الجمعة 14 ديسمبر 2018 م - ٦ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: وماذا بعد منتدى تانا للأمن والسلم الأفريقي؟

في الحدث: وماذا بعد منتدى تانا للأمن والسلم الأفريقي؟

طارق أشقر

بعد اختتام فعاليات منتدى “تانا للأمن والسلم الأفريقي” بداية الأسبوع الجاري بمدينة بحر دار الأثيوبية بمشاركة عدد من المختصين من دول الاتحاد الأفريقي الذين ناقشوا العديد من القضايا ذات العلاقة بالأمن والسلام والتي امتدت لتشمل حتى قضايا تغير المناخ ودوره في التأثير على مستوى الأمن والسلام بالإضافة إلى قضايا التبادل التجاري والاقتصادي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الافريقي، ينبري تساؤل ملح بشأن ما ان كانت المرحلة القادمة ستشهد جهودًا ملموسة من أجل معالجات مقنعة للتحديات التي تعيق رفاهية شعوب القارة الأفريقية؟
ينبري هذا التساؤل في وقت تمثل فيه القارة السمراء نموذجا لخليط غير متجانس من التحديات والمشكلات التي ما زالت تشكل عبئًا لحكوماتها وشعوبها على مر العصور، في حين اختص المنتدى بشكل أساسي بقضايا ” الأمن والسلم” في هذه القارة الشاسعة التي تحتضن بين جنباتها اكثر من مليار ومائتين وخمسين مليون نسمة من البشر بمختلف فئاتهم العمرية والذين بينهم قطاعات واسعة من صغار السن ممن يرجى منهم إعادة هيكلة القارة والنهوض بها نحو الأمام.
ونسبة لاتساع قاعدة “مفهوم الأمن والسلم “وتشعب معانيه، فإن ما تواجهه افريقيا من تحديات متنوعه يقتضي من حكوماتها ومؤسساتها العلمية والأكاديمية والمنظمات الإقليمية ان ترصد المزيد من المنتديات في هذا الجانب، ولكن بشريطة ان لا تدخل توصياتها في اقاصي اركان الأدراج، بل ينبغي ان تأخذ طريقها إلى التطبيق مهما كثر عددها وتوسعت ميزانياتها.
في الواقع ان تحديات القارة الافريقية المتعلقة بمفهوم الأمن والسلم تحتاج الى حصر وتصنيف اكاديمي متخصص، في حين يصعب الفصل عمليا بين مفاهيم ” الصحة، والفقر، والتعليم، والسكن، والبيئة النظيفة، والاستقرار الوظيفي، والعدالة، والحرية والمساواة …. وكل ذلك يصب في بحيرة مفاهيمية أوسع، ألا وهي (مفهوم الأمن والسلم)”، هذا يعني بأنه لن يتحقق الأمن والسلم الحقيقي ما لم يتم مخاطبة المفاهيم السالفة الذكر ذات العلاقة بالأمن والسلم وايجاد المعالجات اللازمة لمشكلاتها.
ففي مجال الصحة فقط، فإن القارة السمراء دون غيرها من قارات العالم الأخرى ما زالت “الملاريا” تشكل فيها أحد أهم أسباب الوفيات واحدى ابرز عقبات عمليات التنمية الاقتصادية فيها، حيث تفقد افريقيا حسب المنظمات الأممية المعنية حوالى اثني عشر مليار دولار من ناتجها المحلي بسبب مرض الملاريا. وهذا بالإضافة إلى معاناتها التنموية المترتبة على تداعيات مواجهتها لأمراض أخرى كالسل والايدز والموت المبكر للأطفال وموت النساء اثناء الولادة وغيرها من الأمراض التي تعيق عمليات التنمية الاقتصادية. .. فكيف يتحقق الأمن لشعوب تعاني المرض الذي هو احد ابرز النقيض للإحساس بالأمن والسلم؟
وفيما يتعلق بالفقر، فإن العالم بأجمله به اربع وثلاثون دولة مصنفة بأنها اقل دول العالم نموا، وحسب منظمة التجارة العالمية فإن اربعا وعشرين دولة من تلك الدول هي من القارة الأفريقية، فضلا عن ان ديون القارة تساوي ما يعادل 65% من اجمالي الناتج المحلي لدولها … فكيف يستوي الأمن والإحساس بالسلم مع الفقر المدقع؟
اما المشاكل البيئية، فإلى جانب تعرض القارة السمراء إلى التقلبات المناخية التي تتفاوت نتائجها بين حالات الجفاف ونقص الأمطار تارة والفيضانات تارة أخرى بالقدر الذي يهدد الشعوب ويعيقها في ممارسة انشطتها الاقتصادية كالزراعة وغيرها، فإن موجات التصحر التي تتعرض لها القارة، تشكل هي الأخرى تحديا اساسيا للبيئة والاستقرار، حيث يتوقع المختصون بأن تفقد القارة ما نسبته 25% من أراضيها الصالحة للزراعة بسبب التصحر .. الا يعتبر هذا العامل مهددا آخر للأمن والسلم الأفريقي؟
اما التعليم، وحسب احدث تقرير للبنك الدولي، فإن القارة السمراء تواجه أزمة تعليم حادة اذ لا يزال نحو 50 مليون طفل خارج المدرسة، بينما لا يكتسب معظم الملتحقين بالمدارس المهارات الأساسية الضرورية للنجاح في حياتهم المستقبلية… وهذا ايضا تحد له دوره الأبرز في الإحساس بعدم الأمن والاستقرار في القارة الأفريقية.
وعليه ونسبة لتعاظم وتعدد التحديات التي تواجه القارة الافريقية، فإنها تبدو اكثر حاجة إلى عشرات المنتديات المتخصصة التي ينبغي ان تتناول قضايا تحديات القارة برؤى علمية هادفة بشكل اساسي إلى الوصول إلى حلول جذرية لمشاكلها.

إلى الأعلى