الأحد 27 مايو 2018 م - ١١ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المنسي والشاخص عراقيا!

المنسي والشاخص عراقيا!

عادل سعد


”لقد شاركت في العشرين من شهر أبريل/ نيسان الحالي بندوة عقدت في بغداد عرض فيها باحث فرنسي ما أنجزه من مشروع في هذا الشأن، مؤكدا أن الغنى الحضاري العراقي يستحق كل الرعاية والاهتمام، وهو ذات التوصيف الذي قاله لي سفير إيطاليا في بغداد قبل عدة أيام خلال افتتاح مشروع من هذا النوع تولى المركز العراقي الإيطالي للآثار رعايته.”

أن يتصدر باحث فرنسي ميدانيا مسؤولية حماية إرث حضاري عراقي مصطحبا معه حاسوبه الشخصي، وكاميرا بسيطة ودفتر ملاحظات، وهاتفه النقال ليدون بالصوت والصورة الفجيعة التي حلت بكنائس ومعابد مكونات عراقية، رصيدها الأساسي هو الأصالة والعمق التاريخي الوطني, بل إنها أيقونة بكل ما يحمل هذا التوصيف من دلالة, وأن يذهب هذا الباحث وغيره من الباحثين في الوصول إلى تخوم جغرافية عراقية ما زال الوضع الأمني فيها هشا.
أقول أن تكون تلك المهمة بالمزيد من الشغف, والإصرار على المثابرة في المتابعة, فإن المعيب حقا أن لا ينحني عراقيون تقديرا له في إنجاز من هذا النوع كان ينبغي أن تضطلع به نخب عراقية مع حقيقة أن المخاطر التي يتعرض لها باحثون أجانب هي أكثر من المخاطر المحتملة لو أن باحثا عراقيا تولى المهمة.
لقد شاركت في العشرين من شهر أبريل/ نيسان الحالي بندوة عقدت في بغداد عرض فيها باحث فرنسي ما أنجزه من مشروع في هذا الشأن، مؤكدا أن الغنى الحضاري العراقي يستحق كل الرعاية والاهتمام، وهو ذات التوصيف الذي قاله لي سفير إيطاليا في بغداد قبل عدة أيام خلال افتتاح مشروع من هذا النوع تولى المركز العراقي الإيطالي للآثار رعايته.
بالحق, إن مهمة بهذا التوصيف, ينبغي أن يتولى مسؤوليتها خبراء عراقيون على دراية كبيرة من مسؤوليتهم التراثية، لكن الآمال بشأن هذا التوجه تضيع دائما بين الخوف من المبادرة, وبين أصابع روتين حكومي يفتت أي مشروع ويخفيه تحت ضياعات الزمن رغم أن هناك العديد من الخبراء العراقيين من تلاميذ الباحث العراقي الأكاديمي بهنام أبو الصوف, أو الباحث الأكاديمي العراقي دوني جورج الذي أغدق الكثير من الدموع عندما كان يشاهد جنودا أميركيين وهم يكسرون أبواب المتحف الوطني العراقي, وقد قتله الهم أيضا, مثلما زينت دماء الشهيد خالد الأسعد مدير متحف تدمر للآثار, وهو أحد عشرة آثاريين في العالم لا يضاهيهم أحد في معارفهم التاريخية الميدانية وآليات التنقيب, وقد نقل لي أحد أقاربه خلال لقائي به في دمشق أن الشهيد كان يبتسم وهو (يتابع) عملية شنقه على أيدي إرهابيين لأن آثار تدمر كانت تحت مرأى أنظاره!
الشيء بالشيء يذكر أن حضارة السوريين والعراقيين كانت بحق العنوان الأكثر نضجا بين الحضارات الأخرى، والمذهل هنا أن العراقيين القدماء كانوا على دراية هندسية عالية الجودة في مشاريع الري، بل إن الملك الآشوري سنحاريب أمر بمشورة مجلس مهندسين من حاشيته بمد شبكة قنوات مياه مغطاة, أي تحت الأرض من أجل تلبية احتياجات شعبه آنذاك إذا تعرضت أرضهم للغزو وسيطر الأعداء على نهر دجلة، فأي تحسب أنضج من هذا التحسب؟ وأين نحن في العراق مما تتعرض له بلادنا من ضياعات خطيرة في الهمة والإحساس الصادق والمسؤولية الأخلاقية لحماية موجودات بلادنا، بينما هرع مرشحون للانتخابات البرلمانية خلال ساعات لإعادة صورهم إلى الواجهة بعد أن أطاحت بها رياح ممطرة عاتية اجتاحت العاصمة بغداد يوم 22 -4-2018؟
أليست مفارقة أن توجهات سياسسية عاتية تطيح بمعالم تنموية وأخلاقية وقيمية, لكن هناك من يلوذ بالصمت عن تلك الأحداث, ثم أليست مفارقة أن لا يجيد عراقيون حماية رموزهم التاريخية؟ وما الذي حصل ليفرط هؤلاء العراقيون بموجوداتهم الحضارية على غرار ما فعلته سيدة استولى زوجها على عدد من المخطوطات النادرة خلال الفوضى التي ضربت المدينة بعد الاحتلال الأميركي لها، وجعلت تلك المخطوطات مساند تحت قوائم أثاث العائلة المنزلي, ثم أليست مفارقة أن يمعن فنانون في البكاء على دسائس وأطلال علاقات بشرية فاسدة ويقيمون مناحات من أجلها بالضد من الذوق والشرف العام, في حين لا عزاء لحضارة تقع الآن ضمن منسيات الإرث.

إلى الأعلى