الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تحولات الرأي العام العماني” السياسة الخارجية العمانية أنموذجا”

تحولات الرأي العام العماني” السياسة الخارجية العمانية أنموذجا”

محمد بن سعيد الفطيسي

” … يشهد هذا القرن تحولات في موقع الأنشطة الجماعية بعيدا عن الحكومات المركزية. وهما: أن ثورة المعلومات صنعت قوى وعناصر فاعلة خاصة عابرة للقومية غير سياسية ولكنها تؤثر بشكل رئيسي ومباشر في سياسات الدول وسيادتها الوطنية كشبكات التواصل الاجتماعي” تويتر, فيس بوك, والواتساب, وغيرها كما سبق وأشرنا,”

ما تشهده الساحة الوطنية من تبادل في وجهات النظر والتعبير عن الرأي بين مختلف شرائح المواطنين حول العديد من الأحداث والقضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية, أو حتى ما تعلق منها بالسياسة الاقليمية والدولية, عبر مختلف مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، لدليل واضح على استمرار تطور المشهد السياسي الوطني من جهة, وتقدم وعي المجتمع فيما يخص الجانب السياسي, بغض النظر عن مستوى ذلك النضج أو المقدرة على التحليل السياسي, أوإدراك الجانب التخصصي لإبداء وجهات النظر الجماهيرية حول تلك الأحداث السياسية التي تتفاعل مع الداخل الوطني من جهة أخرى.
وهو امر يؤكد العديد من النقاط المهمة, والتي بات من الضروري الالتفات اليها والعناية بها واخذها بعين الاعتبار, سواء ما تعلق منها بالتحول في المشهد السياسي الوطني, او بتركيبة الوعي المجتمعي, او حتى تلك المتعلقة بالمؤسسات الرسمية والمسؤولين القائمين عليها. فعلى سبيل المثال لا الحصر وفيما يتعلق بالمشهد السياسي الوطني. نجد تسارعا ملاحظا في كم وكثافة القضايا السياسية الدولية التي تتداخل وتتفاعل اليوم مع الداخل الوطني, وهو التحول الذي كان له ابرز الاثر على تركيبة الوعي المجتمعي, خصوصا ان المواطن العماني اليوم من حيث التعليم والتحصيل المعرفي والقدرة على الوصول الى المعلومة والتفاعل مع الاحداث والتأثر بها والتأثير عليها, ليس كما كان قبل عقود قليلة ماضية.
على ضوء ذلك كان من الضروري التنبيه إلى بعض الملاحظات التي يجب أن تأخذها المؤسسات والجهات ذات الاختصاص والتداخل مع هذا الحراك المجتمعي من جهة, وبتلك القضايا السياسية من جهة أخرى بعين الاعتبار, ومن أهمها: أن يكون هناك تطور موازن في الوعي الرسمي. وفهم مؤسساتي قادر على استيعاب ذلك التغيير والتعاطي مع الحراك المتواصل الذي حدث على مستوى الثقافة السياسية الوطنية والرأي العام العماني فيما يتعلق بالتعبير وإبداء الآراء حول التوجهات والمرئيات السياسية المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية.
كذلك ومما يجب الإشارة إليه في هذا السياق هو التأكيد على دخول المواطن العماني حاله كحال اغلب مواطني دول العالم كفاعل ثانوي في الأنشطة السياسية والعلاقات الدولية. عبر امتلاكه أدوات ووسائل القوة والفاعلية في التأثير على القرار السياسي الوطني, بغض النظر عن كون هذا النوع من القرارات من النوع المصنف بالقرارات السيادية, والذي تعتقد بعض القيادات السياسية أنها لا زالت محاطة بنوع من الهيبة والخصوصية والسرية. أو تتصور بان هذا النوع من التوجهات السياسية ستبقى تفاعلاتها في داخل المحيط الرسمي فقط. وهو امر اصبح اليوم من الصعوبة المحافظة عليه في ظل التطور التكنولوجي واتساع شبكات الانترنت والعولمة السياسية العابرة للحدود الوطنية.
حيث يشهد هذا القرن تحولات في موقع الأنشطة الجماعية بعيدا عن الحكومات المركزية. وهما: أن ثورة المعلومات صنعت قوى وعناصر فاعلة خاصة عابرة للقومية غير سياسية ولكنها تؤثر بشكل رئيسي ومباشر في سياسات الدول وسيادتها الوطنية كشبكات التواصل الاجتماعي” تويتر, فيس بوك, والواتساب, وغيرها كما سبق واشرنا,( فالتحول القياسي الرئيسي – واعني الثورة الصناعية إلى ثورة المعلومات-هو الذي أدى إلى تغيير طبيعة الدولة القومية. فما كان يعرف بالسيادة الوطنية سيتحول إلى مفهوم سيادة الشعب أو سيادة المواطن, فهناك شيء آخر ينشأ بدلا من القومية) أتصور بأنها قومية الدولة الافتراضية.
وهو ما يؤكده اريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة غوغل وجاريد كوين مدير قسم الأفكار في نفس الشركة في كتاب العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال بقوله ( إن الدول وخلال العقود القادمة والتي ستخضع فيها سيادتها الوطنية إلى عوالم وأيقونات وضربات المملكة الافتراضية, حيث ستحن إلى تلك الأيام التي لم يكن عليها فيها سوى التفكير بالسياسات الخارجية والمحلية في العالم الفيزيائي, ولو كان بالإمكان استنساخ هذه السياسات إلى المملكة الافتراضية فلربما كان مستقبل فن السياسة اقل تعقيدا , ولكن على الدول أن تتعايش مع حقيقة أن الحكم في الوطن مع فرض النفوذ –والسيادة الوطنية – في الخارج والداخل بات أصعب بكثير اليوم).
أما من جهة أخرى. وهو أمر يجب التوقف عنده بشيء من الحكمة والهدوء خلال المرحلة الزمنية القائمة ويتعلق بهياكل بناء وتكوين السياسة الخارجية العمانية, اقصد تأثير تلك المتغيرات والتحولات الدولية العابرة للحدود الوطنية على المبادئ والقيم والتوجهات والمصالح المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية وانعكاس كل ذلك على الرأي العام الوطني في ظل ما سبق الإشارة إليه من ارتفاع مستوى مؤشرات تداخل وتفاعل المواطن العماني مع الأحداث السياسية الدولية أو تلك المتعلقة بالسياسة الخارجية العمانية, او بسبب كثافة التفاعلات السياسية الدولية مع الداخل الوطني .
فكما هو معلوم لدى العديد من المراقبين والأكاديميين المتخصصين بتلك التغيرات السياسية والأمنية الحاصلة في النظام العالمي, انه بات من المحتم أن يؤثر كل ذلك في العديد من التوجهات السياسية لمختلف دول العالم بسبب ما يطلق عليه بالنظرية التبادلية أو التفاعلية من جهة, وكذلك بسبب اتساع قوة وكثافة ضربات العولمة السياسية والأمنية والتطورات الحاصلة على مستوى التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي والانترنت وغيرها العديد من الأسباب الدولية التي أصبحت مؤثرة في البيئة السياسية الداخلية.
على ضوء ذلك. بات من الضروري الاستعداد والتأقلم بشيء من ” المرونة المسئولة ” للتعامل مع تلك المتغيرات والتحولات الدولية الكبرى الحاصلة في النظام العالمي, والتي لا شك أنها ستضغط بقوة على ما تم المحافظة عليه خلال العقود الماضية من الثوابت والمبادئ الأخلاقية والإنسانية للسياسة الخارجية العمانية في مواجهة المصالح السياسية والعلاقات والسياسات الدولية مع السلطنة, فيما يطلق عليه بالمثالية في مواجهة الواقعية السياسية.
الأمر الذي سيدفع بدوره إلى أهمية التعاطي بكل حرفية ومهنية وحذر مع ما يطرح من توجهات وآراء ومرئيات سياسية عبر وسائل الإعلام المختلفة. ومواقع التواصل الاجتماعي الرسمية , سواء من خلال التصريحات او اللقاءات الاعلامية والصحفية, وخصوصا تلك التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطن كالواتساب والفيس بوك وتويتر وكذلك الصحف الالكترونية, وضرورة المبادرة إلى تصحيح الأخبار المغلوطة حول ما يطرح عن سياسات السلطنة وتوجهاتها في الداخل والخارج, وضرورة نفي الإشاعات الكاذبة حولها, خصوصا تلك التي يتم تداولها او تناقلها عبر تلك الادوات والوسائل الحديثة في الداخل الوطني او الخارج الدولي, ولا شك ان تأثيراتها ستمس الامن القومي للبلد في حال الصمت عنها او المبادرة الى احتوائها والقضاء عليها, وعدم المكابرة المهنية والمماطلة والتسويف حيال ذلك. وكذلك الأهمية البالغة لاختيار المصطلحات والكلمات والجمل التي سيتم من خلالها التعبير عن وجهة النظر الرسمية حيال قضية ما أو حدث من الأحداث السياسية الدولية أو الإقليمية عبر تلك المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي.

إلى الأعلى