الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / الباحث خالد الخروصي : صناعة الكتاب من الحرف والصناعات المندثره تمامًـا وسلاح الجو السلطاني العماني يسعى لإحيائها
الباحث خالد الخروصي : صناعة الكتاب من الحرف والصناعات المندثره تمامًـا وسلاح الجو السلطاني العماني يسعى لإحيائها

الباحث خالد الخروصي : صناعة الكتاب من الحرف والصناعات المندثره تمامًـا وسلاح الجو السلطاني العماني يسعى لإحيائها

حوار ـ جميلة الجهورية :
كشفت الأمسية السنوية لسلاح الجو السلطاني العماني والتي أُقيمت مؤخرا بنادي الشفق عن الادوار الريادية التي يقوم بها السلاح ليس فقط على مستوى نشر مظلة الأمن والأمان على ربوع الوطن والمساهمة في التنمية الشاملة للبلاد بل تعدى ذلك ليشمل حفظ التراث والثقافة وصون مقدرات التاريخ العماني.. وتجلى ذلك من خلال سعي السلاح بإنشاء قسم الوثائق والمحفوظات التاريخية وهو الأول من نوعه في وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة الذي قام بدور كبير في إحياء إحدى اقدم الحرف والصناعات التي عرفها التاريخ العماني ألا وهي صناعة الكتاب العماني التي كانت من الحرف المنسية حتى وقت قريب..وحرص السلاح ومن خلال المعرض المصاحب للامسية على محاكاة هذه الحرفة وعرض هذا التراث والصناعة التي اقترنت بصناعات اخرى مرتبطة بجميع مراحل صدور الكتاب العماني القديم، كالصناعات الجليدية (الدباغة) والنحاسية (الصفارة) والورق (الوراقة) والخيوط (الخياطة) والأحبار (الحبارة)…

الباحث التاريخي المقدم الركن جوي خالد بن سليمان بن سالم الخروصي ضابط قسم الوثائق والمحفوظات التاريخية بسلاح الجو السلطاني العماني الحاصل على درجة الدكتوراة في التاريخ من إحدى الجامعات البريطانية العريقة يحدثنا اكثر عن تلك الصناعة وعن الختم العماني الذي نادى إلى حفظه وتوثيقه عالميا كهوية عمانية خالصة وإبداع عماني فني تراثي رفيع.
في البداية يشير “الخروصي” : إلى أنهم حرصوا على عنونة مشاركة قسم الوثائق والمحفوظات التاريخية في المعرض بعنوان “صناعة الكتاب في عمان” وذلك لكونها من الصناعات المندثرة تماما في السلطنة، تسليط الضوء عليها.. وقال : حرصا من المسؤولين واهتمام اللواء الركن طيار مطر بن علي بن مطر العبيداني قائد سلاح الجو السلطاني العماني تم إحياء هذه الصناعة ومحاكاتها حرفيا تقديرا للقدماء فالسلطنة بلد قديمة تاريخيا، وهي بلد مئة ألف مخطوطة، كما كان العمانيون مبدعون يكتبون مخطوطاتهم وفق مواردهم المتاحة الطبيعية وقادهم إبداعهم إلى تطوير صناعة الورق والمداد ودباغة الجلود والختم عليها.

مراحل صناعة الكتاب العماني
وعن المراحل التي مر بها الكتاب العماني تحدث الباحث التاريخي عن نوعية المواد المستخدمة والتي استدل عليها من بعض الكلمات والعبارات التي تضمنتها بعض المخطوطات وقال : عن طريق دراسة بعض الإشارات الواردة في بعض المخطوطات العمانية القديمة بالإضافة إلى تحليل ودراسة المحتوى المادي للمخطوط العماني القديم تم الاستفادة من الجمل والعبارات التي وردت في المخطوطات القديمة والخاصة بصناعة الكتاب في عمان والتي تشمل صناعة الورق وصناعة المداد والدباغة والختم العماني.
واضاف: حيث أن صناعة الورق اولا كانت تصنع من جذع النخيل ومن الليف واوراق شجر الموز، وكانت تجفف ثم يضاف لها الملح الصخري ثم تطبخ بطريقة خاصة ضمن مراحل لا تخلو من التعقيد لكن في النهاية يتم صنع الالياف ويتم تلوينها بألوان طبيعية وبعد تلوينها يتم صناعة الورق..وبعد صناعة الورق بهذا الشكل يتم تقطيعه وفق حجم الكتاب ويتم صنع قالب كرتوني يتم تسطيره بالخيوط السميكة بعد ذلك يتم وضع الأوراق عليه وكبسه بمكبس قديم، فتنتقل علامات الخيوط في الورق، وبذلك تكون الكتابة مستوية وذات مقاس واحد لجميع صفحات الكتاب لكي تكون الكتابة غير مائلة، وجاهزة التسطير.

المداد في السلطنة
واستعرض خالد الخروصي المرحلة الثانية في صناعة الكتاب وهي صنع المداد في عمان والتي تتم باستعمال “الهباب” محليا يُعرف بالحلق أو الحلى وهي الماده السوداء التي تعلق بطناجر الطبخ اثناء عملية الطبخ على الاخشاب، ايضا الفحم الحجري المعروف بالصخّام، وحبر الحبار، وكذلك “النوى” وهو لب التمر أو الرطب، أو باستعمال أكسيد الحديد، والتي تستخدم جميع هذه المواد كلا على حِدَةٍ لصناعة نوع واحد من هذه الأحبار، بعد ذلك يتم خلطها مع مثبت لتثبيت الكتابة حتى لا تختفي من الاوراق بسهولة مع تعرض الورق للحرارة والرطوبة والضوء، وكان الكاتب “الوراق” العماني القديم يقوم باستعمال الصمغ العربي أو ثمار شجرة “العفص” المتواجدة في شمال عمان، الى جانب ثمره ” الجاو في لغة الباطنة أو “المبو” في لغة الداخلية كونها مواد صمغية وتعتبر مواد لزجة ويتم خلطها بطريقة فنية وبمقادير معينة تضاف عن طريق ميزان حساس لخلط المقادير وطبخها في النار ليكون بعدها المداد جاهز للكتابة ليلازم ذلك صناعة الأقلام التي يتم تصنيعها من الاشجار البرية المحلية المتواجدة في أودية عمان وعلى ضفافها، ويتم تهذيبها لتتناسب مع نوع الكتابة وحجم الخط ونوعه.
واشار إلى ان مرحلة الدباغة والتجليد التي تعقبها مرحلة الختم هي من المراحل المهمة للغاية والتي يتم فيها خياطة الكتاب بالخياطة العربية القديمة حيث يتم خياطة الكتب ذوات الصف “الحجم” الصغير والمتوسط بالخياطة العربية والكتب ذوات الصفح الكبير بالخياطة المتصالبة، واستخدام الملازم عن طريق الخياطة العربية وتحبيك الكتاب بالحبكة العمانية، والهدف منها تثبيت الملازم الورقية من أطراف الأوراق لكي لا تنثني، وكذلك ختم الكتاب تجليده يتم بجلد الماعز الذي لا يتأثر بعد دباغته لانه الجلد الوحيد الذي لا يتمدد او يتقلص بعد الدباغة لتغير الطقس بين شتاء وصيف، ويتم ختمه بختم الزخرفة، حيث أن الاقدمين كانوا لا يكتبون عنوانا للكتاب في الخارج الا انهم كانوا يميزوه بالزخرفة، للدلالة على هويته.

الختم العماني في الكتب المخطوطة.
أفاد الباحث التاريخي المقدم الركن جوي خالد الخروصي أنه كتب بحث حول صناعة الكتاب العماني بعنوان ” الختم العماني للكتب المخطوطة ” وهو عبارة عن اثبات ودليل ان هذا الختم هو زخرفة عمانية خالصة بالإضافة إلى خمسة كتب تاريخية أخرى مطبوعة.
وطالب الباحث التاريخي خالد الخروصي من منبر “الوطن” تسجيل تلك الهوية للختم العماني والتي هي من ضمن توصيات الكتاب في اليونيسكو، وقال: لانها زخرفة عمانية ابتكرها الانسان العماني لتكون هوية لكتبه المخطوطة وتشير إلى كثرة المتون، كما تشير إلى ذوق رفيع وفن كبير وإتقان ومهارة، ووجود بيئة وبنية تحتية للعديد من الصناعات والحرف والمهن النحاسية والجلدية والورقية وغيرها، هذا بالإضافة إلى تشجيع حكام الأمة على صناعة الكتاب، كما يدلل وجود الختم على تقدير الكتاب من قبل الأمة وعراقتها، وتطور صناعة الكتاب، وانتشار الفن العماني، والاهتمام بالعلم، ورقي التفكير، وكثرة التآليف ورقي الذوق الفني وانتشار الفنون. وهذه الزخرفة لا تتواجد إلا في الكتب العمانية المخطوطة فقط على مستوى العالم، فهي هوية عمانية، ويشير إلى أن اختام الكتب المخطوطة في العالم الاسلامي عددها خمسة والختم العماني يعتبر السادس، وقال: كما في الجزيرة العربية لا يوجد ختم إلا الختم العماني فقط.وأوضح انه في بحثه للختم العماني للكتب المخطوطة حلل جميع الاركان الخاصة بالزخرفة وماذا تعني هذه الاركان لكل شكل من اشكال الزخرفة ودلالات كل من الدرع والسمكة والشمس وغيرها من التشكيلات.
واشار انه قام بدراسة وتحليل مستفيضة حول ذلك ، وقال: حيث قام الانسان بزخارف بديعة للغاية، وهي اشارة الى ان هناك صناعات جلدية في عمان وصناعات نحاسية وكذالك فنون وعلوم وكثرة متون وجميعها تعطي مؤشرات كثيرة.

سلاح الجو واهتمامه الثقافي
وأكد خالد الخروصي ان المعروض عكس نتاجات حديثه للخامات المستخدمة لمحاكاة صناعة الكتب في السلطنة لقسم الوثائق والمحفوظات التاريخية بسلاح الجو السلطاني العماني والذي يقوم به لتوفر الخبرات وخصوصا خبرات الختم العماني القديم التي نأمل ان تنتشر هذه الصناعة الثقافية التاريخية فائقة الاهمية ويتم احيائها كجزء من الهوية الحضارية للسلطنة.
وحول اهتمام سلاح الجو بالوثائق التاريخية والموروث الثقافي أشار إلى إلتزم السلاح بإحياء التاريخ والتراث الثقافي والذي جاء من استقراء التاريخ نفسه وقال: حيث بالعودة إلى التاريخ نجد قادة عمانيين وقادة عسكريين كان لديهم اهتمام كبير بالموروث الثقافي وكانوا علماء ومفكرين في نفس الوقت، فمن خلال استقراء التاريخ العماني وجدنا انه فعلا في التاريخ العماني ان القادة العسكريين لديهم اهتمامات ثقافية كبرى، لذلك توجد لمنتسبي وزارة الدفاع وقوات السلطان المسلحة عموما وسلاح الجو السلطاني العماني خصوصا اساهمات ثقافية كبرى ويتجسد ذلك من خلال انشاء قسم الوثائق والمحفوظات التاريخية بالسلاح في منتصف عام 2006م قبل انشاء أي مؤسسة آخرى تعني بالوثيقة في السلطنة وتم جمع اكثر من ستة ملايين صورة تاريخية وخمسة ملايين وثيقة لها قيمة تاريخية بالسلطنة من ضمنها صور تعود إلى عقد السبعينيات القرن الماضي لأكثر من عشرين ألف صورة جوية لكم هائل من الوثائق والصور ذات القيمة التاريخية الكبيرة للسلطنة، حيث قام معالي السيد بدر بن سعود بن حارب البوسعيدي الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع بافتتاحه عام 2013م.

مساهمة في الحراك
واضاف “الخروصي”: لقد ساهم اهتمام السلاح في الحراك الثقافي للسلطنة والحراك التراثي والتاريخي ويجسد ذلك مساهمة قسم الوثائق بالسلاح من خلال هذا المعرض الذي يعطي مؤشر على الاهتمام ومدى الخبرات التي وصل اليها منتسبوا القسم بشكل عام وخاص سلاح الجو في اكتشاف صناعة الكتاب العماني القديمة وتسليط الضوء على هذا المجال الذي ظل فترات من الزمن منسي والذي لم يأتي من فراغ، بل جاء بعد دراسات مستفيضة للمخطوطات العمانية التي لها بنيتها المادية والمعنوية واهميتها الفائقة.
اشارات ومرجعيات فائقة الاهمية
عن اهم هذه المخطوطات والمراجع التي عاد اليها الباحث يقول : هناك على سبيل المثال العلامة الكبير عبدالله بن زياد البهلوي رحمة الله عليه وكذلك العلامة الكبير ابي نبهان جاعد بن خميس الخروصي كذلك اشارات للمحقق سعيد بن خلفان الخليلي العلامة الكبير المشهور وكذلك نور الدين السالمي الذي وجد لهم الباحثون بعض الاشارات التي تناول فيها المخطوطات والتجليد العماني وغيرهم الكثير من الاسماء التي كانت تشكل مرجعية لاشارات كثيرة من المهم جمعها واصدارها في كتاب الامر الذي يعد ابرازها شي فائق الاهمية كونها تمثل اضافة فنية للتراث العماني لان الكتب الفنية قليلة في السلطنة للختم العماني للكتب المخطوطة ولذلك هي فائقة الاهمية لانها تفسر كيف القداما طوروا هذه الصناعة وكيف كان الانسان العماني عجلة كبيرة تستوعب صناعات كثيرة مستخدمه الموارد الطبيعية، والذي منها وصلوا لهذا المستوى المتقدم.

الختم العماني باليونسكو
ويختتم الباحث التاريخي المقدم الركن جوي خالد بن سليمان بن سالم الخروصي ضابط قسم الوثائق والمحفوظات التاريخية بسلاح الجو السلطاني العماني حديثه بأمنيه في أن يتم حفظ الختم العماني وتسجيله في اليونيسكو وقال: اتمنى أن يسجل الختم العماني كإرث عماني خالص لحمايته من العبث والسرقة لأنه ارث وجهد الاباء والاجداد على مر السنين، ومن شأن هذا الاكتشاف أن يعزز في الأجيال الحالية الثقة بالنفس ويساعدها على معرفة أكبر لتراثها العريق وتاريخها القديم وعلومها المختلفة وفنونها المبتكرة، ومساهمة علمائها ومفكريها ومبدعيها، فهي من أهم الذخائر وخلاصة تجارب فنية أبدعتها الأنامل السابقة لأجداد حفزتهم المعرفة، وصقلتهم التجارب، وخبرتهم الأسفار.

إلى الأعلى