السبت 26 مايو 2018 م - ١٠ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / وتبقى الكتابة

وتبقى الكتابة

نمير بن سالم آل سعيد:
تحّلق الكتابة في سماء الكاتب فلا يجد جناحين ليطير بهما إليها لاقتناصها فهو ليس كاتبها ، تطل الكتابة على الكاتب من علٍ فلا يجد سّلما يصعد به اليها فهو ليس بصاحبها ، وهي لا تهبط بإلهامها إليه حيث يكون ليلقاها في أحلى حلتها لتتوحد به ويتوحد بها لانه ليس لها.
وتبقى الكتابة أنثى غير مرئية متناثرة الحروف ، ممتنعة، عصية إلا على فارسها ، تترقبه في كل آن وحين ليمتد اليها ، يلم شتاتها ، يجمعها ، يتوحد بها بمشاعره وفكره ، يخرجها من الظلام الى النور ، صانعا منها جمالا تعبيريا راقيا يليق بمقامها.
الكتابة ليست ثرثرة أو تصنع أو تفاخر أو إدعاء كاذب ، بل كلمات تلامس القلب والعقل .
الكتابة إبداعية جميلة، وككل الجميلات لا تقبل إلا كل المحبة والعناية والاهتمام ، لتأتي مّسلمة نفسها ، مستجيبة للنداء .
قد يراها الكاتب ومضة مشعة تدعوه لالتقاطها وما تلبث أن تتلاشى في اللا مكان واللا زمان ، أنثى جميلة تقطر ماء وفتنة . يتمناها الكثير ولا ينالها إلا كاتبها ، يقودها من الخيال الى الحقيقة ، لتكون كائنا كتابيا مرئيا على الصفحات ، يمتلكها وحده ، مختوما عليها باسمه . تنبض بنبضه وتتنفس من روحه.
ومن عشقها وأخلص لها بادلته الشعور، ومن انحرف به المسار غير مدرك لمكانتها ولا مقدرا لقيمتها ، مهملا واجبها ، منصرفا عنها ، انصرفت عنه. ولن تناديه ليكتبها ، ولن تفتح مغاليقها له مهما انتظر إلهامها .
فالكتابة لا تنتظر أحدا مهما كان عزيزا عليها أو قريبا منها ، ولا تمنح الاعذار لاحد ، فما أن يتركها الكاتب لشأنها منشغلا عنها ، تركته لشأنه .
ومن يعتقد بأن الكتابة ستأتي طائعة تتجول في الانحاء حيث يكون لتحرك شغاف قلبه ليكتبها ، أو تجيء زائرة إليه ذات مساء هادئ لتسلمه نفسها فسيخيب ظنه .
فالكتابة لا تقبل الانشغال عنها ، وإذا أحست بالاهمال من الكاتب فإنها تهمله . وتبعد المسافة، وتكبر الفجوة ويزيد الجفاء إلى حد القطيعة بين الكاتب وكتابته .
ولا تعد تسمع للكّتاب صوت لإقلامهم يتحدث ، يتساقطون مع الأيام إلى هاوية الصمت منجلية الكتابة عنهم ، مندثرة إقلامهم ، متوقفة إبداعاتهم ، فلم يعطوا للكتابة حقها من الاخلاص ، كما يخلص الحبيب لحبيبته ، فرحلت الكتابة عنهم إلى العدم.
لتبقى لديهم ذكرى هلامية قديمة عن الكتابة ، أصفرت أوراقها ، يعتليها الغبار. يأسفون على ذواتهم لغياب الشوق والمحبة ذات قصة غرامية مع الكتابة أنتجت إبداعا أدبيا جميلا .
أخذتهم مسارات الحياة بعيدا عن النطق الكتابي المرئي على منابر النور . نسوا فيه الكتابة فنسيتهم الا قليل القليل وخلاصة الخلاصة ثبتوا مع السنوات ، حافرين أسماءهم على الصخر ، واستمروا حبا وإخلاصا للكتابة ، والذين انشغلوا عنها فلا تزال جذوة الإبداع منطفئة في ذواتهم لا يستطيعون إنارتها لتشع من القلب ، ليعم ضوؤها على الجميع بعد أن اصابهم اليأس والقنوط . كانوا بحاجة الى المحاولة أكثر دون يأس لانتشال إبداعهم ، وإنقاذه من الغياب ، وإنما ساقوه الى طريق مسدود مقفل المنافذ ، متعذرين بعدم وجود جدوى لكتاباتهم ولا فائدة أو تشجيع ، “فإذا أصابوا لا أحد يتذكر وإذا أخطأوا لا أحد ينسى” هكذا يقولون ، فآثروا الانزواء بعيدا إلى العادي من التفاعلات الحياتية ، وتوقفوا عن الكتابة المتألقة الناضجة المتلالئة التي كانت تزورهم وتسعد بهم ويسعدون بها “دون ضرر أو ضرار” من أجل الابداع ، لا من من أجل الكراهية والتفرقة وتصفية الحسابات ، صافية نقية أرواحهم.
توقفوا سنوات وحين أرادوا العودة لجميلتهم التي كانوا ينتظرونها بشوق لتظهر لهم أنثى كتابية رائعة الجمال ، وجدوها ذبلت وشاخت ولا مكان لها بين الحضور .

إلى الأعلى