الأربعاء 23 مايو 2018 م - ٧ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مؤسساتنا : بين تقديم الخدمة وتأسيس مواطنة المواطن

مؤسساتنا : بين تقديم الخدمة وتأسيس مواطنة المواطن

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق حديثنا عن الموضوع من الإجابة عن التساؤل الرئيسي : هل المطلوب من المؤسسات تقديم خدمة فقط ، أم يتعدى دورها إلى تأسيس مواطنة المواطن، والتي تأتي كنتاج لكفاءة خدماتها وابتكارية آليات تقديمها؟، وبالتالي دور ممارسات المؤسسات في تشكيل هوية المواطن وقناعاته واتجاهاته وبناء شخصيته وثقافته عن وطنه، والأثر المتحقق من جودة الخدمة التي تقدمها والتزامها معايير الكفاءة والإنتاجية – في طريقة تقديمها ـ على الاستثمار في المواطنة،وقدرتها على ضبط جهودها وتعزيز مسارات التنسيق والشراكة والتكامل بينها، بما ينعكس إيجابا على ولاء المواطن وانتمائه لوطنه وقيادته ، فيسخر قدراته من أجل وطنه ويعزز مهاراته بما يضمن فاعليتها على إحداث التحول في مسارات الإنتاج وتحقيق الأهداف والغايات الوطنية،وتوجيهها لبناء المواطنة الوظيفية التي تنقل الموظف من كونه صاحب وظيفة يؤدي خلالها مهمة محددة له سلفا ، إلى كونه صاحب رسالة يعمل على نقل التغيير في ممارساته الوظيفية وترقيتها وتأديتها بشكل أكثر كفاءة ومهنية وإخلاص .
وعليه تأتي المواطنة كنتاج لعدة عوامل تتشارك فيها مع الفرد مؤسسات الدولة المختلفة، بما يفتح المجال لصناعة التحول في سلوك المواطن فيوجه استراتيجيات الإنجاز توجيها سليما نحو تحقيق مسارات إيجابية على حياة الفرد والمجتمع، فهو جزء من منظومة وطنية متكاملة ، يقف منها موقف المؤثر في خلق الإلهام في الانجاز، فيتعدى الهدف مجرد تقديم خدمة إلى صناعة مسار إيجابي ينعكس على أداء المواطن الموظف والمسؤول والمستفيد من الخدمة، وبالتالي كيف نؤصل من خلال الخدمة إيمان أعمق لدى المواطن بدوره ومسؤولياته، وحرص المؤسسات على تحقيق الرفاه الاقتصادي والنفسي له، وعندما تُشعر المؤسسات المواطن بموقعه وأهميته وتشجيع مساحات التنافس والابتكار والتجديد لديه وتُؤصّل مبدأ العدالة في التقييم والتحفيز والمساءلة والتشجيع الذي يحصل عليه وتأطير أسلوب التواصل والاتصال المؤسسي وتُرسّخ منهجياته وفق معايير الذوق في السلوك والخطاب المؤسسي وإدارة المشاعر والاهتمام بمعايير الأمان النفسي والوظيفي وفتح المجال للبحث والابتكار وإثبات الذات؛ عندها يصبح شريكا فاعلا في بناء وطنه ، إذ كلما كانت الممارسة المؤسسية مبنية على إطار واضح في الإنجاز، كلما انعكس ذلك إيجابا على شخصية المواطن وهويته.
وبالتالي سيكون لهذه الموجهات أثرها في نظرة الموظف للوطن وقراءته له، فتصبح المؤسسات محطات عمل ومحددات إنجاز واختبار لتقدير مساحات الحقوق التي يمنحها الوطن لمواطنيه، وعندما يتم تقديم هذه الحقوق بطريقة سليمه تُراعى فيها مشاعر الفرد وأولوياته واهتماماته وطموحاته وفق أطر وأساليب وثقافة راقية، عندها سيتعدى تأثيرها نظره الفرد ومواطنته التنظيمية وولائه وانتمائه المؤسسي، لينعكس على تقدير جهود الدولة والشعور بالوقوف معها والمحافظة عليها وترقية طريقة استخدامها فيحافظ على الأدوات المؤسسية والتجهيزات والأثاث المؤسسي ويحترم مبدأ استخدامه له ويرتقي في طريقة استهلاكه، عندها ستكون صلته بالوظيفة او المؤسسة رابطة روحية وعقد اتفاق وطني قائم على الرغبة في التضحية والبذل والتطوير والتجديد وتنمية الذات والإنجاز بدون انتظار الشكر أو البحث عن المكافأة ، لأنه يضع في نفسه أنه بذلك يؤسس لوطنه مسارات الصدق والقدوة والإخلاص فلا يربط العمل بأشخاص ولا يكون إنجازه لأفراد محددين ، وعلاقته ليست مبنية على الوقتية والمصلحة أو الخوف من القانون أو الامتعاض من تطبيق العقاب ، فيؤدي عمله بمسؤولية دون تواكل أو إهمال.
ومعنى ذلك أن عملية تقييمنا للمنجز المؤسسي في ظل الظروف المالية وتقنين الصرف ووقف ترقيات الموظفين ، يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة المؤسسات في ترسيخ نهج المواطنة القائم على التركيز على جودة الخدمة المقدمة مصحوبة بمعايير الذوق والاهتمام والتسويق لها، بحيث يبقى المواطن ( المستفيد من الخدمة) على يقين بأن الخدمة المقدمة تستحق ما يصرف عليها من مال وجهد ووقت، وأن جملة الإجراءات التي انتهجتها المؤسسات قد أعطت ثمارها الإيجابية بملامستها واقع حياة المواطن ، وعندها سيكون تعامل المواطن مع المؤسسة والمسؤولين بها، ومرئياته حول هذه الجهود والخطط والبرامج والمبادرات التطويرية التي اتخذتها، مبنية على شعور مشترك بالقيمة المضافة المتحققة على حياته، فيزداد إيمانه بها وقناعته فيها ويسعى الى نقلها لواقعه المهني أو في تواصله الاجتماعي وفق آليات تضمن لها القوة والكفاءة والتقدير، وبالتالي أن تسهم عمليات الرقابة والتصحيح والتحليل لأداء المؤسسات في الإعلاء من المعايير المرتبطة بتحقيق فلسفة المواطنة وبنائها في سلوك المواطن، ورصد تجلياته في واقع الممارسة المؤسسية والانطباعات والقناعات التي تسهم في توليدها خاصة تلك المرتبطة منها بالسلوك النفسي والوظيفي للمواطن، بحيث تتجه التشريعات الرقابية والضبطية لأنشطة مؤسسات الجهاز الإداري للدولة لقياس هذا البعد في حياة الموظف وما يستدعيه من تبني إطار وطني داعم للمواطنة الوظيفية التي تضع المؤسسات منطلق لقراءة الوطن في صورته الجميلة وغاياته السامية، ووضع المواطن الموظف ومتلقي الخدمة أمام مشاهد عمل واقعية وإنجازات تنقله من حالات السلبية والتذمر والإحباط التي أصبحت حاضره في حديثه اليومي مع زملاء المهنة أو غيرهم، إلى مرحلة يشعر فيها بأنه جزء من منظومة وطنية، عليه أن يدافع عنها ويتنازل فيها عن الكثير من حقوقه ورغباته الشخصية واستحقاقاته، لصالح الوطن، فيختار منها ما هو أقرب للصالح العام.
إنّ الرهان على قدرة المؤسسات في إدارة معادلة التوازن بين كفاءة الخدمة وضمان تحقيقها لفلسفة المواطنة والاستثمار فيها سوف يضمن وعيا مجتمعيا في التعامل مع الظروف والمتغيرات القادمة كمسألة أولويات التوظيف أو أولوية الترقيات باعتبارها معيارا لقراءة الوطن في مصالحه العامة.

إلى الأعلى