الأربعاء 23 مايو 2018 م - ٧ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / وشهد الشاهد الأول

وشهد الشاهد الأول

كاظم الموسوي

”معروف أن الإدارة الأميركية تلعب هي الأخرى بدور لها في المنطقة والشمال الشرقي السوري خصوصا، وكانت قد أسهمت مع غيرها من حلفائها أو متخادميها على الأراضي التركية في إنشاء الغرف الأمنية لتنفيذ الخطط الاستعمارية وتدمير المنطقة، سواء المتواجدة عليها عسكريا أو المحيطة بها، ومنها ما أعلنته في تدريب قوات كردية وتنسيق مع بعض الأكراد في الشمال السوري في احتلال استعماري وخطط تقسيم جغرافية للدولة السورية.”

في القضية السورية بالذات وما حصل فيها منذ اندلاع أزمتها عام2011 وإلى اليوم لعب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أدوارا متناقضة وأصبح بحق الشاهد الأول والمتهم في استمرارها والمآسي التي اكتنفتها. وليس آخرها ما يمارسه بالفعل في الشمال السوري، رغم كل المتغيرات التي أسهم فيها في إطار التعاون الثلاثي، الروسي الإيراني التركي، أو في إطار التصدي للمشاريع الأميركية المقابلة لمشاريعه وخططه.
معروف أن الإدارة الأميركية تلعب هي الأخرى دورا لها في المنطقة والشمال الشرقي السوري خصوصا، وكانت قد أسهمت مع غيرها من حلفائها أو متخادميها على الأراضي التركية في إنشاء الغرف الأمنية لتنفيذ الخطط الاستعمارية وتدمير المنطقة، سواء المتواجدة عليها عسكريا أو المحيطة بها، ومنها ما أعلنته في تدريب قوات كردية وتنسيق مع بعض الأكراد في الشمال السوري في احتلال استعماري وخطط تقسيم جغرافية للدولة السورية. وقد رأت تركيا في هذه التحركات الأميركية تهديدا لها، وتضامنا مع قوة كردية تعتبرها إرهابية وتحاربها علنا، وهو ما يتناقض مع المشروع الأميركي، ويدفع إلى صراع بين عضوي حلف الناتو، من جهة، ويضرب على خطط وأوهام أنقرة في المنطقة وما بعدها أيضا، من جهة أخرى، ولهذا يناور الرئيس التركي بمنعرجات حادة لكسب الوقت والأرض، مرة بالتحالف مع روسيا وإيران أو مع أحدهما أو مغازلة الأميركان والضغط على توجهاتهم الأخرى، وكلما تحتد الأزمة ينفس عنها، بتصريحات، تفضح ما قام هو بها معها، من بينها تأكيده على نقل آلاف من الدواعش من الرقة إلى سيناء بطائرات أميركية. وليس آخرها ما صرح به في مقابلة بثتها قناة “NTV” التركية؛ أن الولايات المتحدة أرسلت 5 آلاف شاحنة أسلحة وألفي شحنة جوية تحمل أسلحة إلى شمال سوريا بذريعة مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي. وحسب وكالات الأنباء، لفت الرئيس التركي الى أن الولايات المتحدة أقامت 20 قاعدة عسكرية في الشمال السوري، متسائلا: “ضد من هذه القواعد؟”. وفي الوقت نفسه قال عن توسع عملية”غصن الزيتون” إلى مدينة منبج السورية إنه ينتظر تعيين وزير الخارجية الأميركي الجديد ومباشرة مهامه، لمناقشة الموضوع، وكأن دخوله مشروع أو قانوني. وأعرب عن أمله في عدم اتخاذ فرنسا خطوات يمكن أن تتأسف عليها في وقت لاحق، تعقيبا على تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون التي قال فيها إن بلاده تدرس إرسال قوات فرنسية إلى منبج. الأمر الذي يكشف عن صراعات هذه القوى وتجاوزاتها القانونية واستهتارها بالشرعية والقانون الدولي، رغم كل ادعاءاتها. كما يدلل على اختيار اردوغان نهجه السياسي المخادع، مثلا، قوله إن تركيا تتلقى مطالب شعبية من أهالي منبج، يدعونها فيها إلى تخليصهم من الإرهابيين، مؤكدا استعداد سكان المدينة لتقديم الدعم للقوات التركية(!).
بماذا تختلف هذه التصريحات عن العديد مما قاله الرئيس أردوغان؟!، شهادة أخرى جديدة من شاهد أسهم بنفسه بدور كبير في كل أحداثها، أو دليل آخر على ما اقترف فيها. تثير الكثير من الأسئلة عنها وعما أعلنه فيها. المعتقلون من الصحافيين والصحف التي أغلقت بسببها دقت الأجراس على دور تركيا في فتح الحدود ونقل الأسلحة وتهريب البترول وبيعه، وتسهيل نقل الافراد من المسلحين وعوائلهم عبر أراضيها الى العراق وسوريا، وكل هذه بعلمه وبقراره، حسب موقعه ومنصبه ورغباته. وما شهد به لا يغير كثيرا من المشهد المعقد الذي لعب أدوارا فيه، مما اضطر حتى وزارة الخارجية الأميركية إلى الاعتراف ببعضها، ورد تركيا عليها بشكل لافت، ساعية إلى تفنيد فقرات البيان الأميركي.
أوضحت الخارجية التركية في بيانها أنّ ما ورد في التقرير حيال حقوق الإنسان في تركيا، تمّ صياغته استنادا إلى ادعاءات أطراف لها علاقة بالإرهاب. وأعرب البيان عن خيبة أمل تركيا من التقرير الأميركي، مبينةً أنّها تواصل التزامها بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، رغم التهديدات الإرهابية التي تواجهها. وأضاف البيان أنّ تقرير الخارجية الأميركية الصادر يوم 20 نيسان/ أبريل الجاري، مليء بالاتهامات والادعاءات والتعريفات الخاطئة حيال تركيا. وتابع البيان قائلاً: “تحدث التقرير عن التدابير المحقة التي تتخذها تركيا في إطار مكافحة التنظيمات الإرهابية (داعش، “بي كا كا/ ي ب ك”، غولن، “د ه ك ب ج”)، بشكل منحاز وبعيد عن الحقيقة”. ولفت البيان إلى أنّ التقرير الأميركي تجاهل التطرق إلى كفاح تركيا ضدّ منظمة جولن الإرهابية المتطرفة، التي تغلغلت في دوائر ومؤسسات الدولة وقامت بمحاولة انقلاب فاشلة(منتصف 2016). (!) وذكر البيان أنّ تقرير الخارجية الأميركية أخطأ في وصف كفاح تركيا ضد الإرهاب، بأنه حرب داخلية، واستند في هذا الوصف إلى روايات مجموعات لها علاقة بمنظمات إرهابية. ونوّهت الخارجية التركية، أنه ليس من قبيل الصدفة أن يصدر مثل هذا التقرير عن دولة تحتضن زعيم منظمة جولن الإرهابية “فتح الله جولن”. وأوضحت أنّ التقرير الأميركي حول حقوق الإنسان، فقد اعتباره بسبب ابتعاده عن معايير الحيادية والشفافية. وأوصى بيان الخارجية التركية، الدول التي تتهم أنقرة بانتهاك حقوق الإنسان، بالامتناع أولا عن الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها في حق مواطنيها(!).
كما ينتقد حلفاء غربيون لتركيا مرارا قانون الطوارئ، الذي شهد اعتقال حوالي 50 ألف شخص، من بينهم صحفيون وأكاديميون وأعضاء من المعارضة السياسية والبرلمانية. ومازالت اعداد كبيرة رهن الاعتقال دون محاكمات، كما مازالت حالة الطوارئ مستمرة.
واضح أن الرد التركي لا يبتعد عن شهادة الشاهد الأول ولا يعفيه عما ارتكبت يداه في الأزمات المستفحلة في المنطقة، ولكن ما ورد أعلاه دليل آخر على التورط التركي والتواطؤ الدموي، والتاريخ لا ينسى.

إلى الأعلى