الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / “سعود البوسعيدي” ذاكرة زنجبار في عُمان.. وداعًا
“سعود البوسعيدي” ذاكرة زنجبار في عُمان.. وداعًا

“سعود البوسعيدي” ذاكرة زنجبار في عُمان.. وداعًا

د. عبدالعزيز بن هلال الخروصي:
لم يكن السيّد سعود البوسعيدي يدري بأنّ التاريخ يُخبىء له مستقبلاً مجهولاً لكنه سيُخلّد ذكراه، ولم يَدُر بخُلدِه بأنّه سيكون شاهد عيان لازدهار الحضارة العُمانيّة في شرق إفريقيا وتراجعها، أحيانًا يأتي القدر على شخص ليجعل منه أيقونة لأمة أو لتاريخ عظيم.
وُلِد السيّد سعود بن أحمد البوسعيدي في عام 1914م تقريبًا في زنجبار بعد أنْ هاجرت أسرته من بركاء على ساحل الباطنة ،
وبحُكم موقع أسرته اجتماعيًّا وقربها من البلاط السلطاني في زنجبار نشأ وتربّى وترعرع أفضل ما تكون التربية.
دخل مُعترك الحياة الاجتماعية والإدارية والسّياسيّة الزنجباريّة مُتسلحاً بعُمانيّته وعُروبته. فعمل ما بوسعه من أجل بلاده وبذل الشيء الكثير لوطنه ولأبناء وطنه.
لم تكن الصُدفة هي وحدها من قادت السلطان خليفة بن حارب، سلطان زنجبار للزواج من أخته السيّدة نونوه، والتي كان السيّد سعود بمثابة وليًّا لأمرها، إنّما جاءت تتويجاً للعلاقة الممتدة بين الأسرتين الكريمتين ولمناقبها وصفاتها هي وعائلتها.
ووسط البلاط السلطاني نما عوده أكثر وشبّ، وإلى المعالي كان يسعى بجد وكثب، ونحو العلياء ارتقى ووثب. امتزجت في تربيته الحياة العامة بقُربه من الأهالي ونمط الحياة في بلاط السُّلطة والحُكم وما فيها من نظام وبرتوكول. فسهّل عليه ذلك مستقبلاً التأقلم مع طبيعة الحياة والتعامل مع أبناء زنجبار بأطيافهم المختلفة ومع ضيوف زنجبار الرسميين والشخصيين.
وفي السّاحة المقابلة لبيت العجائب كانت الأفكار والتأملات حول عُمان الأم ترسُم أمام عينيه لوحة التواصل والتقارب والتي تُعبّر عنها رحلات العُمانيين على متن المراكب والسُّفن المُبحرة من الموانئ والبنادر العُمانيّة وهي ترسو على شاطئ الفرضاني.
كان يُدرك معاناة هؤلاء الواصلين من أماكن قصيّة من وطنه، فرحلة البحر لم تكن من السهولة خوضها وركوب عُبابها، فكم كادت أمواج المحيط الهندي العاتية أن تُطيح بأحلام الحالمين بحياة جديدة يعيشونها في زنجبار ومناطقها وأقاليمها وتوابعها وما جاورها.
ما بين مسقط وزنجبار مسافة وإن كانت طويلة بآلاف الأميال، غير أنّ حالة الوئام والحنين والتاريخ والحضارة اختصرتها، فدنت الجغرافيا من بعضها، واقترب الساحلين العُماني والزنجباري فهما وإن كانا في قارتين مختلفتين، إلاّ أنهما في الوجدان والواقع عُمانيا الهوى والهوية.
كان ينظر إلى الوجوه القادمة من موطن الآباء والأجداد فإذا به يرى فيها كبرياء الإنسان العُماني وعنفوانه ورجولته وشهامته وكرمه وخُلقه وأصالته، فزاده ذلك خُيلاءً وتِيهًا بماضي أمته وتاريخها العظيم. وهو قد خبَرَ ذلك في بني قومه الموجودين بزنجبار، وأنبأته كُتب التراث والتاريخ والأدب وملاحم الشعر عن سيرهم الخالدة وأفعالهم المشرّفة. وعندما كان يتمشى في ضواحي زنجبار وأريافها فكأنه يتجوّل في مسقط أو صلالة أو نزوى أو صحار أو مسندم أو صور أو الرّستاق، وعندما كان يستريح تحت ظلال شجرة القرنفل أو (جوز الهند) النارجيل فإذا بالجغرافيا تتلاشى وكأنه يستظل تحت ظِلّ نخلة او سِدرة أو شجرة مانجو أو شجرة سُفرجل في إحدى المدن أو القرى العُمانيّة. وأثناء مروره على الباعة والمشترين في سوق درجاني حيث المعروض من السّلع والبضائع أصناف شتّى، جُلِبت من أصقاع الأرض كانت المنتجات العُمانيّة من التمور والملبوسات وغيرها تأخذ مكانها المميّز في رفوف المتاجر، وتُزيّن الخناجر والسيوف بجمالها وحضورها والموضوعة بكل عناية على واجهة وجدران المحلات، وتتعالى أصوات الدلّالين بلغة عربيّة وبلكنة ولهجات محليّة عُمانيّة، فإنها تأخذ تلك المشاهد والجماليات من أسواق الحافة والسيب ونزوى والرّستاق وصحار، حيث المرتادين بمصارهم وعِصيّهم وملابسهم العُمانيّة. وعندما كان يتجوّل في مرتفعات الجزيرة الخضراء” بمبا” فإذا بمرتفعات عُمان وجبالها الشامخة تحضر في المكان عينه، فإذا بالمشهد؛ وكأنه يقفز من صخرة إلى أخرى ويرتقى مرتفعات الحجرين الغربية والشرقية لينتهي به الصعود إلى قمتي جبل شمس والجبل الأخضر، ويجد نفسه في أعلى سمحان والقمر في ظفار ورؤس الجبال بمسندم يُطاول السحاب ويُعانق السماء في عِزّة وكبرياء، فزادته صلابةً وثباتًا ورسوخاً.
ازداد حُبه لعُمان، وأصبح الحنين إلى الوطن الكبير يعزف سيمفُونية الشوق ولحن الإياب، ومع كل لحظة حنين تراوده والتي ما فتأت، كانت خفقات القلب تزداد لتدعوه أنْ يُيمّمَّ وجهه نحو الدّيار العُمانيّة، وهو ما تحقّق بعد سنوات، فالغائبون سيرجعون، والعائدون بعد مُعاناة مع الأيام وهم يحملون تاريخهم وتاريخ أمتهم فعودهم أحمد. كانت عُمان في قلبه وجوارحه، ساكنة بين حنايا ضلوعه، ومرصّعة على جبينه وفي بؤبؤ عينيه، يحملها وطنًا وشعبًا وتاريخًا وجغرافيا، وفي كل محطات التاريخ العُماني في الشرق الأفريقي كانت عُمان التاريخ والإمبراطورية والمجد والعزّة والكرامة تفردُ له سيرة عطِرة، تحمله مع الراحلين الكبار وإلى جانبها زنجبار إلى حيث الخلود.
كل شيء في زنجبار في تلك الأيام ينطق عُمانيًا، لساناً وملبساً وعاداتًا وبناءً ومعمارًا.. كانت حياة السيّد سعود بن أحمد حافلة بالأحداث والمشاهد، لأنّ نشأته كانت استثنائية وعيشه في زنجبار كان في عصر استثنائي بالرخاء والازدهار، واستثنائي مرير بحدوث الانقلاب الدموي أوائل 1964م، ثم ارتحاله إلى أقطار أخرى في أوقات استثنائية، وحتى عندما حطّت ركابه للعمل في ليبيا كان الزمن يموج بعاصفة انقلاب استثنائية في سنة 1969م بوصول العقيد معمّر القذافي إلى السُّلطة.
وعند عودته إلى عُمان كان على عرش البلاد رجل استثنائي، إنه جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه، وعُمان تعيش عصرًا استثنائيًا من التطور والرُّقي والانطلاق إلى عالم النماء والازدهار. إنّه القدر الذي صنع منه برغم الظروف وحتى وإنْ تكالبت عليه الصروف رجلاً مُميّزاً في تاريخ زنجبار المعاصر. عاش “البوسعيدي” في زنجبار وسط العامة من الناس فلم تُبعده السّلطة والنفوذ عنهم، ودخل إلى مجالس الخاصة وأصحاب الإدارة وصُنّاع القرار، وكان من ضيوف البلاط السلطاني والمقرّبين من سلاطين زنجبار المتأخرين بدأ بالسلطان خليفة بن حارب وابنه السلطان عبدالله وابنه السلطان جمشيد. فهو الخبير بحياة زنجبار والزنجباريين من عُمانيين ويمنيين وأفارقة وشيرازيين وهنود وغيرهم، عرفوه بصدق وعرفهم بعمق. اعتصره الألم والحزن والأسى، وأصابه ما أصاب اخوته وأبناءه العُمانيين والشرفاء الآخرين من سكان زنجبار من تعذيب وقهر واعتقال ومصادرة للأملاك والأموال والتشريد. فتنقل بين مُمباسا ودار السلام والقاهرة وطرابلس الغرب وطهران وغيرها من المُدن والعواصم والأقطار. وكان قبل ذلك يرى بأنّ نُذر التغيير قادمة وأنّ بوادر الإنقلاب تلوح في الأفق، لكن الأمر حينها قد انفلت زمامه، وأنّ يد القدر قد انطلقت من عقالها، وأنّ الله مُجري على عباده تصاريف أخرى لا يعلمُ حكمتها إلاّ الخالق جلّ شأنه. السيّد سعود عنوانًا للسمو والأخلاق والتواضع والرِّفعة، فلم تزده دراسته في أكسفورد الإنجليزية إلاّ تقديرًا لغيره واحترامًا لهم ووسّعت نظرته التأملية تجاه الحياة والآخرين.
إنّ الذين جالسوا والتقوا السيّد سعود يُدركون كم هو ضليع بتاريخ زنجبار المعاصر وخبير بقضايا الشرق الأفريقي. وكم هو محلّل رائع ينظر إلى الأمور بمنظار المُنصف البعيد عن التعصب. وما سطّره في كتابه “مذكرات رجل عُماني من زنجبار” هو غيض من فيض. فالرجل يمتلك من المعلومات الشيء الكثير والتي ستفتح آفاق أرحب للباحثين والمهتمين في تاريخ الوجود العُماني في شرق إفريقيا وفي زنجبار خصوصاً. فالرجل عندما تحدث فهو حديث الخبير بالأحداث والمطلّع على خبايا الأمور. كان رحمه الله يعرف أدق التفاصيل عن حياة العُمانيين في زنجبار بدءًا من حياة العامة ومشاهد الحياة اليومية وبالعادات والتقاليد والتعليم والإدارة والسّياسة والعلاقة بين السلاطين في زنجبار والإنجليز. وليس انتهاءً بالحياة داخل البلاط والقصور السلطانيّة العُمانيّة الزنجباريّة.
كان يتمنى أنْ تعيش الأمة العربية والإسلامية حياة آمنة مطمئنة، وأنْ تنعم البشريّة بالسلام، لأنّه عاصر الأفراح وأدرك الأتراح. ولكن يأبى القدر إلاّ أن يجعله يرى في أواخر حياته حالة العرب ومصيرهم وفرقتهم والدمار الذي حلّ ببعض أقطارهم. عرفت السيّد سعود في آخر ثلاث سنوات من عُمره المبارك، بعد أن أخبرني عنه الأخ العزيز والأديب الشاعر والمترجم الرّائع حسن المطروشي والذي ترجم كتابه إلى اللغة العربية، فقام مشكورًا بالترتيب والتنسيق لأول لقاء به. وتشرّفت بالجلوس والحوار معه، جلسات حوارية امتدت لأكثر من عشرين مقابلة عبر المشروع الوطني الكبير الذي تقوم هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية ألا وهو حفظ التاريخ الشفوي العُماني، وفي كل مقابلة أتعلّم الشيء الجديد المفيد، وأقف على حقائق لم يتم التطرق إليها ولم تتناولها المصادر من قبل، كان يعرضها من واقع معايشته وقُربه من صنّاع الأحداث في تلك الأيام. وفي كل مرة أجده حاضر الذهن متذكرًا ومستحضرًا ذكرياته ومشاهداته، مُبتسمًا مُرحبًا وكريمًا. هذه هي الحياة مهما امتدت بنا، فلا بد من لحظة الوداع الأخيرة، وبرحيل السيّد سعود تكون صفحة من صفحات زنجبار العُمانية المشرقة قد طُويت، لكن العزاء في أنّه قد دوّن مذكراته، والعزاء في أنّ أبناءه سيواصلون مسيرته. والعزاء ايضًا بأنّ ذاكرته التي امتدت لمائة عام قد تم توثيقها في لقاءات مُسجّلة ومحفوظة. رحم الله السيّد الكريم سعود بن أحمد البوسعيدي وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحُسن أولئك رفيقا وألهمنا وأهله وذويه ومُحبيه الصبر والسلوان، وآجر الله الجميع في هذا المصاب الجلل، وأحسن الله عزائكم. والبركة في أولاده وأحفاده وذريته.
وفي الختام؛ كلمة شكر وتقدير إلى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية الموقرة لجهودها المشهودة في توثيق التاريخ الشفوي العُماني، والتي لو لا هذه الجهود لفقدنا الكثير من الذاكرة الوطنية العُمانيّة.

إلى الأعلى