الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / السلام الواهم “الملف الكوري الشمالي أنموذجا”

السلام الواهم “الملف الكوري الشمالي أنموذجا”

محمد بن سعيد الفطيسي

”في مقال لي تحت عنوان: الملف النووي الكوري الشمالي ونقطة اللا عودة والمنشور بصحيفة الوطن العمانية بتأريخ 9/اكتوبر/2017م اشرت حينها إلى بعض النقاط اختصرها في التالي: ان كوريا الشمالية اصبحت تملك الأسلحة النووية وهذه النقطة تجعلها في موقف القوي والمفاوض صاحب الكلمة الاخيرة, وهو امر يقلص الخيارات والأوراق الرابحة التفاوضية لكل من الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الجنوبية واليابان…”

هل يعني التقارب الأخير بين رئيس كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية يوم الجمعة الموافق 27/4/2018م ان هذا الملف المليء بالأحداث والاضطرابات والتعقيد قد اوشك على نهايته؟ وان القمة الكورية الأخيرة كما وصفها الإعلام الكوري الشمالي ستدشن عصرا جديدا للرخاء والسلام والمصالحة بين شطري شبه الجزيرة الكورية! ام ان هذا اللقاء لن يزيد عن كونه فصلا من فصول دراما الحرب الباردة بين الكوريتين برعاية بعض حملة الكبريت وزيت التدفئة لهذا الشتاء القارص؟ الأيام المقبلة وحدها ستكون الشاهد على بقية المسلسل الكوري الطويل, والذي انطلقت اول حلقاته في العام 2006م مع اول التجارب النووية الكورية الشمالية.
في مقال لي تحت عنوان: الملف النووي الكوري الشمالي ونقطة اللا عودة والمنشور بصحيفة الوطن العمانية بتأريخ 9/اكتوبر/2017م اشرت حينها الى بعض النقاط اختصرها في التالي: ان كوريا الشمالية اصبحت تملك الأسلحة النووية وهذه النقطة تجعلها في موقف القوي والمفاوض صاحب الكلمة الأخيرة, وهو امر يقلص الخيارات والأوراق الرابحة التفاوضية لكل من الولايات المتحدة الاميركية وكوريا الجنوبية واليابان فكيف بفكرة فرض القوة عليها؟! يضاف إلى ذلك ضعف الغطاء السياسي والقانوني الدولي لأي تصرف اميركي من شأنه المبادرة بحسم الملف بالقوة العسكرية وهو جانب يضعف موقف الأطراف الثلاثة كذلك في مواجهة كوريا الشمالية! بالإضافة إلى نقاط اخرى يمكن الرجوع إليها في المقال السابق.
على ضوء ذلك وجدت ان اقرب وجهة نظر واقعية يمكن طرحها حيال نهاية هذا الملف هي انه قد تم حسمه لصالح كوريا الشمالية. وبمعنى اخر“ انه قد وصل إلى نقطة اللا عودة”. فحتى وان لم يتم الاعتراف القريب بكوريا الشمالية كدولة نووية في شبه الجزيرة الكورية, فإنها كذلك كائنة بفرض الامر الواقع, وسيعترف بها على المدى المتوسط بالتدرج نظرا لشلل الحلول السياسية والعجز العسكري الكامل وانعدام الخيارات الواقعية القابلة للتطبيق لكبح جماحها), في وقت لا تملك فيه كوريا الجنوبية أو اليابان أي اسلحة نووية, وهنا نطرح الأسئلة التالية: ما الذي يجعل من كوريا الشمالية تتخلى عن الأسلحة النووية لصالح السلام في شبه الجزيرة الكورية, وبالتالي تخليها عن اهم اوراق القوة لديها في مواجهة متربصين اخرين بها كالولايات المتحدة الاميركية؟ وما هي الضمانات التي يمكن ان تحفظ لها استقرارها وسيادتها بعد ذلك, في وقت تؤكد فيه الولايات المتحدة الاميركية كل يوم انها ليس بالضامن أو المتعهد الصادق باتفاقياته الدولية. واكبر دليل على ذلك الاتفاق النووي مع ايران.
وقد وضحت حينها ان هذا الملف وفي ظل سيناريو الاستمرارية التفاؤلية ودون تدخل بشري يمكن ان يحسم خلال السنوات المقبلة بطريقة مرضية لكل من اميركا وكوريا الجنوبية واليابان في حال وفاة الرئيس الكوري الشمالي وانتقال السلطة الى رئيس جديد يتعاطى مع الملف النووي من وجهة نظر أميركية غربية بتفكيك الاسلحة النووية الكورية الشمالية, مقابل مساعدات مالية ودعم اقتصادي, وفي احسن الأحوال وضع تلك الأسلحة تحت الوصاية الصينية الروسية في حال تم رفض تفكيكها من قبل الرئيس القادم), ولكن بكل تأكيد ليس هناك من ضمانات تؤكد ان البديل لن يكون رئيس كوري شمالي اكثر تشددا وتعقيدا، وهو ما تخشاه الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها في اليابان وكوريا الجنوبية.
كما ان الأمر المهم الآخر والذي اجد انه سيظل القلق الذي يمكن ان يثير هذا الملف بشكل مرعب وخطير بين الحين والآخر. هو مساعي بعض الأطراف لتأجيج المخاوف بين كل من كوريا الشمالية من جهة وكوريا الجنوبية واليابان من جهة اخرى. ومن ابرز تلك الأطراف الولايات المتحدة الأميركية نفسها التي يرتفع قلقها كل يوم من امتلاك كوريا الشمالية لمحركات الصواريخ الباليستية التي يمكن ان تصل يوما ما بالأسلحة النووية الكورية الشمالية إلى اراضي الولايات المتحدة الأميركية. بالتالي لا اتصور ان امام الولايات المتحدة الأميركية من خيار آخر غير الإسراع إلى نزع الأسلحة الكورية الشمالية بشكل كامل, أو تغيير نظام الحكم في هذه الأخيرة لصالح وجود زعيم اقل تشددا تجاه هذا الملف .
يضاف إلى ذلك وجود مخاوف حقيقية أخرى من اطراف داخلية في كوريا الشمالية نفسها من الرافضين لتخليها عن السلاح النووي”. وبالتالي ستدفع تلك الأطراف في حال تخلى الرئيس الكوري الشمالي عن الأسلحة النووية وهو احتمال ضعيف جدا, إلى سيناريوهات خطيرة في الداخل الكوري. من جانب آخر معاكس. وربما يبرز التصعيد من قبل الأشخاص الذين يختلفون من الزعيم الكوري الشمالي حول العديد من الملفات, كملف تعامل الرئيس الكوري الشمالي مع قياداته السياسية والعسكرية, او ملف العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية والتي جعلت من كوريا الشمالية دولة ضعيفة من الناحية الاقتصادية. ما يمكن ان يدفع إلى حدوث انقلاب داخلي يزيد من حالة الفوضى في الداخل الكوري, الأمر الذي سيجعل الأسلحة النووية الكورية الشمالية معرضة لخطر السيطرة عليها من قبل متشددين او متطرفين من جهة. أو موالين للولايات المتحدة الأميركية من جهة اخرى, وفي كلا الحالتين لا شك ان ذلك سيرفع من حالة الاضطراب والفوضى في شبه الجزيرة الكورية.
باختصار، هذا اللقاء وان بدا ايجابيا وتم التفاؤل به من قبل بعض الأطراف الدولية، الا ان قادم الأيام ستظهر انه كان مجرد لقاء لتحسين وتلطيف الأجواء المتوترة, قد تبدا معه تراجع بعض الأنشطة المعادية بين الكوريتين ولكن لفترة قصيرة ربما لن تتجاوز العام 2019م . بسبب ارتفاع سقف الشكوك والارتياب وانعدام الثقة بين اطراف هذا الملف, خصوصا في حال عدم قبول كوريا الشمالية تفكيك اسلحتها النووية. وفي احسن السيناريوهات يمكن القول ان هذا الملف قد ينتهي في حال قبلت كوريا الشمالية وضع اسلحتها النووية تحت الوصاية الروسية الصينية.

إلى الأعلى