الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: حالة الرضا والذكاء الروحي

رحاب: حالة الرضا والذكاء الروحي

تظهر الدراسات النفسية أن حالة الرضا هي منتهى حاجات الإنسان ودوافعه واعتبرها ابراهام ماسلو مرحلة تحقيق الذات، وهي حالة روحانية تمثل ذروة سنام النضال في الحياة. كما تؤكد جميع الديانات بأن حالة الرضا هي ثمرة السير إلى الله بكل الطرق واعتبرها بعض الفلاسفة والحكماء غاية التفكر والتأمل والمجاهدة. وصنف بعض العلماء منزلة الرضا كموهبة وقدرة توهب للإنسان بالفطرة أو بالكرامة، بينما اعتبرها آخرون حالة نفسية روحية مكتسبة، يحققها الإنسان بالسير إلى الله والرياضة والمجاهدة العقلية والنفسية والجسدية. ونظر اليها فريق ثالث على أنها استعداد فطري قابل للتدريب والتطوير. وحالة الرضا في ديننا الإسلامي تأتي عندما يستكمل المسلم أضلاع مثلث الركن الأول الأول من أركان الإسلام؛ وهي الرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ومن اجتمع عقله وقلبه وحواسه وجوارحه على هذه المقتضيات وعمل وفقا لها يصبح مؤهلا للإرتقاء إلى درجة الصديقين. وتقتضي منزلة الرضا بالله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان متصلا بالله في جميع أحواله، يستمد منه النور الذي يوسع ادراكه ويزيد من وعيه الكوني ويحرره من قيود الزمان والمكان، ومن الضغوط العارضة التي تفترسه عندما يضعف اتصاله بالله سبحانه وتعالى. عندما يتذوق الإنسان حالة الرضا، يتحرر تماما من أسباب القلق والخوف وتزول من أعماقه جواذب الشح والأنانية والكراهية والحقد والحسد. وهنا تتحرر فاعليته العقلية والنفسية والروحية، وينطلق بلا خوف أو تردد وتتفجر طاقاته وعبقريته ويشهد مرحلة ( أوج العطاء) الذي يتخطى المألوف ويتجاوز القيود التي يضعها مرضى فوبيا المستحيل ممن يرددون( هذا صعب، وهذا ليس ممكنا، و خليك واقعي).
الذين يشعرون بالرضا يتسمون بسمات تجمع خصائصهم النورانية والأرضية، ويعيشون للآخرين ويتحررون من الأنانية، ويتمتعون بالصحة النفسية بدرجة تحقق لهم منزلة” النفس المطمئنة”.
عندما تنتشر هذه الحالة النورانية في بيت أو مؤسسة أو مجتمع ما، فإن الخير يعم ويتحقق الإزدهار ويعيش الناس حالة الوفرة و الرخاء، ويتخلصون من الإمساك والإملاق ويؤمنون بأن ما عند الناس ينفد وما عند الله باق. من هنا فإن الذين ييبلغون منزلة متقدمة في سلم الرضا يجسدون سمات الذكاء الروحي التي أضافها علماء النفس إلى أنواع الذكاءات الأخرى، وجعلوا من بين العلامات الدالة عليه؛ تطور الوعي بالذات والوعي بالكون والتسامي والإلتزام بالأخلاق والمثل، وقبول الناس على اختلاف مستوياتهم وقناعاتهم والتواضع بلا ضعف، ومساعدة الناس والاستقامة الأخلاقية وقوة البصيرة و التواصل مع الحدس. تظهر ثمرات هذا الذكاء في التعامل الحكيم مع الشدائد والمحن وشكر الله على كل شيء والتخلص من الأثرة والأنانية، والشعور بالشفقة والحنو والرحمة والمحافظة على البيئة والعيش في اعتدال والحفاظ على الموارد، والتحلي الخلق والنظافة واحترام الأنظمة والقوانين.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى