الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / جحور الإرهاب في الغوطة .. شبكة عنكبوتية تحت الأرض تنشر الدمار فوقها
جحور الإرهاب في الغوطة .. شبكة عنكبوتية تحت الأرض تنشر الدمار فوقها

جحور الإرهاب في الغوطة .. شبكة عنكبوتية تحت الأرض تنشر الدمار فوقها

يعد أبرز مثال على الطبيعة الجبانة للإرهابي وعدم قدرته على المواجهة بل اتخاذ الجحور منطلقا لتنفيذ عملياته الإرهابية ما كشفته السلطات السورية بعد سيطرتها على الغوطة الشرقية من شبكة أنفاق كانت تستخدمها الجماعات الإرهابية لنشر الدمار فوق الأرض قبل العودة إلى هذه الجحور المجهزة بكافة وسائل الإعاشة. فوفق ما نقلته الوفود الصحفية التي زارت هذه الأنفاق والممتدة إلى حي جوبر الدمشقي فإنها كانت تستخدم لجلب المواد الغذائية من دمشق لبيعها للسكان مقابل ربح مالي قد يتجاوز ضعف سعرها الحقيقي. كما عثر أيضا على مشفيين ميدانيين تحت الأرض.
فمن حي جوبر إلى الغوطة الشرقية، تمتد شبكة أنفاق متداخلة على طول كيلومترات عدة تحت الأرض، تتسع لعبور الأشخاص والبضائع وحتى السيارات، وتضم مستودعات ذخيرة ومشافي ميدانية استخدمها الإرهابيون خلال سيطرتهم على هذه المنطقة.
وعلى هامش الجولة التي نظمها الجيش السوري لبعض الإعلاميين تقول وكالة الأنباء الفرنسية إن فريقها نزل إلى قبو مدرسة الخنساء في حي جوبر المحاذي للغوطة الشرقية، ليجد نفسه داخل نفق طويل لا يمكن رؤية نهايته.
وقالت مراسلة الوكالة الفرنسية إنه تم إنشاء النفق بحرفية عالية، ووضعت دعامات معدنية على امتداد سقفه، بالإضافة إلى كاميرات مراقبة وشبكة إضاءة لإنارة الطريق المظلم.
ويمتد النفق، وفق ما شرح مصدر عسكري في المكان، نحو خمسة كيلومترات. وتتفرع من على جانبيه أنفاق أخرى تؤدي إلى المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل الإرهابية في الغوطة الشرقية.
وأشار المصدر العسكري أن “الأنفاق عبارة عن شبكة عنكبوتية تقود إلى مقر قيادة واحدة” هي مدرسة الخنساء، وجرى حفرها بعمق عشرة إلى 15 مترا تحت حارات في حي جوبر.
وتابع “من بين تلك الأنفاق ما هو معد لعبور السيارات وأخرى لمرور المشاة”، وكان يمكن للمقاتلين الانتقال عبره من وإلى حي جوبر، مشيرا إلى أن “ما يميز جوبر هو حجم التحصين الهندسي الذي جهزته (الفصائل الإرهابية) لمواجهة الجيش”.
وفي محاولة لتخطي حصارها، اعتمدت الفصائل على الأنفاق والتهريب لتأمين حاجات سكان الغوطة الشرقية مقابل الحصول على بدل مالي. وعادة ما كانت أسعار السلع المهربة تفوق بأضعاف أو أكثر أسعارها في دمشق. واستخدمت هذه الأنفاق لتهريب البضائع من مواد غذائية وطبية ووقود وحتى الذخيرة والسلاح.
وعمدت الفصائل وفق محللين وسكان الغوطة إلى تحديد أسعار بيع السلع، ما ضمن لها حصة من الأرباح لتستفيد بشكل فعال من الحصار المحكم الذي فرضته قوات الجيش السوري منذ العام 2013.
وتراجع نشاط الأنفاق خلال العام 2017 حين تمكن الجيش السوري من السيطرة على أحياء القابون وبرزة وتشرين شرق دمشق، ليصبح الاعتماد بشكل رئيسي على الأنفاق الممتدة بين حي جوبر وبلدات الغوطة الشرقية المحاذية له والتي كانت تحت سيطرة ما يسمى فصيل فيلق الرحمن.
داخل هذه الأنفاق، شاهدت مراسلة وكالة الأنباء الفرنسية مرابض هاون تمت تغطية الحفر الموضوعة فيها بسواتر معدنية. كما رأت في مستودع عددا من القذائف المختلفة الأحجام، تم توضيبها بعناية في صناديق خشبية خضراء بحسب مداها. وعلى كل صندوق خشبي، علقت ورقة بيضاء كتب عليها اسم حي في دمشق.
ولطالما شكل وجود الفصائل الإرهابية في الغوطة الشرقية تهديدا للعاصمة التي تعرضت خلال السنوات الماضية لقذائف أوقعت مئات الضحايا. واعتبر الجيش السوري أن السيطرة على الغوطة الشرقية تحقق “إعادة الأمن والاستقرار بشكل كامل إلى مدينة دمشق ومحيطها”.
وقال المصدر العسكري المرافق للصحفيين إن “شبكة الأنفاق تتصل بمخازن الذخيرة الموجودة تحت الأبنية، في أماكن يصعب كشفها عن طريق الطيران السوري”.
من جانبها أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن الجيش السوري عثر على “مشفيين ميدانيين تحت الأرض يصل بينهما نفق يبلغ طوله أكثر من 400 متر” في بلدة عربين. وخلال فترة المفاوضات على خروج المسلحين من الغوطة الشرقية، طالبت روسيا الفصائل المعارضة بتزويدها بخريطة لشبكة الأنفاق الكبيرة.
ويمكن تصنيف هذه الأنفاق إلى عدة أنواع من حيث عمقها وطولها ومهامها.
فمن حيث العمق نجد بأن هناك أنفاقا على أعماق 3 و5و10 أمتار و15 مترا وتصل حتى أربعين مترا”, وأحيانا” تشكل عدة طوابق متصلة فيما بينها بشبكة معقدة من أنفاق التوصيل.
ومن حيث الطول نجد أنفاقا يكون طولها أقل من عشرة أمتار وأخرى طولها عشرات الأمتار وثالثة يصل طولها مئات الأمتار ورابعة طولها عدة كيلومترات.
أما من حيث المهمة فنجد منها عدة أنواع:
ـ أنفاق كبيرة وعريضة تسير بها الآليات والشاحنات مخصصة لعمليات النقل وإيصال المواد والعتاد والتجهيزات, كتلك الأنفاق التي كانت تصل بين القابون وباقي أجزاء الغوطة الشرقية والتي كشفها الجيش أثناء السيطرة على مواقع الإرهابيين في القابون وبرزة.
ـ أنفاق مخصصة لحماية الإرهابيين وتنقلاتهم تحت الأرض وتوجيههم للقتال من منطقة لأخرى, وهذا النوع يشكل شبكة معقدة جدا” وذات أعماق واتجاهات متعددة وتتصل ببؤر الأبنية التي يجري التحويل من خلالها.
ـ أنفاق مخصصة لقادة الإرهابيين ومقراتهم وغرف عملياتهم والمشافي الميدانية, مثل تلك التي اكتشفها جيشنا المغوار في كفر بطنا مؤخرا”.
ـ أنفاق مخصصة لتخزين الأسلحة ومواد التموين والعتاد
ـ أنفاق تحفر باتجاه مواقع الجيش وأبنية مؤسسات الدولة, تمهيدا” لتفجير هذه الأبنية كما حصل في إدارة المركبات في حرستا ومشفى القصير الذين فجروه من خلال نفق وصل حتى أسفله, وغيرها من الأماكن.
إن هذه الأنفاق لا تقتصر على الغوطة فقط, بل كانت تحفر في كل منطقة يصل إليها الإرهابيون في كل سوريا, وهنا نستذكر الأنفاق الكبيرة في حمص والتي وصل إحداها إلى عشرين كيلو متر وينتهي خارج المدينة باتجاه الأراضي اللبنانية.
وتطرح هذه الأنفاق العديد من الأسئلة أولها كم من المبالغ صرفت على حفر وبناء مثل هذه الأنفاق, ليس فقط في الغوطة, بل بكل المناطق التي تواجد فيها الإرهابيون؟
وكم من الخبرات والتجهيزات اللازمة لإنجاز مثل هذه الأنفاق, التي يتجاوز بعضها باتساعه وفخامة بنائه وتجهيزاته أي فيلا على سطح الأرض؟
وكم من الجهود بذلت وكم من الأشخاص شاركوا بحفر وبناء هذه الأنفاق؟ خاصة وأن منطقة الغوطة تشكل حوض مائي كبير, تكون فيه المياه الجوفية قريبة من سطح الأرض, فلكي يتم حفر واستثمار مثل هذه الأنفاق فإنه يتطلب خبرات كبيرة لا تتوفر لدى الإرهابيين وتجهيزات ومواد عزل ذات نوعية متميزة غالية الثمن لعزل هذه الأنفاق عن المياه وإبطال مفعولها.
إن كل ذلك يشير إلى أن هؤلاء الإرهابيين يعملون ضمن منظومة عدوانية عالمية متكاملة قدمت فيها الأموال الباهظة وأدوات الحفر وتجهيزاتها إضافة إلى الخبراء لتخطيط وبناء مثل هذه الأنفاق.

إلى الأعلى