الإثنين 17 ديسمبر 2018 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الضمير الإنساني بين اليقظة والنعاس

الضمير الإنساني بين اليقظة والنعاس

سعود بن علي الحارثي

” .. صاحب الضمير الميت يدخل معترك الحياة ويسير في طرقاتها ويتيه في زواربها يقرر ويفعل ويعمل وينفذ متجاوزا كل الخطوط والحواجز دون أن يلتفت إلى ألوانها وأصنافها ونتائجها وآثارها، ولا يفكر ولو للحظة واحدة بأن يقف مع نفسه يتدبر أمره ويراجع أعماله ويتفحص أفعاله، فصاحب الضمير الميت لا تهمه إلا مصالحه ولا يكترث إلا لشهواته وأهوائه وغرائزه فأنى له أن يقف تلك الوقفة وضميره فقد قدرته على العمل ؟ ”

الضمير مؤشر خفي داخل المنظومة التي يتشكل منها الجسم الإنساني، إنه (نور الذكاء لتمييز الخير من الشر)، وتتلخص وظيفته في بث حزمة من التيارات الحسية المقلقة التي تقض مضجع الإنسان وتحرمه من نعمة النوم والاطمئنان والراحة … كلما مارس وقام بأداء وتنفيذ عمل يتنافى مع المبادئ والأخلاق والقيم المنحدرة من الثوابت الإنسانية المتأصلة التي نشأ عليها وتربى في مدارسها وارتوى عذب معانيها السامية وغاياتها النبيلة من معين أساتذتها، وكلما خرج عن الأطر والمبادئ والمواثيق التي تؤمن بها وتقرها وتدعو إليها المجتمعات الحرة والمؤسسات المدنية وتشكل خروقا لا يجيزها ضميره الحر اليقظ، وكلما تجاوز وتطاول هذا الإنسان بأعماله الأنظمة والقوانين التي تنظم حياة الناس، فـ (الضمير هو صوت الحق). هذا المؤشر الخفي يتفاوت أداؤه من إنسان إلى آخر ويتباين نشاطه بين اليقظة والنعاس وقد يصل إلى درجة الموت، وفقا للكثير من المحددات والدوافع منها: أولا: التصنيف الجغرافي الذي ينتمي إليه الإنسان، فالكثير من الأعمال والسلوكيات تعتبر طبيعية ومألوفة في بيئة غربية أو حضرية في حين أنها تصنف ضمن المحرم والمعيب أخلاقيا أو دينيا في بيئة شرقية أو ريفية والعكس قد يكون صحيحا.
ثانيا: التربية من حيث درجة وعمق اهتمامها بالأخلاق والدين والقيم، والمدرسة والفكر والثقافة التي تمثلها، ومستوى الحرية التي تقرها وتؤمن بها.
ثالثا: شكل الأعمال والسلوكيات التي اعتاد الإنسان على القيام بها وممارستها، فهذا الإنسان الذي نشأ على عادة التدخين على سبيل المثال وأصبح بالنسبة له سلوك طبيعي وجزء من برنامجه اليومي في بيئة مدخنة لا يشعر بوخز الضمير، مقارنة بالآخر الذي يمسك بعلبة التدخين لأول مرة في ظل تربية صارمة تعتبر التدخين محرما وضارا ويسيء إلى سمعة الشخص والعائلة التي تنتمي إلى هذه التربية والمدرسة والبيئة، في هذه المنظومة الحياتية التي تتفاوت فيها درجات الحرية ومفهومها وتتعدد التفسيرات المرتبطة بقائمة القيم والأخلاق والمحظورات والمعيبات ومجالات الالتزام بها وتتباين التعليمات والمناهج الدينية التي يصل الاختلاف عليها إلى نصوص التشريعات والقوانين المؤسسية – في هذه المنظومة الحياتية – الثرية بالمنعطفات والمطبات والتجارب والأعراف يستطيع الإنسان بنور العقل وسنا المعرفة وبرؤيته البصيرة أن يستدل على الحدود الفاصلة بين الأعمال التي كثيرا ما نطلق عليها بالنبيلة – السامية – الرفيعة – الإنسانية – الجميلة – الطيبة التي تعلي من شأن من يقوم بها من بني البشر، ولا يختلف على تصنيفها أي إنسان في الكون، والأخرى المعتلة – السيئة – الشريرة – المقيتة …. والتي يجب أن يقف الضمير الإنساني أمامها موقفا يتسم باليقظة والحزم .
وصاحب الضمير الميت يدخل معترك الحياة ويسير في طرقاتها ويتيه في زواربها يقرر ويفعل ويعمل وينفذ متجاوزا كل الخطوط والحواجز دون أن يلتفت إلى ألوانها وأصنافها ونتائجها وآثارها، ولا يفكر ولو للحظة واحدة بأن يقف مع نفسه يتدبر أمره ويراجع أعماله ويتفحص أفعاله، فصاحب الضمير الميت لا تهمه إلا مصالحه ولا يكترث إلا لشهواته وأهوائه وغرائزه فأنى له أن يقف تلك الوقفة وضميره فقد قدرته على العمل ؟ إن المحن التي يمر بها مجتمع من المجتمعات أو قطر من الأقطار يتسبب فيها أناس أصيبت ضمائرهم بالعمى، فلم تعد ترى الفوارق بين الحلال والحرام، الخير والشر، الصح والخطأ، الإنساني والشيطاني … فأصبح المجال أمامهم مباحا لكل الأفعال والأعمال بغض النظر عن طبيعتها ونتائجها وآثارها، وما يحدث في هذا العالم من ظلم وانتهاكات لحقوق الإنسان وجشع واستغلال سافر للسلطة استغلالا ضيقا ينحصر في مصلحة فرد أو مجموعة، وما نراه من مشاهد الدماء تراق والقتل بالجملة … سببها غفوة الضمير واستسلامه للنعاس الأبدي فلم يعد فاعلا ولا قادرا على القيام بمسئولياته، وعلى المربين والمعلمين والمصلحين أن يركزوا على الضمير الإنساني في التربية والإصلاح وبث حزم الوعي والوعظ والتوجيه والإصلاح.

إلى الأعلى