الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / فشل الحاكم المسؤول… ودوره في الدولة

فشل الحاكم المسؤول… ودوره في الدولة

كاظم الموسوي

” كتب الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين (1927-1996) في مقاله الأول المنشور في كتابه: شرعية السلطة في العالم العربي، كتب عن تعرفه بالصدفة على الملحق الصحفي في سفارة اليابان في القاهرة، في بداية عمله الصحفي، وعرف منه أنه يحضر دروس اللغة العربية في ثانوية المنيرة، وهو دبلوماسي، فاقترح عليه أن يدرس اللغة في مكان آخر انسب له، فقال له اعرف ذلك ولكني مطالب أن اتقن اللغة العربية لترجمة مقدمة ابن خلدون إلى اليابانية. ”

في صورة وصلتني عبر وسائل التواصل فيها الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك يقرأ صحفا في غرفة فارهة تطل على حديقة، وواضح أنها في مستشفى في بلد أوروبي سافر إليه للعلاج. ومعها تعليق ظريف، هو الأهم هنا. طبيب التخدير يسأل الممرضة عن الرجل، فتجيبه، بأنه رئيس مصر لثلاثين عاما، علق عليها بأنه رئيس فاشل، فردت عليه كيف تقول ذلك وأنت تسأل عنه ولا تعرفه، أعاد وشرح لها، بأن رئيسا يحكم ثلاثين عاما ولم يستطع بناء مستشفى يعالج هو فيه وأبناء شعبه فهو حتما فاشل. في هذا الموضوع أو عنه بمعنى من المعاني يتحدث الشيخ عبد الفتاح مورو ((1948 في خطبه التي وصلتني لقطتان منها، في الأولى يجيب على سؤال قدمه بنفسه: ماذا قدمنا نحن المسلمون إلى العالم؟!، يشير إلى ما يحيط به ويلبسه( من غطاء رأسه إلى حذائه) ومنشأه دون أن يجد أية حاجة أو منتوج من صناعة دول عربية أو إسلامية. فكلها من صناعات دول غربية وآسيوية، مستوردة منها، ولم تنتج بلداننا أبسط الأشياء، أو ما يمكنه الاعتناء به من صناعات ومنتوجات وطنية. والثانية يهتز غضبا على تأخر العرب خصوصا في التعلم ومصادره وسبله الواقعية. فلا الهندسة ولا الطب وامثالهما التي يرسل الأبناء الى الغرب لدراستها كافية أو معبرة عن التقدم والتطور، حسب رأيه، ويضيف انها توفر موظفين خدميين لا يقودون الشعب والبلاد، وليس لهم صلة بالفكر الذي يخطط وينظم القيادة والبناء والتقدم، متناسين أهمية العلوم الإنسانية في ذلك ودورها في التخطيط والتطوير. وكأنه يريد القول بأن الحضارة تبنى بتوافق المسارين، الإنساني الاجتماعي المعنوي والتقني العلمي المادي، وليس بأحدهما، وهذا هو ما حصل ويحصل في التاريخ والحاضر والمستقبل. كلتا اللقطتين انتباهة إلى قضية أساسية في مسؤولية الحاكم المسؤول ودوره في التقدم والتنمية، بحكم وظيفته ومهمته وواجبه. الصورتان عن الرئيس المخلوع مبارك أو خطب الشيخ مورو (المحامي والقيادي في حركة النهضة في تونس) تتحدثان عن مسؤولية الحاكم ودوره، وتفضح الفشل في الإدارة والتخطيط والتنمية، الذي يعرقل ويؤخر، فلا يطور المجتمع ولا يخدم التقدم والتحول والبناء. وهي وقائع قاسية عن أوضاع متدنية تعكس التخلف والفساد والظلم والتدهور الاجتماعي والاقتصادي وتداعياته عموما. مما يعني أن أية مقارنة بين هذه البلدان وأخرى مثلها وحتى أدنى منها، في ثرواتها وخيراتها وطاقاتها، ليست بصالحها. إذ تطورت البلدان الأخرى وتقدمت بشكل ملفت ومدهش، بينما بقيت بلداننا متأخرة عنها، إذا لم تكن في نهاية قوائم وتسلسل البلدان في كل المستويات والمواضيع التي تتنافس بها البلدان في العالم.
كتب الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين (1927-1996) في مقاله الأول المنشور في كتابه: شرعية السلطة في العالم العربي، كتب عن تعرفه بالصدفة على الملحق الصحفي في سفارة اليابان في القاهرة، في بداية عمله الصحفي، وعرف منه أنه يحضر دروس اللغة العربية في ثانوية المنيرة، وهو دبلوماسي، فاقترح عليه أن يدرس اللغة في مكان آخر أنسب له، فقال له أعرف ذلك ولكني مطالب أن أتقن اللغة العربية لترجمة مقدمة ابن خلدون إلى اليابانية. وأضاف الراحل أن هذه الواقعة الحية لم تبرح ذهنه أبدا. فكتاب المقدمة لابن خلدون من أهم الكتب في علم الاجتماع، ولم تكتف اليابان بالاطلاع عليه بلغات أخرى، أرادت أن تطلع عليه بلغتها اليابانية. وهذه إشارة واضحة لجهد الحاكم المسؤول ورؤيته للعلم والاجتماع والتقدم والبناء، ولهذا أصبحت اليابان كما هي اليوم، خلال عقود معدودة، البلد الذي دخلت مصنوعاته وأخباره كل بيت وشارع وبلاد في المعمورة. وأكد الكاتب أن اليابان وهي تخرج من كبوتها ودمارها بقناعة أن تتطور على كل الصعد، ففي الوقت الذي تتطور في الصناعات لابد لها أن تتوازى في المجالات الأخرى، العلوم الإنسانية، فتدرس المقدمة بلغتها اليابانية. حيث “عرفت اليابان قيمة الكلمة والورقة، كما عرفت قيمة الجهاز الالكتروني الصغير. وبغير هذا ما كانت اليابان لتحرز ما أحرزته من تقدم مذهل.”
الوقائع التي أشرت لها تؤكد أن الأمم تنهض وتتطور حين يسوسها أبناؤها المخلصون فعلا، والذين يحافظون عليها كما يحافظون على حدقات عيونهم، فينظمون إمكاناتها وثرواتها البشرية والمادية لمصالحها العليا، ويبذلون جهودهم في التخطيط والبناء والتقدم على جميع الأصعدة ومختلف المستويات. حيث لا يمكن أن تتطور الشعوب والبلدان بنقل الخبرات والتقنية وحسب، بل فيها وفي توفير البيئات الملائمة لها، المزدانة بالعدالة وحقوق الإنسان واحترام الحريات العامة والخاصة وتطبيق القانون وغيرها مما يهيأ الإنسان، المواطن الصالح، ولا يمكن إنجاز التحولات والعمران دون التغيير المستمر والمتعدد، والتعليم المتواصل والتخطيط العلمي والتنمية المستدامة لصناعة التجدد والتقدم. كما لا يمكن أن تتطور البلدان بلا بناء مصانع ومزارع ومدارس ومستشفيات وبنى تحتية أخرى قادرة على نهضة الشعوب وتحولاتها التقدمية. وفي تجارب الشعوب والبلدان الكثير من الدروس والعبر.

إلى الأعلى