الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م - ١٣ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر: النخلةُ .. زادٌ وأيُّ زاد…!!

بداية سطر: النخلةُ .. زادٌ وأيُّ زاد…!!

د/ خلفان بن محمد المبسلي:
حظيت النخلة منذ الأزل باهتمام كبير، حيث تعد من أقدم الأشجار ثمرا في العالم، فهي تسمى عند العرب شجرة الحياة في المناطق القاحلة، لما تتسم به من ديمومة الخضرة في أوراقها (الخوص) وطول العمر، حيث تعيش ربما اكثر من قرن من الزمن، ولا ريب ان العرب تربطهم علاقة حميمية مع النخلة وتأثير ذلك الارتباط على الحضارة الإسلامية والعربية، إذ ذكرت النخلة في الكتاب الكريم ووردت كذلك في الأثر حيث تحتوي التمرة على عناصر غذائية مفيدة للإنسان.
فالنخلة هي الميراث الذّي توارثتها الأجيال وأحاطتها بما تستحقّ من عناية ورعاية .. حافظ عليها آباؤنا مقتدين في ذلك أجدادنا، الذّين غرسوها شجيرات، وربّوها متحمّلين ما تقتضيه التّربية من تعب وعناء ومشقّة، وكانوا لا يفارقونها إلاّ وقت وجيز، إذ كانوا يبيتون قربها لأنهم يأكلون من خيرها ويستظلون بظلها، وكان لهم في ذلك طقوس يحتفون بها ويحتفلون بمجئ ثمرها وبقطفها ويستبشرون بموسم طلعها المتلوّن، ورطبها المتعدد، الذّي يبرز للمُشاهد أينما اتّجه، سواء في المزرعة أو البيت أو الشارع.
ولحسن الطالع لا تخلو من النّخلة دار، لأنّ الكلّ يدرك قيمتها الرّمزيّة والماديّة والغذائيّة، والكل يعلم بالإرث أنّ خلف قامتها الطويلة جمالاً ولذة، هكذا كان وضع النّخلة في قديم الزّمان.
ولكن من تأمّل في حالها اليوم، ودقّق النّظر في تعاملنا معها في حياتنا اليوميّة، سيصيبه ضرب من خيبة الأمل، رغم إجماعنا على أهميّة هذه الشّجرة في ثقافتنا العربيّة والإسلاميّة.
ترى بعضنا لا يتردّد في قطع النّخلة لإقامة جدار أو ما دونه قيمة .. ومنهم من لا يهمّه غير جني الثّمرة، فلا يسقيها ولا يشذب ما ذبل من أغصانها لتظهر في ثوب جميل، وإنّما يترقّب موسم الجني ليقطف الغزير من ثمارها، وإن كان المتوفّر دون المنتظر أبرز غضبه، واتّهم النّخلة بالعقم، واستنبط الحجج لقطع أصيلها. يا للعجب! ولهذا بقيت في ذهني عديد التساؤلات: من الذي يرعى النخلة في أيامنا الحالية؟! ومن يفسل صرمها ويحافظ على بقائها..؟!.
إنّ جميع المؤشرات تدلّ على قلة الاهتمام بالنخلة لدى الجيل الحالي، فالنّخلة اليوم باكية على أطلال تلك الأيام الخوالي التي حافظت فيها على هيبتها وصمودها، قبل أن تصبح بلا راع يرعاها..!! وحتّى القلّة الذّين يضحّون من أجلها اليوم جلّهم متطفّلون على عالمها، فترى بعضهم يرعاها لكن بطريقة غير ما عرف لدى الآباء، فيسمدها بطريقة خاطئة ويسقيها دون ترتيب يذكر، ويقطع سعفها بأبشع الصور ويتصور أنه خبير بأمورها ليصدق عليه المثل القائل:(ليس كل من فحم وجهه قال أنا حداد)، فيعتقد أنها للزينة أو كشجرة النارجيلة، ومن يظن ذلك بالنخلة ولا يبالي بها فكيف الاطمئنان إليه؟ علاوة على ذلك الأسى الذي تعيشه النخلة وما زاد الحال عناء والنار هشيما هو ندرة المياه وقلتها، وهو ما جعل النّخلة في خطر يحدق بها ويضعها في مأزق لا تستطيع الخلاص منه، فكم من أشجار نخيل ماتت بسبب الإهمال عنوة والاعتماد على الوافد الذي لا يعلم عنها شيئاً، وكم منها مات بسبب شحّ المياه، والآن تتواصل في الموت بسبب جهل الجيل الحاضر بها متناسيا أنها خلقت له وأخشى أن يأتي يوماً لن تنالوا برّها..!!
لقد أودع الله في النخلة خيراً كثيراً وذكرها في كتابه الحكيم مخاطبا السيدة مريم بنت عمران ـ عليها السلام:(…وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً) صدق الله العظيم، فرفقاً بالنخلة اسموا بها وحافظوا عليها، فإنّها زاد وأيّ زاد؟!.
*dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى