السبت 18 أغسطس 2018 م - ٧ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة: (فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (6 ـ 7)

قراءة في ندوة: (فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) نظام الحسبة والدعوى العمومية (6 ـ 7)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(نظام الحسبة والدعوى العمومية) للأستاذ الدكتور جابر عبدالهادى سالم الشافعى ـ أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية ووكيل كلية الحقوق جامعة الإسكندرية.
واوضح الباحث حول التعريف بدعوى الحسبة والفارق بينها وبين مراتب الحسبة الأخرى والدعوى الشخصية فقال: عرّف العلماء دعوى الحسبة بتعريفات متعددة منها ما يلى، عرفها البعض بأنها: استعداء من له ولاية القضاء بوجود مخالفة لحق من حقوق الله تعالى أو لحق غلب فيه حق الله تعالى، والشهادة عنده بوقوع هذه المخالفة سواء بطريق الرفع أم بطريق الدفع لإتخاذ ما يلزم بالنسبة لها، وعرفها البعض أيضاً: بأنها الدعوى التى يقيمها المحتسب لدى القاضى دفاعاً عن حق الله تعالى، وذلك عند العجز عن تغيير المنكر بمراتب الحسبة الأخرى أو عند انتهاء المنكر المراد تغييره، وعرفها البعض أيضا: بأنها الدعوى التى تحمى حقا من حقوق الله تعالى خالصا أو غالبا، وهى فى ذلك تتمييز عن الدعوى الشخصية التى تحمى حقاً من حقوق العباد خالصاً كان أو غالباً.
ومن خلال هذه التعريفات يمكن بيان أهم خصائص دعوى الحسبة وذلك على النحو التالى: دعوى الحسبة لا تقام إلا لحماية حقوق الله تعالى الخالصة أو الغالبة، أما حقوق العباد الخالصة أو الغالبة فتقام من أجلها الدعوى الشخصية، ودعوى الحسبة تقام عند العجز عن تغيير المنكر بالمراتب الأخرى للحسبة حال استمرار المنكر، بهدف الاستعانه بالقضاء لايقافه، فتكون بذلك مرتبة من مراتب الحسبة، ودعوى الحسبة تقام بعد انتهاء المنكر بهدف معاقبة مرتكبه، ودعوى الحسبة تفترق عن سائر مراتب الحسبة الأخرى فى أن مراتب الحسبة الأخرى يمكن أن تستعمل فى إزالة المنكر مطلقاً، سواء تعلق الأمر بحقوق الله أم بحقوق العباد، أما دعوى الحسبة فلا تقام إلا لحماية حقوق الله الخالصة كما فى الزنا أو الغالبة كما فى السرقة، أما حقوق العباد الخالصة كالديون أو الغالبة فلا تقام فيها دعوى الحسبة وإنما تقام فيها الدعاوى الشخصية بناء على طلب صاحب الحق فيها، ودعوى الحسبة تهدف إلى مصلحة عامة، وأطرافها المحتسب، والمحتسب عليه، ولا يمكن التنازل عنها، أما الدعوي الشخصية تهدف إلى تحقيق مصلحة شخصية للمدعى، وأطرافها المدعي والمدعي عليه، وهذه الدعوي يمكن التنازل عنها، ويماثل الفقه الإسلامى بين مدعى الحسبة وشاهد الحسبة، فيجب عليه أن يرفع دعوى الحسبة إلى القاضى، ويشهد عنده بما رأى، فمدعى الحسبة يكون شاهدا بما يدعيه، فهو قائم بالخصومة من جهة، وهو شاهد فى نفس الوقت، ولكن غَلب اطلاق شاهد الحسبة عليه، لتمييزه عن المدعى العادى، لأن المدعى العادى لا يجوز له أن يشهد لحق نفسه، وإنما يجوز له أن يشهد لحق الله تعالى، ويلاحظ أن مجرد إخبار القاضى بمخالفة حق من حقوق الله تعالى، يكفى لإقامة دعوى الحسبة ضدد المخالف، من غير حاجة لأن يدعى عليه المحتسب، لأن القاضى نصب كناظر لمصالح المسلمين ونائب عن عموم المسلمين.
حقوق الله الخالصة أو الغالبة قوام دعوى الحسبة:
من المعروف أن الحقوق فى الشريعة الإسلامية منها ما هو خالص لله تعالى، ومنها ما هو خالص للعبد، ومنها ما يكون مشتركاً بين حق الله تعالى وحق العبد وحق الله غالب، ومنها ما يكون مشتركاً بين حق الله تعالى وحق العبد وحق العبد غالب، وتعتبر حقوق الله الخالصة أو الغالبة هى قوام دعوى الحسبة، وأن هذه الحقوق فى نفس الوقت تمثل حقوق المجتمع، وأن أى إعتداء على هذه الحقوق يوجب تحريك دعوى الحسبة، فالاعتداء على هذه الحقوق تعد محظورات وجرائم، ومن المحظورات والجرائم التى تمثل اعتداء على حقوق الله الخاصة، جريمة الزنا، وجريمة شرب الخمر، وجريمة الردة، وجريمة الحرابة، وهذه الجرائم من جرائم الحدود وهى جرائم لها عقوبات مقدرة من قبل الشارع، ومن المحظورات التى تعد اعتداء على حقوق الله الخالصة أيضاً ترك الصلاة، وترك الصيام، وترك الزكاة، والرشوة وغير ذلك، وهذه المحظورات من الجرائم التعزيرية التى ليس لها حد معين من قبل الشرع وإنما عقوبتها يقدرها ولى الأمر، وهذه المحظورات والجرائم لا تسقط بعفو أحد لا قبل الإثبات ولا بعده، لأنه لا أحد من العباد حق فيها حتى يسقطه، كما لا يجوز لأحد أن يعفو عن عقوبات هذه الجرائم والمحظورات بعد إثباتها، ومن المحظورات والجرائم التى تمثل اعتداء على حقوق الله الغالبة جريمة السرقة، وجريمة القذف، وهى من جرائم الحدود، ومن المحظورات التى تعد اعتداء على حقوق الله الغالبة أيضا النظر إلى العورات المحرمة، والاختلاء بالنساء الأجنبيات وغير ذلك، وهذه المحظورات من الجرائم التعزيرية، وهذه المحظورات والجرائم يرى أكثر الفقهاء أنها تقبل السقوط من صاحب الحق الشخصى فيها قبل الترافع والإثبات والحكم، وذلك بالنسبة إلى حقه فقط، أما حق الله فيبقى بعد الترافع، أما قبل الترافع فإنه يسقط، لا للعفو، ولكن لأن الخصومة شرط لإقامته، ولا خصومة مع العفو، وكذلك إذا سقط حق العبد بعد الترافع بالعفو ، انقلبت العقوبة من الحد إلى التعزير المتروك تقديره للقاضى ينظر فيه بمنظار المصلحة العامة، أما بعد الرفع إلى القاضي وإثبات الحق بطرق الإثبات التي يقبلها ذلك الحق، والحكم به وقبل تنفيذ العقوبة، فقد اختلف الفقهاء إلى مذهبين، فذهب البعض إلى أن حد السرقة وحد القذف، لا يسقطان بعد الحكم ، لغلبة حق الله تعالى فيهما، وذهب البعض إلى أن حد السرقة لا يسقط بالعفو بعد الحكم ، لغلبة حق الله تعالى فيه على حق العبد، أما حد القذف فيسقط بعد الحكم به بالعفو ، لغلبة حق العبد فيه عند هذا البعض، فيكون حاله حال القصاص، وهو يسقط بالعفو مطلقا باتفاق الفقهاء، أما الدعاوى في الجرائم التي يكون حق العبد فيها هو الغالب ، فتقبل السقوط بالعفو من صاحب الحق مطلقا باتفاق الفقهاء كالقصاص وغيره ، والعفو فيها مقصور على حق العبد أيضا عند أكثر الفقهاء، أما حق الله فلا يسقط بالعفو ، ويكون للقاضي التعزير به، وذهب بعض الفقهاء إلى أن حق الله فيها مغلوب فيسقط تبعا لسقوط حق العبد.
.. وللحديث بقية الاسبوع القادم.

إلى الأعلى