الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م - ١٢ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / المعالج الشعبي ثنائية العشب والنار

المعالج الشعبي ثنائية العشب والنار

عبدالله الشعيبي
ترسم المجتمعات القديمة حاجاتها من خلال عدد من المعايير التي تضعها، بوصفها ذات أولوية ضرورية متصلة باستمرارية الحياة وحماية أفرادها، بما يعنيه ذلك من اتخاذ التدابير التي يتفقون حولها ويلتفون ويؤمنون بها، ما دامت ذات أفق حمائي وخيار وقائي وتدخل يعالج ما يلم بهم من ظروف وتحولات.
المجتمع العماني القديم ، قبل نهضة السبعينيات في القرن الماضي، ينطبق عليه هذا النوع من التوصيف، ولذلك أوجد الطرق والوسائل المعبرة عن هذا التوجه لديه، والموجهة – عبر آليات- تجعل من المجتمع ذاته أكثر اقترابا من تحقيق غاياته التي تصبّ في مسار الديمومة والاستمرار.
لعل القول إن فكرة (المعالج) مهمة في وسط اجتماعي تقليدي، ووجوده يوفر الكثير من الطمأنينة من واقع سرعة الاستجابة للتوعكات والظروف الصحية الطارئة والأمراض التي قد يسبب بطء التعاطي معها مضاعفات لن تكون في صالح الشخص المصاب، ولهذا كان السفر نحو أماكن أخرى لطلب العلاج بمثابة سباق مع المضاعفات، ومكابدة شاقة للمرض، ومعاناة يتدرج إيلامها مع الوقت.
(المعالج الشعبي) هو المنفذ الطبيعي في البيئة العمانية القديمة للخروج من وطئات الآلام المختلفة، التي تفتك بالحياة أحيانا، وتستمر في الإيلام أحيانا أخر، ولهذا حصد هذا المعالج أهمية اجتماعية قصوى، في وقت لم تكن فيه الجغرافيا العمانية وتضاريسها تحظى بخدمات طبية ذات أسس علمية واختصاصية، لذلك صار هو المرجع الوقائي والعلاجي في الوقت ذاته على مر قرون من الزمن.

عين وأفق
العين والأفق في الأزمنة البعيدة يرصدان مظاهر الحياة في البقعة العمانية القديمة، حيث السواحل المفتوحة على الزرقة، والجبال الشاهقة التي تحتضن الوديان القاسية ذوات الأعماق، والصحاري الممتدة على مد البصر بـ (ظيّ سراها) السراب، والامتدادات الواسعة للأراضي الحصوية حيث (المسايل)، هذه الجغرافيات وتضاريسها وتفاصيل سطح الأرض حملت العديد من السمات التي تجعل المرء لا بد له من ملحأ معين ومعالج في حال ألمّ به شيء ما، على الرغم من أن (الصيدلية المنزلية الشعبية) كان يزخر بها كل بيت، مشحونة بـ (صرارات) الأدوية الوقائية والعلاجية على حد سواء، ولكن العلاجي منها لم يكن ينفع لغير العابر والسطحي والبسيط من الآلام، أما تلك المعقدة منها فتحتاج إلى عنصر بشري ذي خبرة وفرادة ودربة على التعاطي معها.
(المعالج الشعبي) كان هو الشخص المنشود، وهو الشخصية المتفرغة لهكذا عمل، وهو العارف بما يصلح وينفع لكل ألم ووعكة وإصابة، وإن كان أحيانا يتعدد المعالجون في المكان الواحد، بحسب الاختصاص الذي يفهمونه، وبحسب دربتهم في التعاطي مع نماذج الحالات التي تصل إليهم.
البيئة العمانية القديمة حمّالة إصابات وأمراض وآلام مختلفة، تماما كما هي البيئات الأخرى في بقاع الأرض الواسعة، ومصادر تلك الأشياء مختلفة ومتعددة، بعضها وراثي وآخر مكتسب، بعضها سهل وثان معقد وثالث لا دواء له، وبين كل تلك التوقعات والنماذج المتحققة على أرض الواقع يفتح (المعالج الشعبي العماني) حواسه ومداركه لاكتساب المعرفة، وصولا إلى محاولات إيجاد المزيج الدوائي العلاجي الناجع أو المخفف في أبسط التوقعات.

ميول واختصاص
الميول تقود إلى الاختصاص في بيئة الطب الشعبي العماني، إذ لا ينشأ معالج من دون ميول عميقة في داخله تبدأ منذ الصغر، لكنها تسير في مسارين، الأول هو البحث الذاتي، ومنه نحو التعمق المتدرج، وصولا إلى المعرفة المعجونة بالخبرة الخالصة؛ والثاني هو التدريب المقرون بالتلقين، وهذه تحصل عند أبناء (المعالج الأب)، الذي ينتبه إلى فضول أحد أبنائه أو إحدى بناته، وهو الباب الذي يلج منه أبناء وبنات المعالجين والمعالجات نحو عوالم الطب الشعبي.
في هذا الشق من الاستعداد الذهني والبدني والبصري تتخلق شخصية جديدة، ذات حدس خاص، وتمايز ملفت، وشغف مختلف، وبيئة فكرية غير متكررة، ونحن نقول ذلك لا نعني على الإطلاق وجود تعليم متصل بالقراءة والكتابة، فالكثرة تغلب عليها الأمية، ولكن الذكاء المقرون بالممارسة يفتح أفقا عمليا نحسبه قرين التعلم، ومنهجه التجريب، ومساره الخبرة المتراكمة، ومنه تتشكل شخصية (المعالج/المعالجة) في البيئة المكانية.
أن يكبر المرء منذ طفولته وهو يشاهد السلوك التحضيري للمواد الدوائية ذوات الصفات الوقائية أو العلاجية، وأن يكبر المرء وهو يشاهد الطرائق والوسائل التي يتعامل بها (المعالج الأب/المعالجة الأم) مع الحالات المرضية المختلفة، وأن يتكيف الطبع مع ما يشاهده، ذلك يمكّن التحول من المشاهدة إلى الممارسة تحت إشراف مباشر، قبل أن ينتقل نحو الاستقلال في التشخيص ووصف العلاج وممارسة المهنة.

العشب والنار
ما بين العشب والنار يعيش المعالج الشعبي، فمن العشب وجذور الشجيرات يعيد رسم خارطة المكونات العلاجية، ومن موقد النار يخرج ميسمه المحمر لكيّ موضع الألم كي لا يعود البتة إلى الجسد، خارطة طريق تتبعها طرائق علاجية أخرى، ووسائل تستأصل مسوغات الآلام ومبرراتها.
لكن في حال العودة إلى مسوغ الميول لدى الفرد في المجتمع العماني التقليدي، بوازع بحث وفضول، يتحول معه إلى باحث منشغل بتفاصيل تأثيرات مفاعيل تلك الأعشاب وجذورها، وأشكال تحضيرها واستخداماتها، سيطفو على السطح شخصية تبني مسارها على الصبر والدربة والتدقيق، وربما سيلجأ بطريقة غير مباشرة إلى أشخاص يمتلكون خبرة التفرقة بين المفيد والضار من الأعشاب والجذور، وسيحصل على معرفة أولى، تقوده إلى معرفة مسمى أعراض الأمراض ومسمياتها والأعشاب المناسبة لها، ومن هذه التراكمات التي بدأت من الميول، تنشأ علاقة خاصة بين المرء وما يريد أن يكون عليه.
بعض المعالجين يسافرون نحو أصقاع بعيدة في الأرض بحثا عن استزادة في الخبرة العليمة، والتعلم من ذوي الخبرة والمهارة الأكبر سنا، فكلما زاد العمر، زادت الخبرة التراكمية، وبالتالي زادت المعرفة واتسعت بحسب الحالات التي قام بعلاجها، بل يصير مرجعا ذا ثقة بين المستفيدين من ناحية، وطالبي الدربات العلاجية والخبرات من ناحية أخرى.

السر والزوال
ما نحكيه كان حاضرا قبل خمسين عاما على أقل تقدير في البيئة العمانية القديمة، ولكنه الآن صار قليلا ونادرا، اختفت ممارسات علاجية شعبية كثيرة : (الوسم، المساح، الخبانة، الصعوط، الشك بالإبر، التجبير،…..) وغيرها، ومعها ذهبت المعرفة الدقيقة لتلك الأعشاب، أعني بها الخبرة العمانية المباشرة، فهي معرفة اختصاصية تحيل إلى أسئلة ثقافية مختلفة حول البيئة العمانية التقليدية، ونماذجها التي انتبهت إلى التكيف مع البقاء من خلال ممارسة العلاج الشعبي، والثقة المطلقة التي أولاها المجتمعُ المعالجَ على خلفية القدرة على معالجة العديد من الأمراض، ونقل البعض من مراحل اليأس من الحياة إلى الاستمرار بصحة وعافية في مسارات الحياة المختلفة.
صحيح أنه ظهرت عيادات جديدة تحمل سمات العلاج الشعبي، والاحتكام إلى منافع الأعشاب، والالتفات إليها على أنها (طب بديل)، ولكن ذلك أيضا من الضروري أن يتم الالتفات إليه على أنه صيغة جديدة لما هو متحقق أصلا في البيئة العمانية القديمة، مما يستدعي التوقف ثقافيا عندها، ذهابا نحو جوهر الخبرة التراكمية العلاجية في الذاكرة العمانية.

خاتمة
النقد الثقافي حين يتشيّأ من خلال دراسة أو بحث أو مقاربة حول ثيمات ذات صلة بالمكان، هو في الواقع يعيد قراءة ومحاولة فهم الطرائق والأساليب التي أوجد بها العماني القديم علاقة تكيف مع المحيط الذي ينتمي إليه، وجذّر صلة واقعية خَبَرَت التفاصيل وفهمتها، واستلهم الكثير من أجل تكريس استمراريته في الزمن المستقبلي بالنسبة إليه، وهو أفق لا ينبغي تجاهله، بل ينبغي الحفر فيه.

إلى الأعلى