الإثنين 28 مايو 2018 م - ١٢ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (4)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: ومـن ذلك أداء الـمـفـروضـات في أقـاتهـا: مـثـل أداء الـصلـوات المـفـروضـة في أول أوقـاتها سـائـر الـفـرائـض الأخـرى، كـزكاة الـمال وزكاة الـفـطـر والأضحـية، سـواء ذهـبـنا إلى الـقـول بـوجـوبهـا أو إلى الـقـول بـنـدبـهـا.
ومـن الـواضح أن فـريضة الـصـوم لـشهـر رمضـان مسـتثـناة مـن عـمـوم هـذا الـذي يـقـرره بـعـض العـلـماء، فإن الـصوم مـعـيار كـما قال الـفـقـهـاء لـزمانه ومـيـقـاته لا يـتـاتي فـيه تـقـديـم ولا تأخـير، ويـأتي بـنـظـامه الـفـريـد ولا يـقـبـل نـظـاما غـير نـظـامـه الــذي جـاء بـه، وإنـما الـذي اقـتضى ذلك الـسـر الـذي أودعـه الله في شـهـر رمـضان دون سـايـر الـشـهـور، فـكان لابـد للـصوم أن يتـحـقـق داخـل هـذا الـوعـاء الـزمـني لا يـسـتبـدل به غــيره.
وأما الـنـوافـل الـتي درج عـليـها الـنـاس في شـهـر رمضـان دون سـائـر الـشـهـور، فـإن الإسـلام نـظامـه عـام يشـمـل كل نـواحي الحـياة الـبشـرية، ولـيـس نـظـام مـنـاسـبات، فـرب شـهـر هـو رب جـمـيع الـشـهـر، وقـد عـلـمت أيـها الـقـارئ الـكـريـم بأن منـها ما هـو مـقـيـد بأوقات محـددة، كالـفـرائـض التي تحـدثـنا عـنها، ومنـها ما هـو مـطـلـق غـير مـقـيـد بـزمـن.
أما ما هـو مـقـيـد منها، فأكـثرها مـقـيـد بأسـباب تـتـمثـل في أحـداث، لابمجـرد ظـروف وأزمـان كـسـنة الـوضـوء وسـنة تحـية الـمسـجـد، وكـصلاة الكـسـوف وصـلاة الخـسـوف، وصـلاة الـعـيـدين، وصـلاة الاسـتـخـارة، فإنهـا سـنـة شـرعـت لأسـبابها الـزائـدة عـلى مـجـرد الـزمـن، والتي جـعـلها الله سـبـباً لها، ومـن ثـم فإن سـنـيـتها تغـيب بمـغـيب أسـبابها، كـما هـو مـقـرر في مـكانه مـن الـمـصـادر الـفـقـهـيـة.
غـير أن منها ما هـو مـرتـبط بمـجـرد الـزمان، أي جـعـل الله مـن دخـول الـمـواقـيت التي أرادهـا الله سـبـبـا لـسنـيتها، دون أن يـكـون ثـمـة سـبب آخـر لهـا، كـصـلاة الـضحى، وكـصـلاة الـتـهجــد، فـالشـأن في هـذا الـنـوع الـثـاني مـن الـنـوافـل كـشأن الـفـرائض التي مـر ذكـرهـا تـمـامـاً، مـن حـيـث الـتـوقـيـت، ومـن حـيـث الـتـوسـيع لـمنـح الـعـبـد فـرصة الاخـتيار.
فـوقـت صـلاة الـضحى مـثـلاً يـبــدأ مـع ارتـفـاع الـشمس مـن مـشـرقـها قـدر رمـح بـرأي الـعـيـن، ثـم إنه يـمـتـد إلى قـبـيـل دخـول وقـت الحـرمة (وقـت الـزوال) الـذي يـعـقـبه ظـل الـزوال، ووقـت صـلاة الـتهـجـد يـبـدأ مـن بـعــد الـيـقـظـة مـن الـنـوم في أي وقـت مـن اللـيـل، ويـمـتـد وقـتها إلى دخـول وقـت صـلاة الـفـجـر.
أما الـنـفـل الـمـطـلـق، وهـو ما نــدب الله عـبـاده إلـيه دون تـوقـيت له بـزمن فـهـو مـعـيـار مـدى محـبة الـعـبـد لـربه ومـدى تعـظـيـمه له، وآثـر محـبـة الله عـلى هـوى نـفـسـها ومـحـبتها.
لـم يـفـرضه الله عـلـيه، إذ لـو فـرضـه الله عـلـيه وألـزمـه به، فـلـربـما يـكـون الحـامـل له عـلـيه خـوف الـعـقـاب، ولـم يـقـيـده بـزمـن خـاص بـعـيـنه، إذ لــو قـيـده بـزمـن خـاص له، فـلـربـما تحـول الـعـوائـق الـعـارضة دون إمـكان أدائـه في مـيـقاته، فـتـفـوتـه بـذلك فـرصة الـتـعـبـير عـن مـدى حـبه لله سـبحـانه وتعالى وسـعـيه لـبـلـوغ رضـاه، فالله يـريـد مـنها قـلـوبا فـيها الـمحـبة والـطاعـة في أداء الـواجـبات، ولا يـريـد مـنا قـوالـب فـارغـة مـن الإيـمان والـمحـبة لله.
فـكأن الله تعالى جـعـل مـن الـنـوافـل المـطـلـقة عـن قـيـود الـزمان، سـاحة يـرتـع فـيها أحـبـاء الله عـز وجـل، دون تـضـيـيـق ولا تحـديـد، لـيجـعـلـوا مـن ذلك مـتـنـفـسـاً لـمـشاعـرهـم ودلـيـلاً ناطـقـاً عـلى أن الـزمـن في حـياته أم لـيـس إلا فـرضـة للـتسـبب به إلى الـقـرب مـنه وبـلـوغ مـرضـاته سـبحانه وتعالى.
ولــذا ورد في الحـديث الـقـدسـي الـمـعـروف، قـولـه تعـالى:(.. ولا يـزال عـبـدي يـتـقـرب إلي بالـنـوافـل حـتى أحـبـه ..).
لـم يـقـل: يـتقـرب إلي بالـفـرائض، لأن أداء الـفـرائض قـد يـكـون لـضـرورة تجـنـب الـعـقـاب، أما الإكـثـار مـن الـنـوافـل فـلـن يـكـون إلا لـسائـق الحـب لله تعالى أو لـحـادي الـشـوق إلـيه ورغـبة في الـمـثـول أمـامه، وتحـقـيـقاً للـذة مـنـاجاته سـبحانه وتعـالى والأنـس بـه، قال تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الـرعـد ـ 28).
والـناس مـن حـيث عـوامـل نـهـوضـهـم إلى عـبـادة الله، والالـتـزام بأوامــره سـبحـانه وتعالى ثـلاثـة أقـسـام، فالـقـسـم الأول: منهـم أولـئـك الـذين أنـهـضـهـم إلى طـاعـته وعـبـادته محـض عـبـوديـتهـم وحـبـتـهم لله، ويـقـينـهـم بما قـد تـرتـب عـلـيهـم مـن حـق خـدمـته وواجـب شـكـره، فـهـؤلاء هـم صـفـوة عـبـاد الله عـز وجـل، وهـم قـلـة ويتنـاقـصـون مـع مـرورالــزمـن، لـما حـدث مـن تـطـورات بسـبب الاكـتشافات الـعـلـمية، والـقـسم الـثاني: منـهـم أولـئـك الـذي أنـهـضـهـم إلـيها يـقـينـهـم بحسـنها، واقـتـناعـهـم بـعـظـيـم جـدواهـا وجـميـل آثـارها لـكل مـن الـفـرد و المجـتـمـع، مـع إيـمانهـم بأنـها إنـما تـنزلـت عـلـيهـم شـرائـع مـن عـنـد الله وحــده، والـقـسم الـثالـث: مـنهـم أولـئـك الـذي أنهـضـهـم إلـيها الـطـمع في الـثـواب والخـوف مـن الـعـقـاب، وأكـثر الـنـاس الـمـؤمـنـين بالله مـن هـذا الـقـبيـل وهـم:(إن شـاء الله) مـن الـنـاجـين والـمـقـبـولـين.
ولا شـأن لـنـا في هـذا الـمـقـام بالـقـسـم الـرابـع مـنـهـم، وهـم الـذين أخـلـدوا إلى الأرض محـبة في الـشـهـوات، واتـبـعـوا أهـواءهـم وآثـروا دنـيـاهـم الـفـانية عـلى أخـراهـم الـباقـية، ونسـوا أو تـنـاسـوا عـقـبـاهـم ومـثـواهـم.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى