ركز على ادعاء الرئيس خلال دعوتي تناول الغداء اللتين أرعبتا كومي بعد حظورهما بسبب طلب الرئيس منه “ولاءً شخصيا” مطلقا له، وليس لمتطلبات عمله على رأس أكبر جهاز استخباري في العالم، بلا منازع. إلا أن ما أثار مواجع كومي خلال دعوتي الغداء أعلاه (في البيت الأبيض)، بأن يتلخص في ادعاء الرئيس بأن الجلستين قد سجلتا صوتيا، وأنه قد يطلب عرضهما على الجمهور: ولا يدري المرء كيف يمكن لرئيس ومرؤوس أن يتعاونا بهذه الطريقة المبتناة على الشك، استعمال إذا سادت أجواء الشك بينهما درجة التسجيلات السرية، ودرجة ادعاء كومي في كتابه عن وجود معلومات دقيقة عن توظيف الروس عددا من بائعات الهوى للنزول في غرفة ترامب عندما كان مديرا لمسابقة ملكة جمال العالم التي أجريت في موسكو قبل سنوات! علما أن توظيف هذا الأسلوب لاقتناص نقاط ضعف كبار الضيوف مشهور لدى الروس، خاصة بقدر تعلق الأمر بما فعلوه مع الرئيس الإندونيسي السابق، أحمد سوكارنو.

إلى الأعلى