الإثنين 28 مايو 2018 م - ١٢ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: احتضان الفكر نماء وبناء

رأي الوطن: احتضان الفكر نماء وبناء

حرصت السلطنة منذ بزوغ فجر نهضتها المباركة على بناء الإنسان وتقديم جميع أشكال الرعاية والعناية اللازمة، انطلاقًا من اليقين الثابت بأن التنمية لا تتحقق إلا بفكر الإنسان وبساعديْه، وبالتالي فإن الاستثمار في الرأسمال البشري ـ إن جاز الوصف ـ هو أجدى استثمار، بل يجب أن يسبق أي استثمار آخر، وهذا في الحقيقة ما نجحت فيه السلطنة، حيث تعمق هذا المفهوم استنادًا إلى الفكر الواعي والرؤية الحكيمة لمؤسس نهضة عُمان الحديثة؛ حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بأن الإنسان العماني هدف التنمية وغايتها، وما يستلفت الانتباه هنا أن الدعوة والهدف شاملان وليسا انتقائيين، فتنمية الإنسان وبناؤه شملا جميع الأجيال دون استثناء، إيمانًا بأهمية توفير الحقوق كافة واحترامها، ومراعاة الفروق الفردية، وإيمانًا بأن المواهب والقدرات والطاقات والإبداعات والإمكانات موزعة بحكمة البارئ سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن من يجيد في مجال لا يجيد في مجال آخر، ووفقًا لذلك، فهناك المعلم والطبيب والمهندس والضابط والجندي، والصانع والتاجر والكهربائي والميكانيكي والنجار والحداد والحائك والبنَّاء، وغير ذلك من المهن، فهؤلاء جميعًا يكملون بعضهم بعضًا، ويصبحون يدًا واحدة في عملية البناء المنشودة، وفي قيادة قاطرة التنمية المستدامة والشاملة.
والنجاح الآخر الذي اختطت السلطنة طريقه هو تبني مجالات البحث العلمي وتشجيع ذوي المواهب والقدرات، واحتضانهم ورعايتهم وبناء قدراتهم، وتقديم مختلف مجالات الدعم اللازمة لإيصالهم إلى مرحلة النجاح في الإبداع والابتكار، ودعم مقاعد البحوث والدراسات، وإنشاء مراكز البحوث العلمية، والتوعية بأهمية الابتكار والإبداع في تحقيق التنمية المستدامة، وإشراك القطاع الخاص في ذلك، وتشجيعه على الاستثمار ودعم مجالات البحث العلمي، ولم تستثنِ عملية التشجيع هذه مجالًا دون آخر، أو جيلًا دون آخر، أو مستوًى علميًّا دون غيره، وإنما شملت الجميع. ذلك أن الهدف من كل ذلك استكمال بناء الدولة العمانية العصرية التي أرادتها القيادة الحكيمة، من خلال الكفاءات والكفايات والعقول والسواعد العمانية، وإيجاد تقنيات جديدة وأساليب تساعد في دفع عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين مستويات معيشة المواطنين.
ويأتي توجه الحكومة نحو تبني مشاريع التخرج لأبنائنا الطلاب والاستفادة منها بتطويرها، وتحويلها إلى مؤسسات ناشئة، ترجمة عملية لعمليات التشجيع والدعم التي انتهجتها لاحتضان الأفكار والعقول والمواهب المبدعة والمبتكرة. ويعد برنامج تحويل مشاريع التخرج إلى شركات ناشئة في قطاع الاتصالات ونظم المعلومات واحدًا من البرامج الداعمة والمشجعة التي تبنتها السلطنة لرعاية المواهب والقدرات لدى أبنائنا الطلاب، ولأجل ضمان مشاركة جميع الطلاب أو السواد الأعظم في هذا القطاع، فقد فتح باب التسجيل في البرنامج في الرابع من مارس الماضي على أن يغلق يوم السبت الخامس من مايو المقبل. ويشمل البرنامج ـ الذي يدعو كافة الطلاب إلى إكمال استمارة التسجيل بعناية، وعدم إهمال أي جانب من الاستمارة حتى يمكن للمشاركات التأهل ـ ثلاث مراحل للتقييم، الأولى يتم التأكد فيها من اكتمال الطلب، والتأهل إلى مرحلة التقييم الثانية التي يقوم فيها أصحاب مشاريع التخرج بعرض مشاريعهم أمام لجنة تحكيم مكونة من ممثلي شركاء البرنامج من القطاعين الحكومي والخاص، على أن يتم تدريب المتأهلين من المرحلة الثانية على إعداد نموذج خطة العمل والتخطيط التسويقي والمالي في مركز ساس لريادة الأعمال التابع لهيئة تقنية المعلومات. أما المرحلة الثالثة فسيتم فيها عمل مقابلات لفريق العمل، ليتم اختيار الفرق الثلاثة الفائزة في البرنامج، وقد قدمت عشر حلقات عمل في بعض مؤسسات التعليم العالي في جميع محافظات السلطنة لتعريف الطلبة على البرنامج وعلى آلية اختيار العمل في مشاريع التخرج وتحويلها إلى استثمارات عملية، وعرض كيفية التخطيط التجاري عن طريق بناء خطة العمل من خلال مثال عملي. ولأجل حث الطلبة على التسجيل والإجابة عن استفساراتهم، ولتعريفهم بالبرنامج بصورة أكبر شهد يوم أمس معرض ومؤتمر الاتصالات وتقنية المعلومات “كومكس” كلمة تعريفية عن البرنامج، بالإضافة إلى حلقة عمل إضافية بجامعة السلطان قابوس ستقدم نهاية الشهر الجاري، بحضور الكليات والجامعات في مسقط.
وما من شك أن مشاريع التخرج التي ستتأهل وتجتاز مراحل التقييم والتدريب، ستكون إضافة إلى رصيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل القاعدة العريضة للاقتصاد، فهذه المشاريع تعد مشاريع ومبادرات فردية، كما أنه يمكن أن تتبناها مؤسسات حكومية وخاصة فتستفيد منها وتعمل على تطويرها، وتوفر فرص عمل لأصحابها، تغنيهم عن البحث عن عمل والانتظار وطول فترته، لذلك من الأهمية بمكان أن يبذل أبناؤنا الطلاب قصارى جهدهم وفكرهم في إبداع وابتكار مشاريع واعدة تؤمِّن لهم مستقبلًا مهنيًّا ومعيشيًّا، وتوفر فرص عمل لغيرهم.

إلى الأعلى