الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: دع القلق وتوكَّل على الله
خطبة الجمعة: دع القلق وتوكَّل على الله

خطبة الجمعة: دع القلق وتوكَّل على الله

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الطُّمَأْنِينَةَ وَالاسْـتِقْرَارَ النَّفْسِيَّ ثَمَرَةً مِنْ ثَمَرَاتِ ذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ، وَجَعَلَ الْوَسَاوِسَ وَالْقَلَقَ وَالاضْطِرابَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ وَحَادَ عَنْ دَرْبِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عَاشَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَتَابِعِيهِمْ دَائِمًا أَبَدًا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، لِتَعِيشُوا عِيشَةَ الرَّاحَةِ وَالهُدَى، وَاعْـلَمُوا ـ رَحِمَكُمُ اللهُ ـ أَنَّ الْخَالِقَ جَلَّ فِي عُلاهُ أَرَادَ أَنْ يَعِيشَ الإنْسَانُ عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ عِيشَةَ الآمِنِ الْمُطْمَئِنِّ، لِيَعْمُرَ هَذِهِ الْحَيَاةَ بِاسْتِقَامَةٍ وَسَعَادَةٍ وَنِظَامٍ، بَعِيدًا عَنْ جَمِيعِ أَشْكَالِ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ وَالاضْطِرَابِ، الَّتِي لا يُمْكِنُ أَنْ تَسِيرَ مَعَهَا الْحَيَاةُ سَيْرَهَا الطَّبِيعِيَّ، وَإِنَّمَا تَتَحَوَّلُ بِهَا إِلَى جَحِيمٍ لا يُطَاقُ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ، حَيَاةِ الأَمْنِ وَالاطْمِئْنانِ، وَحَيَاةِ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل ـ 12)، فَمُرَادُ اللهِ مِنْ أَهْـلِ الْقُرَى أَنْ يَعِيشُوا عِيشَةَ الشُّكْرِ وَالإِيمَانِ لِتَسْـتَقِيمَ لَهُمُ الحَيَاةُ، لا عِيشَةَ الكُفْرِ وَالنُّكْرَانِ الَّتِي تُورِثُ الْقَلَقَ وَالْخُسْرانَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَغَيَّرَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ، فَانْفَتَحَ الْعَالَمُ فِيهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَزَادَتْ فِيهِ الْمَسْؤُولِيَّاتُ الْمُلْقَاةُ عَلَى عَاتِقِ الْفَرْدِ، وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ مُتَطَلَّبَاتُ الْحَيَاةِ، فَازْدَادَ تَفْكِيرُ الإِنْسَانِ وَقَلَقُهُ، كَمَا تَعَاظَمَ خَوْفُهُ مِنَ الْمُسْـتَقْبَلِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ، مِمَّا جَعَلَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَحْتَ تَأْثِيرِ أَلْوَانٍ مِنَ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ وَالاضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ، وَتُفِيدُ بَعْضُ الدِّرَاسَاتِ أَنَّ مَرَضَ الْقَلَقِ هُوَ أَكْثَرُ الأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ الشَّائِعَةِ فِي بُلْدَانِ الْعَالَمِ، حَيْثُ إِنَّهُ يُصِيبُ شَخْصًا وَاحِدًا مِنْ كُلِّ تِسْعَةِ أَشْخَاصٍ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَخَاوِفَ تَنْتَابُ الإِنْسَانَ مِنْ أَشْيَاءَ مَجْهُولَةٍ، يَتَوَقَّعُ حُصُولَهَا فِي الْمُسْـتَقْبَلِ، تَجْعَلُهُ يَعِيشُ تَحْتَ تَأْثِيرِ أَفْكَارٍ مُقْلِقَةٍ وَوَسَاوِسَ قَهْرِيَّةٍ لا يَسْـتَطِيعُ عَنْهَا انْفِكَاكًا، وَالقُرآنُ الكَرِيمُ يُذْكُرُ أَنَّ الَّذِي أَبْعَدَ أَهْـلَ قُرَيْـشٍ عَنِ الإِيمَانِ هُوَ خَوْفُهُمُ المَوْهُومُ مِنْ مُسْـتَقْبَلِ مَكَانَتِهِمْ:)وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ( (القصص ـ 57)، إنَّ أَنْوَاعَ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ كَثِيرَةٌ، كَمَا أَنَّ مُسْـتَوَيَاتِهَا مُتَفَاوِتَةٌ، إِلاَّ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ لِسَيْرِ الْحَيَاةِ، فَالْقَدْرُ الْبَسِيطُ مِنَ الْقَلَقِ الَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ حَرِيصًا عَلَى إِنْجَازِ مَا يُوكَلُ إِلَيْهِ بِإِتْقَانٍ مَثَلاً، هُوَ قَلَقٌ طَبِيعِيٌّ مَحْمُودٌ، إِلاَّ أَنَّ الْقَلَقَ الْمَذْمُومَ هُوَ الْقَلَقُ الْمُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا سَلْبِيًّا عَلَى جَمِيعِ جَوَانِبِ حَيَاةِ الإِنْسَانِ، والَّذِي يَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَعِيشُ حَيَاةً مُضْطَرِبَةً، فَالْمَخَاوِفُ الْمُقْلِقَةُ وَالْوَسَاوِسُ الْمُتَزَايِدَةُ تُنَغِّصُ عَلَيْهِ أَيَّامَهُ وَلَيَالِيَهُ، بَلْ تُنَغِّصُ كَذَلِكَ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، إِذْ هُوَ دَائِمُ الشَّكْوَى وَالتَّذَمُّرِ، كَثِيرُ التَّوَتُّرِ وَالارْتِبَاكِ، ضَيِّقُ الصَّدْرِ مُنْقَبِضُ النَّفْسِ، يَبُثُّ فِيمَنْ حَوْلَهُ تِلْكَ الْوَسَاوِسَ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُشَارِكَهُمْ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْقَلَقِ، إِنَّنَا نَجِدُ بَعْضَ النَّاسِ مَثَلاً يُفَكِّرُ تَفْكِيرًا مُقْلِقًا فِي مُسْـتَوَاهُ الاقْتِصَادِيِّ وَوَظِيفَتِهِ، وَمَدَى تَأْثِيرِ الْهَزَّاتِ الاقْتِصَادِيَّةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالأُخْرَى عَلَى مُسْـتَوَى حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ أَبْنَائِهِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عِنْدَهُمْ وَسَاوِسُ الْخَوْفِ الْمُقْلِقَةُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنَ الأَمْرَاضِ أَوِ الإِصَابَاتِ أَوِ الْكَوَارِثِ الَّتِي يُشَاهِدُهَا تُصِيبُ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْـلِمُونَ:
لَقَدْ بَيَّنَ لَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْحِصْنَ الْوَاقِيَ لِلإِنْسَانِ مِنَ الاضْطِرابَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ، الَّذِي يَضْمَنُ لَنَا الْهُدُوءَ وَالاستِقْرَارَ وَالاطْمِئْنَانَ، فَمَا هُوَ يَا تُرَى؟ إِنَّهُ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد ـ 28) فَمَا دَامَ الْمُؤْمِنُ مُتَوَاصِلاً مَعَ اللهِ تَعَالَى بِذِكْرِهِ، كَانَ آمِنًا مِنَ الْوَسَاوِسِ، مَمْـلُوءًا قَلْبُهُ بِأَنْوَارِ الأَذْكَارِ، مُطْمَئِنًّا بِذِكْرِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، بَعِيدًا عَنِ الْقَلَقِ، أَمَّا إِذَا أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ، وَلا شَكَّ، سَيَكُونُ قَلْبُهُ مَرْتَعًا خِصْـبًا لِلْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ، وَتَتَنَكَّدُ عَلَيهِ بِذَلِكَ حَيَاتُهُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ..)، فَالْمُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ سَهْـلٌ عَلَى الشَّيْطَانِ الوُلُوجَ إِلَى قَلْبِهِ، فَيُسَيْطِرُ عَلَيْهِ بِالْوَسَاوِسِ الْمُهْـلِكَةِ وَالأَفْكَارِ السَّـيِّئَةِ، (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف ـ 36)، فَيَبْدَأُ الْمُوَسْوِسُ اللَّعِينُ بِتَسْبِيبِ الْقَلَقِ فِي رُوْعِ الإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ قَلَقُهُ مِنْ تَأَثُّرِ الاقْتِصَادِ، فَيَلِجُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَخَوِّفًا لَهُ مِنَ الْفَقْرِ ثُمَّ آمِرًا لَهُ بِالْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ إِمَّا بِدَعْوَى التَّخْفِيفِ عَنِ النَّفْسِ مِنَ الْقَلَقِ وَالْمَخَاوِفِ، وَذَلِكَ بِالانْغِمَاسِ فِي الْفَوَاحِشِ بِشَتَّى أَنْوَاعِهَا، وَإِمّا بِالْوُقُوعِ فِي الْمُخَالَفَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ سَرِقَةٍ أَوِ احْـتِيَالٍ أَوْ غِشٍّ؛ لِحِمَايَةِ مُسْـتَوَاهُ الاقْتِصَادِيِّ مِمَّا عَسَاهُ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْمُسْـتَقْبَلِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مَا نَفْهَمُهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ..) (البقرة ـ 268)، ذَلِكَ حَالُ الشَّيْطَانِ يَدْعُو دَائِمًا إِلَى التَّشَاؤُمِ، فَيَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْوُقُوعِ فِي الْفَوَاحِشِ وَالْمُخَالَفَاتِ، وَأَمَّا اللهُ الْخَالِقُ فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى التَّفَاؤُلِ فَيَقُولُ:(.. وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 268).
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ مِنْ مُسَبِّبَاتِ الْقَلَقِ لَدَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ خَوْفَهُمْ مِنْ تَأْثِيرِ الْحُسَّادِ وَالسَّحَرَةِ وَالْجَانِّ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَلَقٌ عَظِيمٌ وَخَوْفٌ جَسِيمٌ، يَقُضُّ مَضَاجِعَهُمْ، وَيُرْبِكُ حَيَاتَهُمْ، وَيُوقِعُهُمْ فِيمَا لا تُحْـمَدُ عُقْبَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، بِاللُّجُوءِ إِلَى الْمُشَعْوِذِينَ وَالدَّجَّالِينَ؛ لِحِمَايَتِهِمْ مِنْ أَثَرِ تِلْكَ الْوَسَاوِسِ وَالْمَخَاوِفِ، فَتَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ إِلَى أُولَئِكَ، مَتَوَهِّمينَ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ أَنَّ لأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ تَأْثِيرًا مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ، فَيَفِرُّونَ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ مَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَبَادِئِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، فَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ لا نَافِعَ وَلا ضَارَّ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، فَلا يَخَافُ أَحَدًا غَيْرَهُ ـ جَلَّ وَعَلا ـ وَلا يَخْشَى أَحَدًا سِوَاهُ، وَقَدْ نَهَانَا اللهُ عَنِ الرُّضُوخِ لِمُخَطَّطَاتِ الشَّيْطَانِ وَحَذَّرَنَا مِنَ السَّـيْرِ فِي طَرِيقِهِ، فَقَالَ ـ جَلَّ وَعَلا: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة ـ 175)، فَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُوقِنَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لا يَمْـلِكُ لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ ضَرًّا وَلا نَفْعًا كَمَا قَالَ ـ جَلَّ وَعَلا:(وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ) (البقرة ـ 102)، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْـتَنِيرَ فِي حَيَاتِهِ بِقَوْلِهِ (صلى الله عليه وسلم):(احفَظِ اللهَ يَحْـفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تِجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنْتَ فَاستَعِنْ بِاللهِ، وَاعلَمْ أَنَّ الأُمَّـةَ لَوِ اجتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْـكَ رُفِعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ).
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاجْـعَلُوا إِيمَانَكُمْ بِاللهِ تَعَالَى قَوِيًّا، احْذَرُوا مِنْ مُسَبِّبَاتِ الْقَلَقِ وَالتَّوَتُّرِ، وَاملَؤُوا حَيَاتَكُمْ بِالجِدِّ وَالنَّشَاطِ وَعَمَلِ البِرِّ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
الْحَمْدُ للهِ إِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَصِيرُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (صلى الله عليه وسلم) وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُسْـتَنِيرَ بِهِدَايَةِ اللهِ، الْمُحْكِمَ صِلَتَهُ بِخَالِقِهِ، الْمُحَصِّنَ نَفْسَهُ بِالأَذْكَارِ، لا تَجِدُ الْوَسَاوِسُ وَالْمُقْلِقَاتُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلاً، لإِيقَانِهِ أَنَّ مِنْ أَعْـظَمِ مَا يُطَمْـئِنُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ تَوَكُّلَهُ عَلَى خَالِقِهِ جَلَّ وَعَلا، الَّذِي قَالَ لَهُ:(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ..) (الفرقان ـ 58)، لِذَلِكَ يُفَوِّضُ أَمُورَهُ كُلَّهَا إِلَيْهِ، فَالأَمْرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ، مُقْتَدِيًا بِالْعَبْدِ الصَّالِحِ الَّذِي قَالَ:(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر ـ 44)، لِتَكُونَ النَّتِيجَةُ:(فَوَقَاهُ اللَّـهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ..) (غافر ـ 45)، إِنَّ الْمُؤْمِنَ رَاضٍ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، مُوقِنٌ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، مُسْـتَسْلِمًا لِمُرَادِ اللهِ تَعَالَى، فَذَلِكَ كُلُّهُ يَسْكُبُ فِي قَلْبِهِ الطُّمَأْنِينَةَ وَالسَّكِينَةَ، وَيَمْلأُ نَفْسَهُ رَاحَةً وَاسْـتِقْرَارًا، وَيُدْرِكُ أَنَّ مَصْدَرَ الْقَلَقِ إِنَّمَا هُوَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْوَسْوَسَةَ سَمَّاهَا اللهُ تَعَالَى كَيْدًا ضَعِيفًا، فَقَالَ:( ..فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء ـ 76)، إِنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ كُلَّمَا اسْـتَغْفَلَهُ الشَّيْطَانُ وَأَوْقَعَهُ فِي حَبَائِلِهِ؛ تَذَكَّرَ وَسَارَعَ إِلَى التَّوْبَةِ وَإِحْكَامِ الصِّلَةَ بِاللهِ:(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف ـ 201)، فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَسَارِعُوا إِلَى مَرْضَاتِهِ، وَاحْرِصُوا عَلَى طَاعَتِهِ، وَحَصِّنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْقَلَقِ وَالْوَسَاوِسِ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَاحْذَرُوا كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، تَعِيشُوا فِي سَلامٍ وَأَمَانٍ وَرَاحَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا:(إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الاحزاب ـ 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ:(إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل ـ 90).

إلى الأعلى