Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

المسرح في أدب صدقي إسماعيل 2 ـ 2

علي عقلة عرسان

لكن الغريب في هذا القسم من المسرحية.. أن يتم تبادل الأدوار ببساطة، بين نزار وأيمن من جهة، وسعاد وليلى من جهة أخرى، وذلك حين يقرر أيمن ألا يعود إلى المحاربين بالأحذية ـ وهي المهمة التي كُلِّف بها ـ لقناعته بوجود خيانة، وبأنه لا بُد من أن يعود إلى الشارع من جديد. ويقرر نزار في الوقت ذاته، أن يأخذ مكان أيمن، ليقنع المحاربين بضرورة الاحتفاظ بسلاحهم، والعودة لاحتلال العاصمة، وإجراء التغيير بقوة السلاح، تاركا حياته الهادئة المنظمة.

مسرحية الأحـــذية:
المسرحية الثانية، من مسرحيات صدقي إسماعيل، هي الأحذية. وتقع في فصل واحد قصير، يتألف من مشهدين، وتدور حوادثها في أثناء حرب فلسطين عام 1947، وفي بيت دمشقي أنيق، حيث يسكن المحامي نزار وزوجته سعاد، وعندهما ليلى أخت سعاد، وقد وصل في ذلك اليوم أيمن، وهو أحد المتطوعين في جيش الإنقاذ.. جاء في مهمة عاجلة وسرية إلى دمشق كما يقول.
ونفهم من حديث بين الأختين، أن ليلى تحب أيمن، ولكنها مانعت في إتمام الزواج منه، لأنها تفهمت بعمق نفسيته وطموحه وهمومه وشواغله.. فهو لا يستطيع أن يلتفت إلى شؤونه الخاصة، ويعيش مع الإنسانة التي يحبها، بطمأنينة وارتياح، في الوقت الذي يتعرَّض فيه أبناء الأمة، وجزء من كيانها، للعدوان.. كما لا يخطر بباله أبدا “أنه يبني بيتا على أرض تهددها الزلازل “.. إن الواجب يملي عليه، أن يكون حيث يجب أن يكون. ولذا يلتحق بجيش الإنقاذ ليحارب في فلسطين. وتنتظر ليلى من دون زواج، وتعلن رفضها لكل من يتقدم لخطبتها. وحين يجتمع أيمن بنزار، وهما صديقان حميمان قديمان، ورفيقا نضال وعقيده.. يروي أيمن بعض وقائع الحرب، ويغمز من طرف خفي، إلى وجود الخيانة وانتشار رائحتها، ولكن “في الحرب لا يجوز أن تُثار “الشُّبهات”، أمّا بعدها وحين يكون هناك عدو جبان، يختبئ مثلما تختبئ الجراثيم في مجاهل الجسد، فلا بد من إعادة النظر .
وهنا، يحث نزاز صديقه أيمن على ضرورة الاحتفاظ بالسلاح، ضمانا للانتصار في المعركة الحقيقية المقبلة، لأن “من يملك السلاح يملك الحق”.. ولأن الاحتفاظ بالسلاح واجب على المناضلين، لأن الحرب “حرب أمة تدافع عن نفسها وليست مغامرة”.
ولكن أيمن يرى أن الأهم من ذلك والأجدى، هو “استنفار الشارع”.. والوسيلة لبلوغ هذا الهدف “القنبلة “لأنها “ضمير الشارع”، ولأنها “إعلان صارخ بأن الأرض تتزلزل” من تحت أقدام أولئك الذين يعطون الأوامر، والذين “لن يخرجوا من مخابئهم إلا على هذه الأصوات الداوية”. ويؤكد أيمن من جديد، وبأسلوب لا ينقصه مرح المتفائل الواثق من قضيته، يؤكد أنه “إذا لم تستفز غرائز الكفاح عند الجميع، الغرائز بكل قوتها، فلن يكون لنا شيء من المستقبل .. لن تذهب فلسطين فحسب، بل سوف تلحق بها أقطار أخرى”، وهنا يتدخل نزار ليقول لأيمن بوضوح، ما دام الهدف من العودة إلى الشارع هو إسقاط الحكم والوصول إلى مكان الحاكمين، فيمكن للمسلحين أن يحتلوا العاصمة ببساطة، وعندئذ “يمكن تجنيد الشعب كله .. والشعب وحده هو الذي يستطيع أن يجعل معركة فلسطين حربا حقيقته”. ولكن أيمن يتهرب من هذه المجابهة، ويلوذ تارة بالشرعية، وتارة بالانضباط، وأخيرا يخلص نفسه بتذكر مهمته العاجلة التي أوفد من أجلها.
ولكن الغريب في هذا القسم من المسرحية.. أن يتم تبادل الأدوار ببساطة، بين نزار وأيمن من جهة، وسعاد وليلى من جهة أخرى، وذلك حين يقرر أيمن ألا يعود إلى المحاربين بالأحذية ـ وهي المهمة التي كُلِّف بها ـ لقناعته بوجود خيانة، وبأنه لا بُد من أن يعود إلى الشارع من جديد. ويقرر نزار في الوقت ذاته، أن يأخذ مكان أيمن، ليقنع المحاربين بضرورة الاحتفاظ بسلاحهم، والعودة لاحتلال العاصمة، وإجراء التغيير بقوة السلاح، تاركا حياته الهادئة المنظمة. وهنا تتبادل أيضا سعاد، المولعة بالأحذية الأنيقة، التي كانت تعيش بدعة، تتبادل مع أخيها المهام أيضا، فسعاد ستنتظر عودة نزار كما تنتظر ليلى عودة أيمن، وليلى ستعيش مع أيمن حياة هادئة بعض الشيء، بعد انتظار طويل.
شخوص هذه المسرحية أربع فقط، وتكاد تكون متكافئة فيما أخذته من عناية المؤلف بها. ويظهر في هذه الشخوص بوضوح، سيطرة المؤلف على إرادتها، سيطرة تجعلها لا تعبر عن ذواتها وإراداتها كما ينبغي.. فالقرار الذي تتخذه الشخوص في تبادل المهام، في نهاية المسرحية، لم يكن مقنعا لأحد منها.. ولم يتوصل القارئ إلى قناعة بوجوب حدوثه، ومع ذلك أُملي عليها، وقبلته من دون أن يتم التمهيد المقنع بذلك.
هناك تمايز ملحوظ بين الشخصيات، فاهتماماتها مختلفة، وسلوكها متباين.. فسعاد أنيقة، تهتم بملابسها ومظهرها، وتلاحق زوجها بغيرة واضحة، كل ذلك تمارسه إلى درجة التطرف.. وليلى تهتم بما يهتم به أيمن من قضايا سياسية ونضال وطني، إلى درجة التطرف. أمّا نزار فمحامٍ مستقيم، دقيق في مواعيده، إلى درجة التطرف أيضا.. ولكن هذا التمايز الذي يظهره المؤلف بين شخوصه في بداية المسرحية، لا يلبث أن يقلبه رأسا على عقب، حين يجعلها تتبادل المواقع والمهام والاهتمامات.
لغة الحوار في هذه المسرحية بسيطة، وقد لجأ المؤلف إلى بعض مقاطع من الحوار الذاتي”مونولوج”، بدت طويلة بشكل ملحوظ، وأخص من ذلك، كلام ليلى عن نظرة الأهل لزواج البنات في المشهد الأول. ويمكننا أن نلاحظ أن بعض الأفكار التي ولدت في هذه المسرحية، نمت وأصبحت موضوعا لمسرحية “عمار يبحث عن أبيه”، لا سيما فكرة احتفاظ المحاربين بسلاحهم، من أجل أحداث الثورة، عندما يعودون للحصول على حقهم والتخلص من الظلم والخيانة.
وقد وردت بعض الجمل في مسرحية “عمار يبحث عن أبيه” كما وردت في “الأحذية”، مع وجود تبديل طفيف في الصياغة أحيانا. ويمكننا تلمس مظاهر الإرهاص بولادة مسرحية “عمار يبحث عن أبيه”، كذلك بعض أفكارها، ببساطة في مسرحية “الأحذية” هذه.
أيام سلمون:
عندما تولى سنان باشا “1506م – 1596م”، ولاية دمشق في نهاية القرن التاسع عشر “995هـ /1586م”، كان قد تجاوز الستين من العمر، وكانت الأمور قد تجاوزت كل درجات السوء التي يمكن تصورها، فـ:”لا الشعب المسكين جدير بالحرية، لأنه لا يعرف ماذا يريد. ولا الدولة جديرة بالاحترام، لأنها شبكة من المرتزقة على رأسها السلطان ذاته، تلقي بحبالها في كل مكان من أجل الاقتناص، في بحر مجهول من الدسائس والمؤامرات. ولا الوالي نفسه يكون جديرا بمهابة الحكم، إذ لم يحكم قبضته على كل ما يحدث، من أجل الشعب يضع حدا للخوف والجوع، ومن أجل الذين لا تواتيهم الصراحة ويعمدون إلى التآمر والمكر، لا بد من خدعة أخيرة تبتلع جميع المكائد”. وكان على سنان باشا، الذي ما رغب بالحكم إلا ليقوم بإصلاح الحياة العامة، بعد أن شعر بفراغ كبير، في فترة من حياته مرت هادئة ساكنة.. كان عليه أن يقول كلمته بشجاعة وسرعة وحسم، وأن يحكم قبضته على الأمور كي لا تكون “سنوات ولايته كلها صراعا مرًّا، من أجل أن يبقى واليا لا أكثر”.. و”لكي لا يُسحب في شوارع المدينة، مضرجا بدمه، بعد أيام من توليه شؤون الحكم، بيد رجال الآغا، قائد الانكشارية، وأعوانه، الذين كانوا يحكمون وينفذون، مدعين أن ما يلهمهم إياه الله في الوقت المناسب، هو الذي يريده السلطان.” لكل هذه الاعتبارات مجتمعة، كان على سنان باشا أن يتحرك بسرعة وحزم ويقظة. وها هو ذا يبدأ العمل، منذ لحظة وصوله إلى دمشق واليا عليها.
إنه واثق من أن القوة التي ستشل قدرته على الحركة، وتجعله أسيرا لها، ولعبة في يدها، هي الجيش الانكشاري.. ولا يمكن أن تقاوم القوة إلا بالقوة.. فكل الأطراف “تتساوى حين يصبح السلاح في جميع الأيدي.. لأن الشجاعة مثل الخوف تعلم الاتزان والتعقل”. وهكذا يعتمد سنان باشا على فلاحي الغوطة بزعامة “الحسن”، ليكونوا القوة التي يستند إليها، التي توازن كفته بكفة الآغا، وتطغى عليها، إذا اقتضى الأمر.
ويعقد أول اجتماع له مع الآغا وقاضي القضاة، بحضور الحسن الذي يقدمه كممثل للشعب. ويعلن منذ لحظة الصدام الأولى مع “الآغا” الذي أراد أن يفرض سيطرته.. يعلن أنه لن يقبل شروطا من أحد، ولن يسمح بحدوث أي أمر مهما كان،من دون علمه وموافقته.
ويتحول الابتهاج بولاية سنان باشا في يومه الأول، إلى عصيان واضطراب عام، نظمه الآغا وأعوانه. ويتحرك سنان باشا بسرعة، وهو الخبير بأمور الشام، ليقضي على الفتنة في مهدها. فيعلن العفو العام عن المحكومين، ويكسب إلى جانبه سَلَمون، وهي امرأة عُرِفت بسوء سمعتها وجمالها وسيطرتها على الرجال، ولها نفوذ واسع في المدينة، وترعى شؤون بنات الخطأ، وتشرف على عملهن، ويعتمد عليها الآغا في كثير من الأمور، نظير حمايته لهاـ. يكسبها سنان باشا إلى جانبه، ويأخذ منها تعهدا، بألَّا تقوم بأي تحرك، هي أو البنات اللائي تشرف عليهن، إلا بأمر منه. ثم يوعز إلى الحسن بأن يتحرك، فيأخذ الحسن السلاح من مخازن الجيش الانكشاري، ويوزعه على فلاحي الغوطتين. ويقوم بعد ذلك بعقد اجتماع مع رئيس التجار، والمسؤول عن جباية الضرائب، ليحل مشكلة الإضراب وغلاء الأسعار، ويتوصل معهم إلى نتيجة مُرْضية، إذ يخفض ثمن الخبز من 12مصرية إلى أربع، ويوعز بفتح الأسواق نظير إلغاء بعض الضرائب. ويكون الوالي في نفس الوقت ينفذ مخططه الذكي الخبيث.. إنه يشجع التهامي ـ متعهد الضرائب، وسليل إحدى الأسر التي عُرفت بورعها وتقاها ـ يشجعه على الزواج من سَلَمون بعد، أن هام بها وتعلقت به.. وينتج عن هذا الزواج، انتحار الشيخ التهامي الأصغر من فوق مئذنة الجامع، احتجاجا على تصرف أخيه، وغيرة على الدين والأخلاق. ويحرك هذا الحادث مشاعر الناس جميعا، فيوعز الوالي إلى قاضي القضاة، ليصدر فتوى يعتبر بموجبها التهامي الصغير شهيدا.. ويأمر بأن يشيَّع جثمانه بتظاهرة كبيرة، سوف يحضرها هو بنفسه. وبالمقابل يدعو إلى قصره،”الآغا وقاضي القضاة والحسن وسلمون”، إلى وليمة. وأثناء الوليمة يقبض على الآغا قائد جيش الانكشارية، ويأمر الحسن بإعدامه، ويسرح جند الانكشارية، ويأمرهم بالذهاب إلى الحقول للعمل فيها.. بعد أن حل أبناء الفلاحين محلهم في حمل السلاح وحماية الولاية.
أمّا سَلَمون، فيتفق معها على أن تغادر هي وسائر بنات الخطأ سوق الخيل ـ وهو المكان الذي اتخذن منه مركزا لهن ـ وأن يذبن في الحواري والبيوت، يعملن بالخفاء، ويوعز للحسن بأن يحرق سوق الخيل كله. وبعد ذلك يأمر ببناء مسجد يحمل اسمَه، في المكان نفسه.
وفعلا تنفذ كل هذه الأمور، ويمتص سنان باشا نقمة الناس، ويقمع الفتنة في مهدها، ويملك ناصية الأمور في ولايته. وعندما تحاول امرأته أن تتدخل في أمور الدولة، فتوزع ذهبا على الجند ورؤوس القوم لتكسبهم إلى جانب زوجها، بدافع من الحرص عليه ومساندته في الأزمة، لا يرضى عن عملها، ويزيلها من طريقه ـ كحاكم ـ بأن يطلقها. لقد قرر أن يرفض كل ماضيه “لأنه صمم على الحكم، ليس من أجل الولاية ولا السلطان، بل لكي يعيد الأشياء إلى طبيعتها لا أكثر.. معركة قاسية لن ينتصر فيها إلا إذا كان وحيدا منفردا “(1).
وقد ضمن وقوف القوة إلى جانبه مستقبلا، بأن زوَّج ابنته فاطمة إلى الحسن، بعد أن شعر بحبه لها. وهكذا وضع سنان باشا يده بحزم، على كل مقاليد الأمور في ولايته، وثبت كيان الدولة، متجاوزا كل العقبات، منطلقا من نظرة واقعية جدا للأمور.. ومكنته خبرته في الحياة، وتجاربه السابقة، وإطلاعه على سِيَر الحكام والملوك ومشاهير الرجال.. من التغلب على أقسى الأزمات وأصعبها، بأقصر السبل وأسرعها، من دون أن يوقعه الخوف والاضطراب في ارتباك، يفوِّت عليه الاستفادة من الفرص المواتية.
إن شخصية سنان باشا كما، صورها صدقي إسماعيل، شخصية مسرحية فذة، تستطيع أن تتحكم بكل شيء من حولها، وتضفي عليه ظلها. وفي المسرحية، إلى جانب هذه الشخصية، شخصيات غنية أخرى، مثل الحسن، والآغا، وسلمون، وبهية.. ولكنها تبقى جميعا، أدنى من شخصية سنان باشا.
إلا أن الغريب في هذه المسرحية ـ التي أصاب صدقي إسماعيل جدا، عندما وصفها، بأنها قصة تاريخية في حوار مسرحي ـ الغريب فيها، أن الشخصيات، رغم غناها، ورغم انطلاقها من يد المؤلف عندما تعبر عن ذاتها، لم تستطع أن تعطينا عملا دراميا متكاملا. ويعود هذا إلى أن المؤلف كان يقطع عليها الطريق، بين لوحة وأخرى من لوحاته الست في أيام سلمون.. إذ كان يجبرها على أن تتجمد، وتبقى بانتظاره، ريثما ينتهي من سرد وقائع تاريخية، بأسلوب ممتع وعميق، ولكنه غير مسرحي. وعندما تعود هذه الشخوص لتتحرك في اللوحة التالية، يكون خط الترابط بين اللوحتين، قد بُتِرَ أو عَرَاه الوهن.
أمّا الحوادث المصورة في اللوحات الست، فنشعر بأنها نتيجة لتتبع المؤلف لشخصية واحدة، هي شخصية الوالي سنان باشا، وتركيزه عليها، على حساب قدرة الشخصيات الأخرى على الحركة والعطاء، وعلى المشاركة في صنع الحدث وتطويره والتصاعد به. كنت أحس، أن بعض الشخصيات خُنِقت رغبتها في أن تتقابل في لوحة، تمليها طبيعة تكوينها وعلاقاتها مع بعضها، وصراعاتها المعلنة أو الخفية.. وأشعر أن تمردا عملاقا يدفعها إلى أن تعلن عن وجودها فوق خشبة المسرح.
إن شخصية الآغا، وشخصية الحسن، تربطهما وحدة الأضداد، وكان يمكن أن تتقابلا، لأن هناك كثيرا من الأمور والأشياء بينهما يجب أن تُصفى، ولكن ذلك لم يحدث. وكذلك الأمر بالنسبة لسَلَمون والحسن، وسَلمون والآغا.. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث أيضا. نعم إن المؤلف كان يتابع سرد قصة تاريخية، هي قصة سنان باشا، ويركز على بطلها.. ولكنه وهب هذا البطل، الوالي كل شيء، وسجل معظم خطواته، وأهمل العناية ببناء الحدث الدرامي في مسرحيته.. بينما كانت كل مقومات البناء الجيد متوافرة: الموضوع، والشخصيات، والحوادث، ووحدة الأضداد، وكل شيء.
وفي مسرحية أيام سَلمون، أحسست بمهارة صدقي إسماعيل في الاختفاء خلف الشخوص، على عكس حاله، في مسرحيته “سقوط الجمرة الثالثة”. وأحسست بقفزة نوعية في غنى اللوحة المقدَّمة، وعمق معاناة الشخصيات، في أثناء أدائها.
في أيام سلمون، تحس بغنى الإنسانية عند صدقي إسماعيل، وتحس أيضا بأن شخوصه مثقلة من الداخل، بهموم لا يفصح عنها كل الكلام الذي تقوله.
إن عمق معاناة شخوصه، واستبطانها لألمها، أشبه ما يكون بمعاناة شخوص تشيخوف. ويحس القارئ بأن جوهر الصراع، وأكثر الأمور الحاسمة في الدراما، تتم خارج خشبة المسرح.. ولذا فهو يُحرَم من معايشتها، ومن مرافقة مراحل تصاعدها وإنجازها، ويكتفي بإخباره عنها، أو برؤية نتائجها مجسدة. فسنان باشا، كان يخطط بينه وبين ذاته، ويصدر أوامره بتنفيذ عمليات صغيرة أمام المُشاهد أو القارئ .. ولكن مراكز التقاء محاور خطته، كانت تبقى في داخله، لا نرافقه في اللهفة عليها، ولا في الأزمات التي يتعرض لها.. إنه يطلعنا على تفكيره، بعد أن ينتهي كل شيء تقريبا، وبصورة عرضية، حين يقول:
“صحيح أنني أبادر بإعطاء الأمر، بعد تفكير وتأمل.. ولكنني لا أفعل أكثر من توضيح ما يحدث بالضرورة.. أن يُستبدل الفلاح بالجندي والجندي بالفلاح، وتُلغى ضريبة لكي تتضاعف أخرى، وتُعد جنازة من أجل شاب تقي، لكي يدفن أيضا انكشاري مهووس بسفك الدماء.. كل هذا يحدث بالضرورة، وأمور كثيرة أخرى سوف تحدث في حينها “(1).
إن هذا الإعلان من الوالي سنان باشا، جاء متأخرا وعرَضيا، وقد حرمنا، نتيجة إخفائه عنا.. من مشاركته أحاسيسه، في أثناء تعرض أجزاء من خططه للانهيار، وحين تسير في طريقها، لأن تكلل بالنجاح. إن التوتر الذي توفره مرافقة قارئ العمل المسرحي أو مشاهده، لمراحل إنجاز الأفعال أو المهام التي تسعى الشخصيات لإنجازها، إمّا تحقيقا لجزء من خطة أو عرَضا، حيث يشكل إنجازها مقدمات لأفعال جديدة..هذا التوتر، من شأنه أن يوفر التشويق الذي يكفل متابعة المشاهد أو القارئ لما يجري، بكل حرص وانتباه، مانحا ذاته للمشاركة بالحدث، فاتحا أبوباها للتفاعل مع النص، والعرض المسرحي .. وهذا أمر مهم، يحرص عليه الكاتب المسرحي.. لأنه عندما يتحقق يستطيع أن يصل بهما، إلى وجدان المشاهد، وأن يبث فيه ما يريد من أفكار وأحاسيس، ويستطيع أن يضمن فعالية لما يريد أن ينقله للقارئ أو المشاهد، كما يضمن تحقيق هدفه، في القدرة على تغيير الإنسان من الداخل، والمساهمة في تكوينه.
أمّا لغة الحوار في هذه المسرحية، فلغة غنية بمحتواها، وقوية في بنيتها اللغوية. وتكاد بعضُ الجُمَل فيه، تثقُل على النطق السهل بها، على خشبة المسرح.. كما أن هناك مقاطع حوار طويلة، في مواقف كثيرة، تُفقِد الحوار المسرحي رشاقته وحيويته. وهناك شبه غياب للمحاورة السريعة المتوترة. ويغلب على نفَس الحوار الطابعُ العقلي الهادئ للشخصيات، وتبرز فيه روية الشخص المتكلم وحنكته وأناته، ووزنه لما يقول. ويُظهر الحوارُ بجلاء، بعدَ النظرة والذكاء لدى الشخص المتكلم..
وتبقى مسرحية أيام سلمون قطعة أدبية راقية، أكثر منها قطعة مسرحية حية، تعيش على خشبة المسرح عمرا مديدا. ويظهر فيها نضج الكاتب، الفكري والأدبي، سواء في محتوى النص، وتوجهه الفكري الاشتراكي، أو في الأسلوب واللغة اللذين حملا هذا المحتوى، وأوصلاه لنا.
ملاحظات عامة حول مسرح صدقي إسماعيل:

مما سبق أستخلص بعض الملاحظات العامة، التي أعتبرها بمثابة ملامح، تساهم في بلورة صورة أو رؤية، حول مسرح صدقي إسماعيل، وأضعها في المقاطع التالية:
١ ــ الحادثة في مسرحه بسيطة، ولا يعيرها المؤلف كبير اهتمام، كما أنه يهمل تطويرها، إلى درجة تبلغ حد الضعف أحيانا.
٢ – أكثر شخصياته تعاني من عمليات قمع شديدة، مارسها هو عليها. بعضها يعاني من الداخل، ولكنها تحجم عن التصادم المُعلن الذي يؤثر في توتر الحدث ونمو الصراع المسرحي. ويعود كل ذلك إلى أن المؤلف لم يحرر شخوصه من أسار شخصيته، ولم يجمع بينها فيما يسمى في فن الكتابة المسرحية “وحدة الأضداد”.
٣ – لغته متينة قوية وعميقة، وجُمله غنية، مثقلة بالمعاني والأفكار، وتتمتع بقيمة أدبية عالية. إلا أن حواره، بصورة عامة، يفتقد إلى رشاقة الحوار المسرحي وحيويته، ويميل إلى الطول، ويشوبه الاستطراد، وتكثر فيه مقاطع المناجاة أو الحوار الذاتي “مونولوج”.
٤ – يوظف شخصياته لنقل تأملاته الخاصة، ويجعلها تدخل أحيانا في محاورات فكرية، لا تمت إلى تكوينها الفني بصلة. ويظهر استعباده لشخوصه، وتمركز كل الحوادث حولها، بحيث لا يقوم في وجه هذه الشخصية أي مناهض يستحق الذكر.. فبطله وحيد على الحلبة تقريبا، ولذا لا يخلق عنصر الدراما بالشكل المطلوب..
٥ – أفكاره واضحة وعميقة، وتطغى على سائر المقومات الأخرى للمسرحية، وتنبع من صدق معاناته للواقع، كشخص له موقف محدد من هذا الواقع، وله رؤية وطريقة لإصلاحه.
٦ – يهتم بالجيل الجديد اهتماما ملحوظا، ويعلق عليه الأمل بالخلاص، ويحمِّله مسؤولية التغيير ومهمته، ويجعله مصدر القوة والقدرة. ويتجلى في اهتمامه بالشباب، إيمانه بحتمية التطور والتقدم. وشخصياته، مثل ماجد في “سقوط الجمرة الثالثة”، وعمار وسلمى وفاروق في “عمار يبحث عن أبيه”، والحسن في “أيام سلمون “.. تدل على ذلك وتؤكده.
٧ – في مسرحه، نجد أنفسنا أمام تحليل للواقع، من خلال معطيات تتوافر في شخصيات المسرحية، ولا نجد أنفسنا أمام واقع درامي، مصنوع ليقنع ويمتع. كما لا نجد أنفسنا أمام صانع قصص و”حواديث”، مشوّقة ومسلية.
٨ – مواضيعه مستقاة من الواقع السياسي والاجتماعي للوطن العربي، وخاصة القطر العربي السوري من بين أقطاره. ويتجلى في نصوصه، إيمانه بالشعب وقدرته على العطاء، وبحقه في تقرير مصيره وصنع مستقبله. كما نلمس، بما لا يدع مجالا للشك، وقوفه إلى جانب جماهير الكادحين، ومناداته بإقامة المجتمع العربي الاشتراكي الموحد.


تاريخ النشر: 28 أبريل,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/257547

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014