الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

المسرح في أدب صدقي إسماعيل ١ ـ ٢

علي عقلة عرسان

” في كثير من الأحيان تشعر بجمود الحوادث، لبساطتها المتناهية، وتمرُّ أمامك المشاهد تلو المشاهد، والمواقف تلو المواقف،من دون أن تشعر بأن خشبة المسرح قد امتلأت بالحيوية.. ومع ذلك فإن القارئ لمسرحياته، يعيش معه بعمق، ويرتبط بحواره الفني، ويستغرق معه في تأملاته، وفي جزئيات رؤاه، وهموم شخوصه واهتماماتها.. نعم إن قارئه لايعيش في جو حركي يشد البصر ويشاغل الحواس ويمتعها، ولكنه يحس بالامتلاء من الداخل، ”

كان صدقي إسماعيل “1924-1972″، رحمه الله، نسيج وحده فيما كتب من مسرحيات، لم يتتلمذ على مدرسة أو كاتب، ولم ينضوِ تحت لواء مذهب من المذاهب المسرحية العديدة، ولم يخضع لتأثير تيار أو بدعة، لأنه لم يكن ممن تغريهم البدع. كانت ثقافته عربية أصيلة، وعايش واقع شعبه وأمته، فنبت من هذه الأرض التي تركت طعمها ونكهتها في أدبه:”"مسرحية، ورواية، وقصة.
لقد كتب المسرحية بانطلاقة ذاتية خاصة به، نابعة من وجدانه، ومن تكوينه الثقافي والفكري، ولذا نجده – فيما أنتج من مسرحيات، وعددها أربع -لم يجدد في أشكال العرض المسرحي، ولم يبرَع في إتقان حِرَفية هذا الفن، بتفهم خفاياها، ولا هو ممن أغوتهم “تَقْليعات “التجديد المسرحي، على كثرتها.
وبالمقابل لم ينهج نهج الكلاسكيين أو غيرهم، بل كتب نصوصه المسرحية، فاستطاع أن يكون هو ذاته، بعمقه وصدقه وبساطته وشفافيته، وجاء إنتاجه ليؤكد فرادته وشخصيته الخاصة. لا أستطيع القول إن صدقي إسماعيل صاحب مدرسة خاصة، في فن الكتابة للمسرح، كما لا يمكن القول بأن ما تركه من إنتاج مسرحي يرقى إلى مرحلة النضج الكامل، في مجالات الخلق والإبداع المسرحيين، ففي بعض الأحيان يتراءى لنا، وكأنه لايعرف شيئاً عن حِرَفية المسرح، فهو لايتقن حبك حوادث مسرحياته، ولا يمكِّن شخوصه من الصدام الحي، حول موضوع أو هدف، حيث يحقق صدامُها ولادة الصراع ونموه وتصاعده، ومن ثمَّ يبثّ روح الدراما ويُغني وجودها.
وفي كثير من الأحيان تشعر بجمود الحوادث، لبساطتها المتناهية، وتمرُّ أمامك المشاهد تلو المشاهد، والمواقف تلو المواقف،من دون أن تشعر بأن خشبة المسرح قد امتلأت بالحيوية.. ومع ذلك فإن القارئ لمسرحياته، يعيش معه بعمق، ويرتبط بحواره الفني، ويستغرق معه في تأملاته، وفي جزئيات رؤاه، وهموم شخوصه واهتماماتها.. نعم إن قارئه لايعيش في جو حركي يشد البصر ويشاغل الحواس ويمتعها، ولكنه يحس بالامتلاء من الداخل، ويشعر أن عقله يتحرك، ذلك أن صدقي اسماعيل ليس بهلوانا يشد نظرنا إلى خشبة مسرحه بحركات وشقْلبات متنوعة، إنه يتجه إلى عقولنا وملكاتنا الأدبية وذوقنا، وبَعد لأيٍ نشعر به يتسرب إلى القلب بصمت، حتى يملك بعضه، بهدوء وثقة، ويثبت فيه أحاسيسه ومايريد. ولذا فان أدب صدقي إسماعيل المسرحي، لن يلفت إليه انظار الراغبين في تقديم عرض مسرحي بمعنى العرض “الإدهاشي، “، لأن مسرحه لايهيئ لهم بغيتهم هذه.
ومما يلاحظ بوضوح، أن صدقي إسماعيل لايكتب ليسلي أو يرفِّه، ولاينظر للمسرح كوسيلة تسلية، أو كساحة لعرض الألعاب السحرية التي تبهر المشاهد، وإنما يعتبر خشبة المسرح ساحة تتحرك فوقها الأفكار الواضحة الملتزمة البنّاءة، بحلّة أدبية قشيبة، وبكل اتزان وتؤدة ولطف. وصدقي إسماعيل، كما ظهر لي، من خلال مسرحياته، يؤمن بأن رسالة الأدب والفن رسالة سامية، تكتسب قدسيتها وسموَّها من التزام صاحبها بالإنسان وقضاياه، ومن وقوفه في وجه الظلم والاستغلال والسلطة الجائزة..ورسالة الأدب أن ينتصر للإنسان، بانتصاره للحرية والعدالة والقيم السامية، وبوقوفه إلى جانب الإنسانية في نضالها من أجل حياة أفضل
ولم يخرج صدقي عن هذه الرسالة في مسرحه، فقد كان وفياً لقضايا شعبه، عالجها بتفهم، وتمسك بها بأصالة، فكانت بمثابة هويّة له، وكان محامياً عنها، وعلَما عليها؛ وقف ضد محترفي السياسة، وضد المستغلين والطغاة، وناضل ضدَّ الظلم والخسة، ودعا إلى تطبيق الاشتراكية، وإلى ضرورة تفجير الطاقة الحقيقية للشعب،عن طريق إفساح المجال أمام قواه، الكامنة في العمال والفلاحين، ليأخذ دوره، وليمارس وجوده، وينفض عنه غبار الإهمال والكسل.. كما دعا إلى تأكيد سلطة القانون والدولة، على أساس من العدل والحرية واحترام الإنسان، ووضَعَ قضية تحرير الإنسان من كل مظاهر العبودية وأشكالها، في طليعة قضاياه التي عالجها في مسرحياته.
ترك لنا صدقي إسماعيل، بعد وفاته، أربع مسرحيات هي:
- سقوط الجمرة الثالثة: وتقع في فصل واحد طويل، وكان قد نشرها في مجلة الموقف العربي.
- عمار يبحث عن أبيه: وتقع في ثلاثة فصول، نشر منها فصلين فقط ، قبل وفاته، في جريدة البعث عام 1968 . ومازال الفصل الثالث والأخير، مخطوطاً لم يكتمل مشهده الأخير.
- الأحذية: وهي مسرحية من فصل واحد، في مشهدين، نُشرت في مجلة”الجندي “عام 1966العدد 750 .
- أيام سلمون : وهي “قصة تاريخية في حوار مسرحي”، وضعها في ست لوحات، ونشرها عام 1972في مجلة “الموقف الأدبي “السنة الثانية – العدد الأول.
وسأقدم، المسرحيات الثلاث: سقوط الجمرة الثالثة -الأحذية -أيام سلمون ، ثم أسعى إلى استخلاص بعض الملاحظات الخاصة بكل مسرحية على حدة، في نهاية الحديث عنها،ومن بعد ذلك، أسجل الملاحظات العامة التي يمكن أن تتجلى فيها الملامحُ الأسياسية لمسرح صدقي إسماعيل.
مسرحية : سقوط الجمرة الثالثة:
إن حوادث هذه المسرحية في منتهى البساطة: أحد محترفي السياسة القُدامى، يدخل الانتخابات، ويجد نفسه أمام منافسين لهم تأثيرهم في الشعب، فيحاول أن يستثير الرأي العام ضدهم، ليكسبه إلى جانبه، باصطناعه محاولة اغتيال مدبَّرة ضده، يُعدُّها هو وسائقُه، ويستغل هذا الحادث على جميع المستويات.
هذه هي الحوادث، ولكنها لاتعطينا فكرة عن محتوى المسرحية .. إن الذي يعطينا فكرة صحيحة عنها هو شخصياتها .. بدر الدين السالم، الشخصية الرئيسية فيها، محترِف سياسة مُحنَّك، وإنسان له من الأملاك مايمكِّنه من العيش بحرية تامة، حسب مفهومه هو للحرية، إذ أنها بنظره “أن لايضطر الإنسان إلى شيء.. ولايلزم بشيء.. ويُعطى كل شيء مجاناً”. والشخص الحر، كما يراه:”مُعفى حتى من العمل اليومي الذي يرتزق به الناس في العادة” .
هجر بدر الدين القرية التي يملكها، بعد أن ترك فيها بعض أهله، ليعش في المدينة، هو وعائلته المكونة من زوجته وابنته وداد، وابنه الذي ذهب ليدرس في باريس منذ زمن، ولايشكو هناك إلا السأم والمَلل.. وهو لذلك يغير خمسة مطاعم في مدى ساعة، ويحس أن “جَسده يتذمر “! وبدر الدين لايترك مجلساً نيابياً إلا ويرشح نفسه لعضويته، ضامناً النجاح، نظراً لقدرته على شراء الأصوات، إذا لزم الأمر، ولسيطرته أو “شعبيته كما يحب أن يسميها”. وقد لمع اسمه بين الناس الذين ينتخبونه لأسباب متفاوتة.. ولم يكن يشكُ في أي يوم، من مزاحَمة أحد له على كرسي المجلس النيابي.. إلاّ أنه في هذه الأيام، يحس بحرج موقفه أمام منافسه الجديد.. ذلك الصبي الذي استطاع هو وأعوانه، أن يغيروا وجهة نظر الناس في أمور السياسة، بأسلوب عملي، وغرسوا في أذهان الكثيرين من أبناء الجيل الجديد، أفكاراً جديدة، غيرت نظرتهم إلى السياسة ودور السياسيين.. ولقد وصلت آراؤهم إلى النفاذ حتى في عقلية ماجد، خطيب ابنة بدر الدين، فهو يتبناها ويجاهر بها.. وهاهو يقول لخطيبته وداد،في أثناء حديثهما عن والدها:
“السياسة في بلادنا لم تعد سياسة.. لقد تغيرت في أساليبها وغاياتها. في زمنه كانوا يتنازعون على النفوذ من أجل النجاح الشخصي والمصلحة الخاصة، وتسيير دفة الأمور.. أمّا الآن فإن كل شيء أصبح وسيلة لتبديل الأوضاع من جذورها. وأول دلائل هذا النجاح، القضاء على كل من يقاوم هذا التبديل”. إن خصوم بدر الدين “يكافحون من أجل قضية “، ولذا فهم يفضحون أساليبه وأساليب أمثاله، وهم قوة حقيقية، رغم أن بدر الدين لايرى فيهم إلا “صبية”، ينثرون حوله الشائعات .. وهل يُحارَب الرجل المتنفذ المشهور إلا بالشائعات ؟!إنه أمر طبيعي تماماً، من وجهة نظرة، ولكن وجهة النظر الواقعية، هي تلك التي يأتي ذكرُها على لسان ماجد في حديثه مع خطيبته، حين تنكر أن لأبيها خصوماً في السابق، فيقول لها:
“لا .. بل كان الخصوم أكثر مما هم الآن .. لأن الفقر كان أشد وطأة، غير أن الظروف كانت ضدهم. لكل غني أو متنفذ جيش كبير من الأعداء، هو مجموعة من الرّعاع التافهين، الذين يمكن ضربهم في أي لحظة، أو شراؤهم، أو تحذيرهم بالكلام اللبق.. يبقون هكذا ماداموا منزوين، ومنذ أن يتحركوا في شيء من العنف، تكون الظروف قد تغيرت حتماً، أي أصبحت في جانبهم.. تماماً كما يحدث الآن “. كما يؤكد ماجد لخطيبته، أن وجودهم خلف الشخص الذي يمشون وراءه الآن، هو بمثابة انذار إلى الجميع .. إنهم يقولون: ها نحن.. جميع المحرومين نخرج إلى الساحة.. وقد أعددنا العدة للقتال.. بعد أن جُرِّدنا من السلاح أمداً طويلاً .. إننا نرفض هذه الحياة” .
إننا في هذه المسرحية، نقابل بدر الدين السالم، وقد نجا لتوه من أربع رصاصات، أطلقت عليه، بينما كان يجتاز الشارع ليصل إلى منزله.. وهاهو يهتز وينفعل، ويثير ضجة مُفتعَلة، بهدف واضح، وهو إستغلال الرصاصات التي أطلقت عليه، لإثارة الراي العام ضد منافسه، وشده نحوه. مدركا أن “للعاطفة دورها الأساسي في السياسة “. ولذا فهو لايضيع الوقت أبداً.. فبعد أن يضع بعض المُطهِّرات على خدش بسيط أصابه في ساقه، بينما كان يتسلق جدار حديقة داره، هارباً من الرصاصات التي أطلقت عليه من خلفه – يبادر إلى الاتصال بوزير الداخلية، ويخبر الحكومة، يقيمها ويقعدها.. فكيف يمكن أن يحدث مثل هذا العمل الدنئ، للتخلص من المنافسة على كرسي المجلس النيابي. ؟!
ولكي يستغل بدر الدين هذا الحادث على الصعيد الجماهيري، في الدعاية لذاته، أرسل سائقه عاصي لينشر الخبر بين الناس، بشيء من استثارة الشفقة على المناضل “بدر الدين “، الذي يحب الشعب، ويعمل من أجله باخلاص.
إن بدر الدين السالم رجل عملي .. وهو يعرف مسبقاً، أن أربع رصاصات في هذه الظروف -إذا أحسن استغلالها – يمكن أن تدعمه بأربعة آلاف صوت في الانتخابات.. ولهذا الأمر فقط، دبَّر هذه الخطة، وكلف سائقه عاصي بتنفيذها، وقام باستغلالها، وكأنها حدثت من قِبَلِ خصومه بالفعل.
كل شيء مُبرر في شرع هذا الاقطاعي الصغير، ذي النظرة الواقعية جداً، والمصلحية جداً، فهو يعتبر النجاح في السياسة أنه “النظر إلى الأشياء من جميع الوجوه، بسرعة وتقدير واضح للمصلحة “، ويتحرك من هذا المنطلق في كل أعماله، من دون مراعاة لأي قيم أوعوامل أخرى.
وضمن إطار هذا الحدث الذي يتمحور حول شخصية بدر الدين، قدم صدقي إسماعيل نماذج تكمل صورة الأسرة البورجوازية التي يمت إليها بدر الدين السالم، تلك التي تعتبر أنموذجاً لكثير غيرها من الأسر، التي كانت تسيطر على الحياة السياسية للبلاد، في وقت بدأ فيه الفقراء يرفعون أصواتهم، ويرسلون احتجاجهم بشكل نذير، للذين طالما تاجروا بهم، وتلاعبوا بمقدراتهم، وسجنوهم مع البهائم في زرائب واحدة،حيث يأكلون هناك وينامون ويعملون، ويقدمون جهدهم، عبر ابتسامات الرضى والامتنان، لصاحب الجاه.. للمالك المتحكم، ذي النفوذ الذي لايُحد.
فنحن نرى وداد، ابنة بدر الدين، أنموذجاً للمرأة الكسول التي لاتهتم إلاّ براحتها وطعامها ومظهرها، من دون أن تعير العمل أي اهتمام، ومن دون أن يكون له قيمة محترمة في حياتها.. وهي تنفذ وصية والدها، بأن تكون مثالاً لكبرياء العائلة، لأنها سليلة بيت السالم الذين تجري في عروقهم الدماء التي لاتتوفر لغيرهم من الناس.
إن وداد تعيش ضمن قوقعة أنانيتها البحتة، ولاتهمها إلا فرديتها.. حتى والدها لاتهتم به الأهتمام الصادق . وعندما تشعر أن واجب التظاهر بالحرص عليه، يقتضي منها بعض التحرك لصالحه، تتفق مع خطيبها ماجد، على أن يحاولا بذل الجهد لإقناعه بالانسحاب من الانتخابات، خوفاً على حياته، بعد أن أُطلِق عليه الرصاص. وطبعاً لايوافق بدر الدين على اقتراحهما، لأنه يعرف جيداً من أطلق الرصاص.. ولو أن الرصاص أطلق عليه فعلاً، بقصد اغتياله، لتكفل الجبن الذي في داخله بارغامه على الانسحاب والانزواء..
ومن النماذج التي تكمل صورة الأسرة البورجوازية،السيدة “أميرة “أخت بدر الدين، التي حضرت من القرية لتقف إلى جانب أخيها في الانتخابات، حرصاً منها على مركزه، مركز العائلة.. هي تعرف أنها من عائلة السالم، وتعتز بذلك، وتوحي إلى وداد -ابنة أخيها -أن تفخر، لأن دم العائلة يجري في عروقها. وأميرة عملية أيضاً. كأخيها بدر الدين، وهي تعرفة المعرفة الحقة، وتفهم خططه وسلوكه، ولذلك فهي لاتُدهَش عندما يدخل راكضاً، أثر اطلاق الرصاص عليه..إنها تحضر له المطهر بكل بساطة، وتقول له:”إنها عادتك يابدر.. في البدء تبالغ بكل شيء، ثم تصبح أصلب من الصخر “. وهي تدرك، بغريزتها، بعد أن تستمع لأخيها وهو يتكلم عن مناوئيه الذين يضيقون عليه الخناق، ويجعلون الناس ينفضّون من حوله.. تدرك أنها بداية النهاية بالنسبة لعهد المتنفذين الذي انفصلوا عن الشعب واستخدموه وأذلوه، من أمثال أخيها، وتدرك أيضاً، أن الجمرة الثالثة سقطت مع سقوط الرصاصات الأربع خلف أخيها.. فالفقراء الذين عانوا من الجوع والفقر لسنوات طويلة، لابدَّ أن يهجروا مخابئهم، كما تهجر بهائم الأرض جحورها بعد الشتاء القارس، وتأخذ مكانها تحت الشمس..إنها تقول لأبنة أخيها :
“الجمرة الثالثة.. عندما تسقط يبدأ الربيع.. تماما مثل هذه الأيام.. الياسمين الأصفر يظهر على سياج البستان.. وينتشر الهواء الدافئ بين الأشجار، ويخرج الجميع إلى البرية.. كل الاشياء تصبح في العراء، وهانحن الآن في حالة مماثلة:أربع رصاصات طائشة، فتحت لنا جميع الأبواب، أبوك يقئ حقده العنيد على الرعاع.. أي على كل الناس.. وأنت أوهام الجسم العليل.. ويعلم الله كيف تكون أمك، لو أنها لم تسافر.. حتى أنا، وجدت نفسي في حالة من الهياج القديم.”.
إن أميرة تشعر بوضع العائلة، ولكنها لاتعانيه.. تقول كلماتها بشكل عابر، وبقناعة من لايستطيع للأمر المؤكد الحدوث دفعاً. إن هذه الشخصيات الثلاث: بدر الدين ووداد وأميرة، تعطي جوانب مختلفة لتكوين، أسرة من تلك الأسر التي كانت تتحكم بحياة مجتمعنا السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية من بعض الوجوه. وهي، ضمن إطار هذا الحدث، تعطي صورة تسعى إلى التكامل، عن نظرة أولئك الناس الذين ثارت جموع شعبنا ضد تسلطهم عليها واستغلالهم لها، وعن حياتهم واهتماماتهم وسلوكهم.
ومن الشخصيات التي عرضها المؤلف، في مسرحية سقوط الجمرة الثالثة، شخصية ماجد، خطيب وداد، وهو مهندس شاب، يحمل بعض الأفكار التقدمية، كسائر أبناء جيله، مع تفاوت بين شخص وآخر.. ولا يخشى أن يجاهر بأفكاره أمام وداد ووالدها.. إنه يؤمن بأن المستقبل يجب أن يوضع في الاعتبار لدى السياسيين، لأن الواقعية تستدعي ذلك بالدرجة الأولى.. ومن يهمل هذا الأمر، أو يَغفل عنه، فإنما يهمل شيئاً جوهرياً ويغفل عنه . إن هناك كتلاً جماهيرية لها دورها ولها مشكلاتها وأزمتها.. ولابد من أن توضع على الخارطة أيضاً، عند مناقشة مستقبل البلد، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، أو حتى عند التخطيط لمعركة انتخابية.
ويخالف ماجد رأيَ بدر الدين، الذي ينشد المتعة الخاصة، ولايَسأل إلاّ عن رفاهيته وهنائه، ولا تهمه جموع الفقراء.. يخالفه الرأي، انطلاقاً من نظرة يؤمن بها، وتتلخص، بأن “الإنسان هو الجميع.. ومثلما يشارك الآخرين في لغة التخاطب والأفكار، يجب أن يشاركهم في أسباب الحياة” .
ويُلاحَظ تعاطف صدقي إسماعيل مع ماجد، فهو يورد على لسانه كثيراً من آرائه الخاصة.. فهل أراد لهذا الشاب أن يتسلل إلى معاقل الطبقة البورجوازية المتحكمة ، ليساهم في تفجير بنائها من الداخل ؟.. إنه لايعطينا صورة عن ماضي هذا الشاب أبداً، ولا عن انتمائه الطبقي، ولا يُبرز مطامحه وتطلعاته بجلاء، الا أن ارتباطه، أو ربطه، بهذه الأسرة له معناه.. وأكبر الظن أن صدقي اسماعيل، سخَّر هذه الشخصية، كما سخَّر سواها من الشخصيات، لحمل أفكاره هو، من دون مراعاة لتكوينها الخاص وبنيتها الفنية في نص مسرحي.
أمّا الشخصية الطريفة الحية، في هذه المسرحية، فهي شخصية السائق عاصي:إنه أنموذج للإنسان الذي يعتمِد على عمله وجهده، ولكن لايهمه أبداً، كيف يوظف هذا الجهد!إنه يعمل في الدعاية لصالح بدر الدين السالم، وله تجارب سابقة في هذا المجال، كما أنه يتمتع بنظرة واقعية صادقة للحياة والناس، فهو يرى أن المنافسة السياسية في عصره: حالة حرب حقيقية، كل من الخصمين فيها يريد أن يبيد الأخر، وأن يمسحه من الوجود. وأن الحياة، بمجملها، صراع من هذا القبيل. أمّا عن تجربته هو، فإنه يعارك الحياة والناس ليعيش، كانت أولى محاولاته في التمرد حينما قاد العمال في إضراب للحصول على ساعة الراحة، وكان جزاؤه أن طُرِد من العمل.. كان يود أن يستخدم المسدس في حياته، ولكنه لم يستخدمه إلا عندما كلَّفه بذلك بدر الدين .. فأطلق أربع رصاصات في الفضاء. إن عاصي شخصية مرحة.. أضفَت على بعض مشاهد المسرحية جواً من الحيوية، افتقدته المسرحية طويلاً.. ولكنه شخصية مسرحية ثرثرت، ونطقت بكلام أعلى من مستواها، وكان هذا شأن أميرة إلى حد ما. أمّا الشخصيات الأخرى فقد كانت مؤهلة، بعض الشيء، لحمل الأفكار التي طرحتها.. ولكن المؤلف لم يُعتِق شخصيات المسرحية أبداً من تدخله، أي أنه لم يطلقها كائنات حية، حيث يدفعها تكوينها، وتدفعها أهدافها، إلى التحرك بحرية.. فكثيراً ما كانت الشخصيات تستطرد في حوارها أو مناجاتها الذاتية “مونولوغ”، لتنقل فكرة فلسفية، أو رأياً يريد المؤلف أن يقوله.. وهي لهذا، كانت أسيرة المؤلف، ولم تتمكن من التصرف كشخوص حية ذات إرادة، تصنع حوادثها وتطورها، وتسير بالمواقف إلى مرحلة الصدام الحيوي.
إن مسرحية سقوط الجمرة الثالثة ضعيفة الحوادث ، يميل حوارها إلى الطول ، بسبب استطرادات المؤلف الذي ينقل تأملاته الخاصة وأفكاره على لسان شخوصه، من دون مراعاة لتكوين كل منها. ومن الملاحظ أن الكلمة المنطوقَة ليست سيدة الموقف، في لغة الحوار المسرحي هنا، لأن الجمل تنوء بثمار الفكر، ولذا تثقُل على لسان من سيعرضها على خشبة المسرح برشاقة، وتميل بالأسلوب أحياناً إلى الإنشائية.

إلى الأعلى