الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أهمية الأوقاف في المجتمع الإسلامي

أهمية الأوقاف في المجتمع الإسلامي

مما لا شك فيه أن الأوقاف تعتبر سمة من سمات المجتمع الإسلامي ومن أبرز نظمه في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والإسهام بشكل فعال في الحياة العلمية والعملية لأبناء المجتمع.
فلذلك اهتم بها العلماء والفقهاء ووضعوا لها الأحكام التي تضبط معاملاتها بهدف المحافظة على أموالها وتنميتها واستمرارية تقديم منافعها إلى المستفيدين من ناحية، ووضع الضوابط التي تحفظ هذه الأوقاف وتصونها من طمع الطامعين من ناحية أخرى، فلذلك نمت أحكام الوقف ورسخت قواعده، وصارت متكاملة الجوانب.
والحقيقة أن الوقف كمفهوم كان معروفاً عند الأمم السابقة قبل ظهور الإسلام، حتى عند اليهود وإن لم يسمّ بهذا الاسم.
والعرب قد عرفوا الوقف قبل ظهور الإسلام، وأول وقف عرفه العرب هو الكعبة المشرفة وهي البيت العتيق الذي بناه سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل – عليهما السلام – ليكون مثابة للناس وأمناً ، قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، ففي رواية أن قريش لما اجتمعت لبناء الكعبة قالوا ” يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس “. فجعلوا صفة الطيب شرطاً لقبول المال وحبسه لبناء الكعبة المشرفة.
فمن هنا كانت أهمية الأوقاف في تنمية المجتمع المسلم ومؤسساته المختلفة لا يمكن إنكارها، والدليل على ذلك الأوقاف التي بقيت لنا عبر كل العصور المتعاقبة، وما أسهمت به في مجال تقديم الخدمات وسدّ حاجيات المجتمع الأساسية من تعليم وصحة وكساء وشراب ومسكن وغيرها من أساسيات الحياة الكريمة، فالأموال الوقفية بمختلف أنواعها محبوسة أصلاً لتقديم خدمات هامة لجمهور الناس، سواءً كان ذلك في شكل مؤسسات مخصصة للعبادة كالمساجد والمصليات أو مخصصة للتعليم والثقافة كالمعاهد والمدارس والكتاتيب والمكتبات أو أماكن خدمات صحية كالمستشفيات والمراكز الصحية وطرق مواصلات وشق تُرع وقنوات وحفر آبار.
وواقع الأمر أن الأوقاف لم تقف عند هذا الحد بل مثلّت حركة حضارية فاعلة لضمان الاستقلال الحركي لمؤسسات مجتمعية مختلفة سواء كان ذلك في مجال العلم والتعليم أو الإفتاء أو الضمان الاجتماعي، إذ مثلّت تلك الأوقاف مصدراً وأداة للاستقلال التمويلي عن السلطة بما يضمن حركة استمرار واستقرار لتلك المؤسسات، بل قدمت قاعدة للمؤسسات المشتركة ” المجال المشترك العام ” ونشاطها وفاعليتها، ولم يستنكف أن يؤثر في استقرار مؤسسات النفع العام حتى لو كانت هذه المؤسسات ترتبط بالسلطة، إن ما يمكن أن نؤكد عليه أن جريان الصدقة واستمرارها في النفع واستقرارها من حيث الوجود والبقاء، ظلت على عافية الكيان بتعامله (الدولة – السلطة – الأمة – العلماء – الرعية). ولعل مما يبرز أهمية الوقف ودوره في المجتمع – كنظام اجتماعي تكافلي – أنه يقوم أساساً على مبدأ القيم والأخلاق السامية التي جاء بها الإسلام وحث عليها، فهو ينظر إلى أفراد المجتمع الذين ينضوون تحت ظله بنظرة التكافل والحرص على رفاهيتهم ومتطلبات حياتهم بقطع النظر عن الاعتبارات الشخصية والنزعة المصلحية، فهو يغرس التكافل والتعاطف مع الآخرين، حتى ولو لم تكن بينهم معرفة سابقة أو علاقة شخصية، ويجسد علاقة أفراد المجتمع ببعضهم في صورة علاقة أعضاء الجسد الواحد ببعضه. يقول الرحالة ابن بطوطة في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار) “مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت بها مملوكاً صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال بعضهم: اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال. فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبراً للقلوب، جزى الله من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا ” فالمؤسسات الوقفية قد أسهمت وبفاعلية في مختلف مناحي الحياة وساعدت أيضا في تنشيط حلقات البحث العلمي والتبادل الثقافي بين بقاع العالم الإسلامي نتيجة التيسيرات المعيشية التي وفرتها للعلماء وطلبة العلم الذين يتنقلون بين الأمصار وهم على ثقة تامة بأنهم سيجدون سبل الحياة الكريمة أينما ذهبوا.وسيجدون مصادر العلم ومنابعه الصافية، وبخاصة الكتاب الذي يُعتبر أساس العملية التعليمية،والذي لا يمكن الحصول عليه لأي أحد، فأهتم به العلماء وأهل الخير وجعلوه في دائرة الصدقة الجارية من باب ” وعلم ينتفع به “لذلك ” كثر وقف الكتب في مختلف العصور حتى أصبح في الفقه الإسلامي ما يسمى ” فقه تحبيس الكتب “، وقد أحصى ابن الجوزي عدد الكتب الموقوفة في مكتبة واحدة هي المدرسة النظامية في وقته فبلغ ستة الآف كتاب، وفي مكتبة الأزهر بلغ عدد الكتب الموقوفة ألف مصنف هي عبارة عن 19 ألف مجلد. وفي سلطنة عُمان توجد أوقاف خاصة للكتب، الهدف منها شراء الكتب ونسخها وصيانة الكتب القديمة وتجليدها, كذلك توجد أوقاف للمعلمين، يصرف من ريعها رواتب معلومة لمعلمي القرآن الكريم ومعلمي العلم الشريف، وأوقاف أخرى للمتعلمين، ومن ذلك وقفية الإمام سلطان بن سيف اليعربي – رحمه الله – في ولاية نزوى. كذلك لم يقتصر أثر الوقف على الجوانب المدنية من صحة وتعليم وضمان اجتماعي وغيرها، بل تعدى ذلك إلى النفقات العسكرية التي تثقل كاهل الدولة، فنجد أن الوقف قد تكفل بهذا النوع من النفقات من خلال وقف عقارات وأراض زراعية يُصرف ريعها للمجاهدين في سبيل الله، أو وقف الخيول وعتاد الحرب، كما ورد في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أما خالد، فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وعتاده في سبيل الله “. كذلك أيضا في الجانب الأمني كان للأوقاف دور عظيم في تعمير القلاع والأبراج الحصينة والأسوار على المدن والقرى لحمايتها من العدوان الخارجي والتسليح للدفاع عن حمى الأمة وأمن أبنائها.وفي الجانب الاقتصادي تكمن أهمية الأوقاف في اعتبارها أسلوباً من الأساليب الاقتصادية المهمة في العصر الحديث في توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية.ولا عجب في ذلك فقد تنامى دور الوقف وأموال الخيرات والتطوع في المجتمعات الحديثة كما تعاظم دور مؤسسات المجتمع المدني والطوعي فيها كأحد مقومات المجتمع الشوري الحديث,
والخلاصة نستطيع أن نقول أن الأوقاف في واقعها الحيوي قد خلقت إطاراً تكافلياً تضامنياً مشتركاً بين المجتمع والدولة، حيث لا يعمل هذا النظام لحساب مصلحة طرف دون طرف آخر ؛ فلم يعمل على تقوية المجتمع في سبيل إضعاف الدولة، أو بسط نفوذ الدولة على حساب الحقوق الاجتماعية، وإنما عمل على إيجاد التوازن بل تقويته بين المجتمع والدولة، مما كان له الأثر الكبير في استقرار وقوة الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة. كذلك أيضا أثرت المؤسسة الوقفية بإمكانياتها المختلفة مجالات رفاهية أبناء المجتمع الإسلامي وذلك بتغلغلها في كافة مناحي الحياة، فلا يكاد تخلو جزئية من جزئيات معيشة الإنسان المسلم إلا وكان للوقف دور مؤثر فيها. ولكن رغم كل ذلك يرى الباحث كغيره من الباحثين المعاصرين أن الأوقاف كمؤسسة خيرية في المجتمعات الإسلامية قد تراجعت نظرة الناس إلى أهميتها في عصرنا الحاضر، وذلك لتولي الدولة جوانب حياة الناس – الاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها – من ناحية، وقلة وعي الناس بأهمية الوقف ودوره في خدمة مؤسسات المجتمع المدني من ناحية أخرى،مما كان لذلك الأثر السلبي في انحسار هذه المؤسسة واضمحلال روافدها في القيام بدورها المنشود في بناء حاضر هذه الأمة ومستقبلها الحضاري. لذلك كله لابد من صحوة شاملة لأحياء دور الوقف، وإبراز أهميته في واقع حياة الناس، وهذا لا يتحقق إلا بالعمل المنظم الذي تتكاتف فيه الجهود المخلصة من كافة الدول الإسلامية، والتوعية الإعلامية بطرق مبتكرة من شأنها توضيح الصورة بأهمية الوقف في الحياة اليومية وبناء المؤسسات المدنية،” فالناس لديهم الاستعداد لأن يسهموا في الأعمال الخيرية كلما أصبحت لديهم المعلومة الكاملة والفهم الجيد لجدوى الإسهام. فهم بحاجة إلى توعية شاملة بالوقف وأحكامه ومجالاته وأهدافه؛ ليقبلوا عليه “. كذلك لابد من أخذ المؤسسات ذات العلاقة بالأوقاف بالأساليب العصرية في إدارة الأموال والمنشئات للرقي بأموال الأوقاف وازدهار منشئاتها، لذلك أقترح الدكتور محمود أبو جلال في بحثه (دور المؤسسات المالية الإسلامية في النهوض بمؤسسات الوقف في العصر الحديث) تصوراً جديداً للقطاع الوقفي في القرن الواحد والعشرين قائماً على تقسيم العمل على شكل مؤسسات أو إدارات يُناط بها عمل محدد، وهذا التوجه هو أسلوب الإدارة الحديثة لتقسيم العمل، والذي ينبغي الأخذ به بعد تأهيل الكوادر العاملة في مؤسسات إدارة الأوقاف في المجتمع الإسلامي.

د/سيف بن أحمد البوسعيدي

إلى الأعلى