الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العدوان.. وأهدافه

في العدوان.. وأهدافه

كاظم الموسوي

” .. إن يتظاهر الآلاف من المواطنين الغربيين، في مدن دول العدوان رافعين لافتات ضد العدوان ومطالبين رفع الأيدي عن الحرب على سوريا يعني أن ما تقوم به إدارات دولهم جرائم حرب وعدوان، وهو عنوان تضامن إنساني منشود، وفاضح لكل من يريد التستر عليه والتغاضي عن أهدافه المعلنة والمستترة، والتي تجدد الأوهام الإمبراطورية وخطط الاستعمار القديمة الجديدة.”

كثر الكلام عن أخبار العدوان الأميركي وأتباعه الأوربيين وغيرهم ممن يتخادم مع إدارات العدوان أو يحرض على سوريا، فجر السبت 14 نيسان/ ابريل. وليس المفاجيء فيها كثرة المفارقات والتضليل في طبيعة العدوان وأهدافه. وقد تكون هذه المفارقات متفردة في الوطن العربي، ولاسيما في الفترة الأخيرة من الزمن العربي. فاذا كانت المفارقة الأولى هي دفع ثمن العدوان من المال العربي، بعد إعلان التوافق مع دوله والتأييد والحث والتحريض وحتى المطالبة بتوسيعه واستمراره. وهذه المفارقة ليست غريبة عربيا، وليست الأولى أو الأخيرة، ولكنها في ظروفها الحالية تكشف مدى ما صارت إليه الأوضاع البينية العربية والعلاقات العربية العربية والعربية الأجنبية، وخصوصا مع الدول المعادية للمصالح العربية، الوطنية والقومية، والمشاركة على الدوام في ضرب المصالح العربية والقضية المركزية للأمة والهموم المشتركة، وإعلان دفع الثمن يوضح من جهة أخرى مدى التبعية لدى الحكومات التي تتخادم مع إدارات العدوان وتفقد استقلالها وحرية شعوبها وكرامتها. ومن خلالها تمر المفارقات الأخرى، متناسية الأمثلة المتكررة في مثل هذه الحالات، لاسيما؛ أكلت يوم أكل الثور الأبيض ومشابهاتها.
أبرز المفارقات الأخرى ما صدر عن دول العدوان من تصريحات وتبريرات العدوان والمشاركة فيه وتقبل الفتات من التكاليف التي تحصل عليها إدارة الحرب الأميركية وتوزعها على حلفائها المشتركين. وما نشر عن كلفة الصاروخ الواحد بأكثر من نصف مليون دولار، وأن أكثر من مائة صاروخ أطلقت على أهداف داخل سوريا، فان الكلفة المباشرة اكثر من خمسين مليون دولار، وتتضاعف طبعا مع نفقات النقل والتشغيل والتركيب والخدمات الأخرى لها، حتى قدرت إجمالا بأكثر من مائتي مليون دولار، من مال عربي دفعت لجريمة ساعة من العدوان على شعب عربي. واذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرح بوضوح عن دافع الثمن واستلامه قبل انطلاق العدوان، فإن الفاجعة لا تتغير مع المفارقات الأخرى، بل تتواصل معها وتتهيأ لاستمرارها. وما غلب في أغلب تبريرات مسؤولي دول العدوان هو أن مشاركتها جاءت بذريعة استخدام أسلحة كيماوية في مدينة دوما في الغوطة الشرقية لمدينة دمشق، قبل أي تحقيق أو تحليل مستقل ومختص، وإصدار اتهامات بلا دليل علمي محقق، واعتماد منشورات إعلامية أو أخبار متماثلة في وسائل الاتصال الاجتماعي ومن أطراف معينة يهمها تسريب مثل هكذا أخبار والتحريض باتجاه العدوان واغتنام مثل هكذا أنباء.(إذا لم تكن مجهزة منها أو من أجهزة لها أو لحلفائها). بل إن التسارع في كيل الاتهام واتفاق إعلان التحالف الغربي وعدوانه يثير بنفسه إشكاليته القانونية والسياسية والأخلاقية ويفضح التناقض بين الشعارات والوقائع وبين قيم الغرب التي يدعون حمايتها وتطبيقها في وطننا العربي، في الصواريخ وتكريس التخلف والاستبداد والهيمنة الإمبريالية.
والمفارقة الأخرى أو المتتابعة لما سبق هو ما صدر من بيانات وخطب وتصريحات من قمم أو اجتماعات رسمية وغيرها، عربية وإقليمية وغربية، تصب في خدمة العدوان وتشجع عليه دون أية مشاعر إنسانية أو أخلاقية في حدها الأدنى. يتسابق معها ما يكتبه بعض من يدعون التنظير السياسي والفكري والمقارنة بين دول العدوان وخططها والدول الأخرى، التي تتواجد على الأرض السورية بشكل شرعي ومتفق عليه قانونيا. بينما العدوان وأهدافه والتواجد العسكري لدوله خارج عن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الشرعية الدولية التي يتباكون عليها في مجالات أخرى. وأصبح أكثر من هزلي تكرار ما تسميه بعض وسائل الإعلام باختلافها تشابه ما تسميه ” تدخل دولي” وتقارن بين ما يجري وكأنه تحصيل حاصل، لا خطط ستراتيجية وراءه ولا شرعية قانونية وواقعية تضعه أمام الاختبار والتحليل الموضوعي. إن الإنكار في مثل هذه الكتابات والمواقف لم يعد سياسة رسمية لإدارات أو شخصيات غربية متحكمة بل يشكل صفة لكثيرين ارتاحوا على عزفه وانغمسوا فيه. وليس غريبا بعد كل ذلك الإسهام في التضليل وتشويه الوعي والتركيز عليه لحرف الإدراك وتغيير الوقائع والأحداث. فشن حملات إعلامية هجومية على التدخل الروسي والإيراني في سوريا مثلا والإصرار على تشبيهها أو تماثلها مع الغزو الأميركي والبريطاني والفرنسي الرسمي والغزو المفتوح غير الرسمي عبر بوابات الحدود من كل الاتجاهات وغرف العمليات الصهيو غربية التي استهدفت سوريا، بلدا ودورا وموقعا استراتيجيا، له معناه ومدلولاته. وكأن ما يحدث وهو بهذه المسميات عمل مشترك ومتفق عليه ويستهدف الأهداف ذاتها ويخدم المصالح الوطنية والقومية. ولهذا يتبرع هؤلاء في الكتابة عنه والتنظير له، لتغييب الصورة الصحيحة وتعزيز ما يطبخ ويعرض ويخلط الأوراق ويعري النفوس أيضا.
ان مجرد الحديث بهذه اللغة وتكريس الخطاب الموجه حول التشابه أو التقارب أو التساؤل عنه دون فهم أو معرفة بالقانون الدولي والشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية هو مشاركة في صياغته إعلاميا وتبرير جريمة العدوان والحرب غير المشروعة وغير المبررة، باي شكل أو داع لها، وتقديم تداعياته العسكرية كنتائج عملياتية للصواريخ والرعب والسقوط في خدمة اهداف مكشوفة رغم كل محاولات التبرؤ منها أو التهرب من تحمل المسؤولية المطلوبة وشجاعة الموقف. حيث لا يمكن القول في ظل وقائع العدوان ومصادره واعترافها من خلال تبريرها والأكاذيب فيها بأنها لا تختلف عن غيرها من التدخلات المشروعة والمتفقة مع القانون والشرعية الدولية أو الواقعة في أهداف العدوان ولاسيما مخططات الكيان الإسرائيلي وإعلامه المنظم. وهذا ما يقرب بلا لبس بأن هذه الكتابات والمواقف تصب مباشرة في هذا التوجه وتتخادم بقصد أو بدونه معه فضلا عن التشويه وغسيل الأدمغة التي تنتج عنه، والتي في النهاية، إذا أحسنت النوايا عند بعضهم، لا تنتهي إلا في صف العدوان وتمريره وارتداء نظارات سوداء لأثاره وأضراره الفعلية.
العدوان عدوان عسكري سياسي وليس ضربات صاروخية وحسب، ويجب التأكيد عليه، وعدم التبرير له والتهرب من دلالته الأساسية واستهدافه العملي، الذي يوضح أهدافه الحقيقية، في تدمير المؤسسات العلمية والبنى التحتية والقوى الضاربة للجيش. وهذه أهداف معلنة فلماذا الصمت عليها، ومن المستفيد منها، ومن يقوم بها؟!. فان يتظاهر الآلاف من المواطنين الغربيين، في مدن دول العدوان رافعين لافتات ضد العدوان ومطالبين رفع الأيدي عن الحرب على سوريا يعني أن ما تقوم به ادارات دولهم جرائم حرب وعدوان، وهو عنوان تضامن إنساني منشود، وفاضح لكل من يريد التستر عليه والتغاضي عن أهدافه المعلنة والمستترة، والتي تجدد الأوهام الإمبراطورية وخطط الاستعمار القديمة الجديدة. وأي كلام آخر يسجل في حساب صاحبه ويكشف مسيرته وتحولاته ومتغيرات الراهن وضغوطه، مما يضع المسؤولية كبيرة في عنق من يتصدى اليوم لما يجري في الواقع العربي، حيث لم تعد جرائم الحرب والعدوان السافر وجهة نظر أو مجرد رأي أو قول عام أو سمه ما شئت.!

إلى الأعلى