الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: صناعة المؤثرين الوطنيين في منصات التواصل الاجتماعي، ترف أم ضرورة؟

في العمق: صناعة المؤثرين الوطنيين في منصات التواصل الاجتماعي، ترف أم ضرورة؟

د. رجب بن علي العويسي

في ظل عالم رقمي يفرض حضوره على كل الكيانات البشرية، ويدخل في عمق الأمزجة الإنسانية، ويؤثر في صياغة الواقع بمختلف مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ويبرز صورته بما يتوافق مع رغبات المسيطرين على مصادره وثرواته وموارده، دون أي اعتبار لهويات الشعوب وخصوصيتها وسيادة البلدان على أراضيها، وما ارتبط به من تنامي ظهور المؤثرين الذين وجدوا في شبكات التواصل الاجتماعي طريقهم للتأثير على الشعوب وإدارة مسارات التفكير لدى الشباب واتجاهاتهم نحو قضاياهم المختلفة.
لقد استدعى تنامي ظاهرة المؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي البحث عن سيناريوهات بديلة، تعكس أنموذجا آخر أكثر اتزانا ووعيا ومهنية واحتراما للمبادئ الإنسانية السامية وأخلاقيات الشعوب، في نوع هؤلاء المؤثرين وسماتهم الشخصية ومساحات التميز والتفرد فيهم، لذلك لم تعد مسألة البحث عنهم من السهولة بمكان، خاصة إذا كان الهدف منهم نقل رسالة وطنية وتأصيل ثقافة وقائية داعمة للإنسان، وبناء وعي اجتماعي عال، وزيادة فقه الشباب بالعديد من القضايا التي باتت تشكل هويتهم، لتبنى معايير اختيارهم على مواصفات شخصية تحمل روح الهدف وضمير المسؤولية وتؤسس مساحات اكبر لمنظومة القدرات والاستعدادات والملكات التي يتميزون بها ويتفوقون فيها، والالهام الفكري والنفسي والسيكولوجي الذي يؤهلهم لقبول الجمهور واحتوائه وزيادة رصيدهم من الاعتراف الاجتماعي.
ومع الاعتراف بأن واقع المؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي تسوده حالة من الفوضى اللاأخلاقية والسلوك الهمجي الذي يفتقر لمسارات التصحيح والتقنين وحسن التوجيه بما نتج عنه من تضييع للهويات والمبادئ وانعدام لروح المسؤولية والثقة وأخلاقيات الضمير، ليعيش العالم في ظلالها تناقضات فكرية وتذبذب معرفي وإفلاس أخلاقي وحالة من الترقب والخوف التي تنتزع مفهوم الخصوصية، لتصّور التقنية وشبكات التواصل الاجتماعي في صورة الوحش المفترس الذي ينتظر الضحية، عبر حالات الهكر والابتزاز الالكتروني، واتساع التحديات الفكرية والثقافية وانتشار التغريدات والشائعات والترويج للأفكار التي باتت تستهدف زعزعة الاستقرار وعرقلة البنيان، فإن عالما يعيش هذه التناقضات بحاجة اليوم إلى المؤثر الواعي،صاحب الرسالة الإنسانية الواعية، والمشروع الحضاري الذي ينقل إنسانه إلى شواهد إثبات واقعية تبرزها منصات الوئام والسلام، يحتوي الآخرين بصدق شخصيته وعمق تفكيره وإيجابية حديثه وسمو منهجه وصلابة مبدأه وقوة حضوره بين الناس، وطريقة طرحه للموضوعات وأسلوب تناوله لها،بكفاءة ما يطرحه وقدسية ما يعبر عنه، واتزان من يتحدث إليه أو يناقشه، فيربح أعداداً متزايدة من الجمهور الفاعل والمتفاعل على حساباته وصفحاته، لتتقارب مساحات الاختلاف ويجد الجميع في صفحته مكانا للتنفس بوعي وهدوء وأريحية.
لقد سعت بعض الأنظمة السياسية والاقتصادية والشركات والمؤسسات إلى استقطاب المؤثرين وتجييش العالم الالكتروني والدخول معهم في شراكات عمل تتجه بإنجازاتهم نحو خلق تحول في التعامل مع كل التوجهات التي تسعى لتحقيقها أو الرسائل التي ترغب في ايصالها أو السلوك الذي تؤكد عليه وتحذر منها، والمنهج الوقائي الذي يمكن أن يبني في الجمهور روح المسؤولية والالتزام والحرص، ومع أن كثيرا منها قد أنسلخ من أخلاقياته ولبس ثوب التفاهة ونشر الاحقاد وتضليل الحقائق، إلا أنها ظلت في موقع المؤثر الذي يصفق له الجميع بدون وعي، ومعنى ذلك أن صناعة المؤثرين لم تعد اليوم ترفا فكريا في الأوطان الناشئة أو بذخا مؤسسيا في المؤسسات الساعية للتنافس الواعي، بقدر ما هو استثمار لفرص التقنية وتوظيف لحلولها في مواجهة التحديات، فإن توظيف العالم المفتوح بشكل يفوق التوقعات ويؤسس لمرحلة متقدمة في صناعة المؤثرين وتعميق منهج الريادة الأخلاقية والفكرية لديهم ، سوف يصنع فارقا في طريقة تأثيرهم ومحتواه وآلياته ونطاقه، ليشمل من هم في الاختصاص وغيرهم، وأصحاب الأذواق أو التيارات الفكرية الأخرى، لتصبح المواجهات والاخلاقيات والسلوك القيمي والرصيد المعرفي الذي يمتلكه، منطلق لإعادة هندسة التغيير عبر مشاركاته السريعة والمتواصلة مع الجمهور وما يطرحه في حساباته الشخصية من موضوعات وحقائق وينشره أو يعرضه من صور أو فيديوهات أو غيرها.
ومعنى ذلك أن عملية صناعة المؤثرين تتطلب اليوم محددات تشريعية وضبطية تضعها الدول في هذا الشأن لتستمر عملية التأثير بصورة متوازنة في تعاملها مع كل الفئات والمواقف، إنها صناعة شخصية وطنية قادرة على الإلهام والتأثير والاحتواء والدخول في واقع الشباب فيتفاعل معها ويجدد التزامه بها ويؤسس بيئة عمل متفردة داعمة تنقل هذا التأثير إلى سلوك الجمهور وفكرهم، فتصنع القدوات وتهذب السلوك وتؤسس للأخلاقيات التي تبرز في قوالب عمل راقية تنشد الحب للوطن والإخلاص له والتقدير لمنجزه والاحترام لكفاءته والمهنية في قراءة تاريخه وتراثه وفلسفة عمله وسياساته ومبادئه وأخلاقه وقيمه.
من هنا تأتي أهمية وجود إطار وطني لصناعة المؤثرين الوطنيين الذين يحملون شرف الانتماء للوطن وأخلاق الإنسان الواعي ومنهج التربية السليم وروح التوازن الفكري والإعلاء من القيم الايمانية واستقطاب القدرات التي تبرزها المنصات الفضائية بطريقة تضمن قدرتها على التأثير الإيجابي. ليكون نتاج تأثيرها انعكاسا لهذه الروح المتناغمة مع مبادئ الحق والعدل، المتوافقة مع الحياة السامية ومنجياتها الراقية وعطائها الممتد، وهو التحدي الذي يجب أن نضمن فيه النجاح والتفوق والمنافسة في ظل انتشار ظاهرة المؤثرين السلبيين والغوغائيين والمستبيحين للأعراض والمشوهين للقيم والأخلاق والمسيسين في شبكات التواصل الاجتماعي، فكانت لهم الغلبة في تصدرهم للمشهد الاعلامي، فيؤثرون في مجتمع الشباب بما يستخدمونه من أساليب ويروجونه من وصفات، في ظل تراجع صارخ لدور العقلاء والحكماء والمتخصصين والشرفاء، فإن مواجهة عملية السرقة للتأريخ العماني والتراث الوطني ومحاولات التشويه التي يتعرض لها،والابتزاز أو مصادرة الفكر وتضليل العقول وإشغال الشباب بالنقاش والجدال حول سيادته الوطنية؛ يضعنا أمام مسؤولية الاحتفاء بالمؤثرين العمانيين في منصات التواصل الاجتماعي والتوسع في تكوين قدرات عمانية مخلصة ودعمها واحتوائها، بما يضمن تحقيق معادلة التوازن في القوى الفكرية المؤثرة بطريقة تضمن التزامها معايير التأثير والاحتواء العمانية القائمة على المصداقية واحترام المبادئ والثبات عليها.

إلى الأعلى