الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / أزديون عُمانيون في البلاط العباسي

أزديون عُمانيون في البلاط العباسي

كان لقبائل الأزد العمانية دورا في حركة الفتوح الإسلامية منذ مطلع القرن الهجري الأول. ثم كان استقرارهم بالبصرة – شأن غيرهم من القبائل العربية- حيث تحولت من مركز للجند إلى مدينة مزدهرة، عامرة بالأنشطة الثقافية والفكرية. لم يقتصر نشاط الأزد على البصرة، بل انتشروا في مختلف أرجاء العالم الإسلامي ومدنه كبغداد والموصل، بالإضافة إلى بلاد الشام وبلاد فارس ومكة المكرمة.
أسهم الازديون بدور كبير في صياغة التاريخ الأموي ولعل في الدور الذي قام به أفراد أسرة المهالبة في العصر الأموي لدليل واضح في هذا المجال. ولكن كما يقال لا يجتمع شيفان في غمد فقد كان للنجاات التي حققها المهلب وابنه يزيد في حركة الفتوحات والتصدي للخوارج أن أشعر رجل بني أمية ” الحجاج ” بخطورة تعاظم هذا الدور، فلم يكن أمامه إلا ازاحة يزيد عن الواجهة السياسية، فأقنع الخليفة بعزله وسجنه. ورغم عودته للعمل السياسي في عهد سليمان بن عبدالملك ، الا ان عودة يزيد لم تكن بألق سابقتها. وانتهت بنكة حلت بالمهالبة في عهد يزيد بن عبد الملك. وبعد وقعة العقر لم يعد لآل المهلب دور في الحياة السياسية حتى سقوط الخلافة الأموية سنة 132هـ749م.
بعد أن تولى بنو العباس الحكم، لم نجد للأزد نفس الدور السياسي الذي لعبوه في عصر الدولة الأموية، فقد كان دورهم محدودا في إدارة بعض أقاليم الدولة مع بدايات قيام الدولة، وخاصة في عهد الخليفتين أبي العباس السفاح وأخية المنصور، فالأمير روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي (ت184هـ800م) ولّيَ عدة وظائف للخليفتين أبي العباس السفاح، وأبي جعفر المنصور: فقد تولى بلاد السند، ثم البصرة. وولّى الخليفة أخيه يزيد بن حاتم بلاد المغرب، فلما مات يزيد، بعث الرشيد روحًا على المغرب سنة إحدى وسبعين، فتولاها ثلاث سنين
وفي الوقت نفسه، فقد ربطت آل المهلب علاقة طيبة مع بلاط دار الخلافة، فكانوا من جلساء الخلفاء والحاضرين مجالسهم، خاصة بعد الشهرة العلمية التي نالها عدد كبير من علماء الأزديين في البصرة وغيرها من الأمصار، فكان شعبة بن الحجاج الأزدي (ت165هـ781م) من جلساء الخليفة المهدي، والذي وهبه ثلاثين ألف درهم، فقام بتوزيعها لأصحابه الذين قدموا معه بغداد. وكان أبو محمد مخلد بن الحسين الأزدي ت192هـ807م ممن يحضر مجالس الخليفة هارون الرشيد.
أما محمد بن عباد بن حبيب المهلبي ( ت216هـ831م) فقد اشتهر بالجواد حتى عُرف بحاتم زمانه. ولما وصلت أخباره إلى الخليفة المأمون، وكان يفكر في توليته بعض الولايات، إلا أنه امتنع عن ذلك خوفا من إسرافه، فلما استدعاه إلى مجلسه قال له: أردت أن أوليك، فمنعي إسرافك. فرد ابن عباد: مَنْع الجود سوء ظن بالمعبود. فقال المأمون: من أراد أن يكرمني، فليكرم ضيفي محمدا. مات وعليه خمسون ألف دينار، ولما مات قالوا: متنا بموته، وهو حيُّ بمجده
واشتهر الفقيه سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي (ت242هـ856م) حتى صار من أعلم أهل القرن الثالث الهجري. هذه السمعة دفعت الخليفة المأمون إلى استدعائه أيضا إلى بغداد حتى صار أحد جلساء مجالسه العلمية. وكان لعلمه وحضور جوابه وتَرفُعِه عن الصغائر أن جعلت الخليفة يسمح له بعقد مجالسه العلمية على مقربة من قصره، وكان الخليفة يحرص على حضور تلك المجالس من شرفة قصره. ومن صور إجاباته التي نالت إعجاب المأمون أن كبير المعتزلة ببغداد ابن أبي دؤاد أراد إحراج الشيخ، فقال: نسأل الشيخ مسألة – وكان سليمان مدركا لمرماه من ذلك- فأجاب: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس ولا تزري بالمسؤول فسل. فهابه الجميع ، فما نطق أحدهم حتى قام. وهذا ما دفع المأمون أن يوليه قضاء مكة.
وكان الفقيه نصر بن علي بن نصر الأزدي المعروف بالجهضمي الصغير (ت250هـ864م) من جملة الحاضرين لمجالس الخليفة المتوكل. دخل مجلس الخليفة يوما فسمعه يمدح الرفق، فقال الجهضمي يا أمير المؤمنين: أنشدني الأصمعي:

لم أر في الرفق في لينه
من يستعين بالرفق في أمره
أخرج العذراء من خدرها
يستخرج الحية من جحرها

فأعجبت الخليفة فنادى أحد كتّابه:” الدواة والقرطاس، فَاكتُبها”.
تأثر الجهضمي سلبا بإجراءات الخليفة المتوكل التي اتخذها ضد المعتزلة والشيعة، فقد نقل حُساده للخليفة أنه يرى رأي الشيعة بعد أن حدَّثت بحديث في فضل الإمام علي وابنيه الحسن والحسن رضي الله عنهم، فحبس وضرب، ولم يشفع له إلا تدخل بعض المحدِّثين الذين أخبروا الخليفة بصحة عقيدته، وأنه من أهل السنة والحديث، فعفى عنه
كما أسلفنا فإن الأزديين لم يعد لهم ذلك الدور في الحياة السياسية والإدارية في عصر بني العباس، لكنهم ولما عرفوا به من علم ومعرفة وخاصة في علوم الحديث والفقه وهي العلوم الأساسية التي تؤهل العالم إلى تولي منصب القضاء، لذلك نجد عددا ليس بالقليل من الأزديين ممن تولى القضاء، منهم: الفقيه سليمان بن حرب بن بجيل الازدي، ولاه المأمون قضاء مكة المكرمة سنة 214هـ839م واستمر به إلى سنة 219هـ834م
وتولى قضاء بغداد إسماعيل بن اسحاق بن اسماعيل الأزدي البصري المالكي (ت282هـ896م) وكان له الفضل في نشر المذهب المالكي ببغداد. وقد مكث في قضاء بغداد اثنتين وعشرين سنة، وولي قبلها قضاء الجانب الشرقي منها.
ونال سليمان بن حرب الحظوة عند الخليفة المعتضد بالله حتى أن الخليفة كتب إلى وزيره يوصيه بإسماعيل ابن إسحاق:” استوص بالشيخين الخيرين الفاضلين خيرا: إسماعيل بن إسحاق وموسى ابن إسحاق، فإنهما ممن إذا أراد الله بأهل الأرض عذابا صُرف عنهم بدعائهما”. ولاه المعتضد منصب القضاء بمدينة بغداد مدة اثنتين وعشرين سنة.
وتولى القضاء الفقيه أبو محمد يوسف بن يعقوب الأزدي البصري (ت297هـ909م) والذي وصف بأنه:” كان من أعبد أهل زمانه ببغداد”. كان ثقة، صالحا، عفيفا، مهيبا، سديد الأحكام، ولي القضاء بالبصرة وواسط في سنة ست وسبعين ومائتين، وضم إليه قضاء الجانب الشرقي من بغداد. ثم أضيف إليه قضاء واسط، وبعدها نقل ليتولى قضاء بلاد فارس والتي مات بها.
وشهد القرن الرابع الهجري تولي بعضا من أفراد أسرة المهلبي منصب قاضي القضاة الذي يعد من أعلى المناصب الدينية في دولة الخلافة العباسية. فقد أسند الخليفة المقتدر بالله قضاء القضاة إلى أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن اسماعيل سنة 317هـ 929م، بعد أن كان يتولى قضاء مدينة المنصور والجانب الشرقي من مدينة بغداد. وصفه الخطيب بقوله:” وأبو عمر محمد ابن يوسف في الحكام لا نظير له عقلا وحلما وذكاء، وتمكنا واستيفاء للمعاني الكثيرة باللفظ اليسير، مع معرفته بأقدار الناس ومواضعهم، وحسن التأني في الأحكام، والحفظ لما يجرى على يده”. وتولى منصب قاضي القضاة أيضا أبو نصر يوسف بن عمر بعد والده سنة 305هـ917م، وكان من أجود القضاة ورعا حاذقا بالأحكام”، وبقي يتولى القضاء إلى أن عُزل في عهد الخليفة الراضي.
وتولى منصب قاضي القضاة أيضا يوسف ابن قاضي القضاة عمر ابن قاضي القضاة أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب، بن إسماعيل ابن حافظ البصرة حماد بن زيد الأزدي (ت356هـ966م). ولي القضاء وله عشرون سنة، وكتب بالقضاء إلى نوابه بمصر والشام، ودام أربع سنين، ثم صُرف عن المنصب ليتولاه أخوه الحسين
بالمقابل نجد أن بعضهم زهد في المناصب حتى لو كان القضاء، فهذا الفقيه نصر بن علي بن نصر الأزدي المعروف بالجهضمي الصغير (ت250هـ864م) امتنع عن تولي القضاء للخليفة المستعين، فقد استدعاه أمير البصرة لإبلاغه برغبة الخليفة في توليته، فسأله إمهاله ليلة ليستخير، فعاد إلى منزله وصلى ركعتين ، وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني. فمات من ليلته.

د. محمد عبدالله القدحات
قسم التاريخ جامعة السلطان قابوس
qadahat@hotmail.com

إلى الأعلى