الأحد 19 أغسطس 2018 م - ٨ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: وزير المهام الصعبة

في العمق: وزير المهام الصعبة

د. رجب بن علي العويسي

يضعنا طرح هذا الموضوع، أمام قراءة واعية لكل معطيات العمل الوطني ومتطلبات الحالة العمانية بخصوصيتها وتفردها، ودور المؤسسات في ظل دولة القانون لقيادة مسارات التحول ونقله إلى حيز التطبيق والممارسة، انطلاقا من المسؤولية التي يحملها الوزير على عاتقه ليصل بها إلى الناس في شموخ وقوة وعزة، فيؤمن بها عقيدة ومبدأ ومنهج حياة، إذ الموقع الذي يشغله الوزير في السياسات التنموية والقرار الوطني، وفي تنفيذ هذه السياسات وحشد الجهود المؤسسية والأهلية نحو تأييدها وبناء أطر مؤسسية قادرة على خلق تحول في منظومة الأداء، يجعله أمام واقع متجدد بأحلامه وآماله وطموحاته، عليه الوفاء فيه بتعهداته والتزاماته التي قطعها على نفسه امتثالا لعظم الأمانة التي يحملها، وقسم الولاء والطاعة الذي أداه أمام سلطان البلاد المفدى خدمة للوطن، ورعاية لمصالح المواطنين.
ونظرا لكون الوزير ممثلا للسلطان في تحقيق أهداف الدولة في وزارته أو القطاع الذي يشرف عليه، فإنه حري به أن يكون رجل دولة من الدرجة الأولى في استقراء الأحداث وصناعة البدائل وبناء سيناريوهات عمل، وفراسته في التعامل مع كل ما يتعلق بطبيعة المهمة التي يشرف عليها محافظا على هيبتها ومكانتها وبروتوكولات عملها، فيعمل على تحقيقها بكل كفاءة واقتدار وثقة وعمل دؤوب، وشغف الريادة والابتكار والتطوير. فإن تعقد المهام وتشعبها وتطورها واتساعها بات يلقي بمسؤولياته على القائمين على شؤون المؤسسات في إدارة التحول الحاصل فيها، وتعزيز الشراكة مع المواطن، وبناء منصات التقاء وطنية تعزز من العمل الوطني المشترك في تحقيق أهداف التنمية الوطنية.
وبالتالي كان البحث في مواصفات وزير المهام الصعبة أمر من الصعوبة التكهن به أو احتواء مدلولاته، وقد يختلف تقديره من فرد لآخر، ومع ذلك تبقى بعض القواسم المشتركة والمعايير المتناغمة مع طبيعة المسؤولية نطاق التقاء وبوابة دخول لعالم المسؤولية، فهو صاحب رسالة يؤديها وأمانة يقوم على رعايتها، يمتلك مشروعا وطنيا لمؤسسته يتناغم مع مشروع الوطن الكبير ويبني في القائمين على مؤسسته روح المسؤولية وحس الإرادة. إنه قارئ ومؤثر ومبادر ويمتلك حسا وطنيا يضعه أمام منافسة قوية في الاختيار، لأنه يحمل رهان الوطن في نقل صورة العمل والمبادئ والمنهجيات والسياسات والرؤى، لتقف على أرضية صلبة وأطر عمل محددة، ومنهجيات أداء دقيقة، ومسارات تقرأ الواقع المؤسسي وتشخّص تحدياته، ملتزما مبادئ النظام الأساسي للدولة والسياسات الوطنية الراعية للوطن والمواطن، والمساهمة بدفع عجلة التطوير والتنمية إلى الأمام، يحترم إرادة الشباب ويقف مع الكفاءة الوطنية فيطورها ويصقلها ويبني لها مسارات التفوق ومساحات المنافسة، فيعمل بإخلاص وينزل الواقع ببصيرة مسؤول ونقد كاتب ورغبة مواطن وطموح شاب.
اننا اليوم نراهن على وزراء هذا الوطن ومن في حكمهم، إعادة هندسة الممارسة المؤسسية وبناء مساراتها وترقية منهجياتها، وخلق تناغم بين الرؤى والسياسات والممارسات وترتيب الأولويات وتعزيز منصات الحوار والتواصل وبناء محددات أكبر لتقوية جانب التأثير الإيجابي في نتاج العمل المؤسسي عبر ربطه باحتياجات المواطن وطموحاته، فإن امتلاكه لحدس التوقعات ورؤية وطنية قادرة على صناعة التجديد في عمل مؤسسته، والإكثار من النماذج والتطبيقات العملية والنزول إلى الفعل الممارس، والمتابعة الواقعية للمشروعات والبرامج، ورسم خطوات أداء واضحة للعمل المؤسسي، وتعزيز مفهوم الصلاحيات والتمكين والرقابة والمحاسبية والمكافأة والتحفيز والدخول في واقع العمل والإشراف عليه؛ شواهد إنجاز تضع وزير المهام الصعبة أمام صياغة جديدة لفلسفة قيادته لمؤسسته وقراءته للمشهد الوطني والعالمي، فيوازن بين كونه رجل دولة وحامل رسالة الوطن في المحافل الدولية والإقليمية والوطنية، وبين كونه مواطنا مسؤولا كلف بأداء مهمة الوفاء بحق الدولة والوطن وحقوق المواطنين والدفاع عنها.
لقد أبرزت الحالة العمانية في مختلف مراحلها نماذج مضيئة ممن سلكوا نهج العطاء، فأثمر سعيهم واقعا لن ينساه المخلصون أو ينكره المناضلون من أجل الوطن، فلم يبخلوا بوقتهم من أجل وطنهم أو يظنوا بأنفسهم عن غيرهم أو تقاعسوا عن أداء الواجب، أمة في العطاء ومنهج في الإنجاز، وحكمة في التصرف، امتلكوا مكانيزما القيادة في إدارة متطلبات العمل الوطني، فاحتووا النفوس وكانت لهم فيها ذكرا، وفي الألسن شكرا وفي المحيا ابتسامة، سعد فيهم القلب وفرحت بهم النفس وصادقهم الضمير، فهم للتنمية عنوان وللتطوير منهج، عايشوا المواطن وفهموا ما يريد، وكانوا على موعد مع الشباب في رسم خريطة التوقعات، أخذوا بيده ونظروا إلى ما يفكر به ويطمح إليه بعين المسؤولية، بل فاقوا ذلك بما قدموه من عطاء لشباب هذا الوطن واستقطابهم لفئاته في كل مواقع العمل والمسؤولية، فكانوا مشاعل خير، منبر عطاء في تقديم كل ما من شأنه تعظيم قيمه الإنسان وكرامته.
كم هي الأوطان ملهمة عندما يحتضن عطاءها المخلصون، ويتجلى في مواقع المسؤولية بها العاملون الساهرون، ويتربى في ظلها الأوفياء الأنقياء، وما أجمل الإخلاص عندما يمتزج مع المسؤولية ويرتبط بالرسالة، وأيّ رسالة أعظم قدسية من رسالة الوطن التي تسع الجميع، وتحتضن الكل ويعيش في كنفها الصغير والكبير، وهنا تتجلى حكمة وزير المهام الصعبة وهو يضع لبنات هذا التحول في أجندة عمله، محطات للتميز ومنطلقات للأداء، ليصل للجميع نبض المؤسسة، ويختلج ضمائرهم حب الوطن، فيبني مسار المؤسسة ويجند لها الكفاءات الصالحة، ويوفر لها وقته وجهده بعيدا عن أضواء الشاشات والإعلام، حيث أعماله هي من تتحدث عنه، وعطاؤه هو من يصنع لشخصه الاحترام والتقدير، ويمنح مكانه قوة وهيبة ووجاهة.
إنها رسالة شكر لكل وزير صنع التميز في موقعه، وأخلص في كل ما أسند إليه من عمل، فكان سعيه مشكورا، وعمله مبرورا، وعطاؤه محمودا، حتى أصبحت له في الناس سيرة حسنة، وفي سرائر الناس ذكرا طيبا، فأصدق الولاء لوطنه وأبهر إنسانه بعظيم صنعه، حتى شهد له الواقع بإنجاز فاق التوقعات، فلامس صنيعه الأذواق، وأفاض له التقدير والاعتراف، إجلالا واحتراما لشخصه الكريم، إنه حقا ذلك الوزير الذي نريد، فشكرا لعطائه بحجم السماء وملء الأرض ، وتحية إجلال وتقدير لمعالي الفريق المفتش العام للشرطة والجمارك أحد نماذج هذا العطاء وفخر هذا الوطن، والشكر موصول لمن سلك هذا النهج إخلاصا لعمان وولاء لقائدها المعظم وحبا لشعبها الوفي.

إلى الأعلى