الخميس 17 أكتوبر 2019 م - ١٨ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / خطاب أبو مازن بين التاريخ والواقع

خطاب أبو مازن بين التاريخ والواقع

د. فايز رشيد

”تم عقد المجلس وسط مقاطعة تنظيمات أساسية فلسطينية, على رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التنظيم الثاني في م. ت. ف وحركتا الجهاد الإسلامي وحماس, وتنظيمات فلسطينية أخرى, إضافة إلى الجاليات الفلسطينية في أميركا, وأميركا اللاتينية والكاريبي وأوروبا ! نعم كان بإمكان الرئيس عباس الانتظار فترة شهرين (مثلما طُلب منه) لإجراء اجتماعات للجنة التحضيرية التي عقدت اجتماعها الأول في بيروت, للاتفاق على جدول أعمال الدورة , ”

استمعت جماهيرنا الفلسطينية وأمتنا العربية إلى خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الدورة 23 للمجلس الوطني الفلسطيني,التي انعقدت في مدينة رام الله المحتلة, بانتباه بالغ. وككاتب مهتم في معرفة عدوه ومتابع دائم لما يجري في داخله على مدى نصف قرن, فإن مطلق مستمع للخطاب لا يمكنه سوى الإشادة بنقطتين في الخطاب: الأولى تتمثل في هذا السّرد التاريخي للرواية الصهيونية التضليلية حول “الحق الصهيوني في أرض فلسطين التاريخية”, والذي كتب ضده العديد من الكتاب الصهيونيين في معظمهم أمثال: آرثر كوستلر,شلومو ساند, إيلان بابيه إسرائيل شاحاك وغيرهم , كما أن يهود اليوم لا علاقة لهم بيهود الأمس لا من قريب أو من بعيد (كتب حولها كثيرون ,يهود وغيرهم), كما الأسباب الحقيقية لظاهرة “اللاسامية” التي أوجدت (وفقا للعديدين من الكتاب) بسبب خاصية المماحكة والعنصرية الشوفينية لدى الطوائف اليهودية في المجتمعات التي عاشت بين ظهرانيها. لقد تطرق عباس إلى الارتباط العضوي بين الصهيونية والاستعمار, والمخطط الاستعماري منذ القرن السابع عشر في زرع دولة معادية للعرب وصديقة للاستعمار تمنع وحدتهم وتقدمهم, وتتسم بالعدوانية عليهم. النقطة المهمة الثانية في خطاب أبو مازن ,هي الربط بين القضية الفلسطينية وبعدها القومي العربي والالتحام مع الجماهير العربية.
لكن ما يودّ كاتب هذه السطور تذكير الرئيس (أبو) مازن به, هو التالي (راجيا أن تصله هذه المقالة): أولا, أن قيمة التاريخ تكمن في استعماله خلفية لاستعراض الواقع وإضاءة الطريق أمام كل حركة تحرر وطني تناضل من أجل حقوق شعبها, وإيضاح السبل الكفيلة بانتزاع هذه الحقوق من بين براثن هذا العدو والعمل بها (وهذا الأهم!), فكيف بعدونا الصهيوني الإقتلاعي , الإحلالي, الفاشي في مضمونه؟ للأسف لم يتطرق الرئيس إلى الواقع الإسرائيلي الحالي, المغرق في تطرفه, كما الائتلاف الحكومي الصهيوني الحالي, سوى نتاج طبيعي لهذا التطرف العنصري الذي يفترش هذا الشارع , والمرشح للتفاقم طولا وعرضا. ما لم يتطرق له الرئيس أيضًا الحدود القصوى التي يصل إليها في رؤيته للتسوية (التصفية) للقضية والحقوق الفلسطينية في ظل موازين القوى الحالية, المتمثلة في حكم ذاتي منزوع السيادة والصلاحيات, وسط ست لاءات معروفة لكل الحقوق الفلسطينية, تتفق عليها معظم الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية بيمينها ويمينها (ولا أقول يسارها) فاليسارية على تضاد وتنافر مع الصهيونية.
ثانيا: نود تذكير الرئيس أبو مازن بكل معارك وتجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية, من فيتنام إلى روديسيا وجنوب إفريقيا, ونتساءل: هل وصلت مطلق حركة تحرر وطني في القارات الثلاث من دون نهج الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي في النضال ضد أعدائها؟ هذا مع التقدير الكبير لنهج المقاومة الشعبية السلمية ودورها كسند ورديف للمقاومة والكفاح المسلح. هذا في حالات الاستعمار العادي, فكيف بعدونا الفاشي الصهيوني؟ إن ظروف الاستعمار البريطاني للهند هي غير ظروف شعبنا الفلسطيني, والعدو الصهيوني في طبيعته (كما قلنا) مختلف عن طبيعة الاستعمار البريطاني للقارة الهندية, ولو كان المهاتما غاندي فلسطينيًّا, بالتأكيد كان سيغير استراتيجيته. نذكر أن بيل كلينتون طلب من المناضل نيلسون مانديلا على عتبات البيت الأبيض (بعد تحرير الأخير من سجنه, الذي مكث فيه 27 عاما وزيارته لأميركا) طلب منه أن يوقف حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الكفاح المسلح, وأن يلجأ إلى المفاوضات!, رفض المناضل الاقتراح, وأجاب مضيفه: نتفاوض مع النظام العنصري على قاعدة المقاومة المسلّحة. للعلم, رفض مانديلا مرارا إخراجه من السجن, مقابل وقف الكفاح المسلح ( اقرأ كتاب مذكرات مانديلا, بعنوان :”رحلتي الطويلة من أجل الحرية”) ثم نسأل الرئيس الفلسطيني: لماذا أمر الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات, (بعد توقيع اتفاقيات أوسلو, وتشكيل السلطة الفلسطينية, المناضل مروان البرغوثي بتشكيل “كتائب الأقصى” ؟ الجواب, بالتأكيد, لأنه أدرك تماما حدود العدو الصهيوني للتسوية, وقد حوصر جراء ذلك ثلاث سنوات في المقاطعة, ومُنع من حضور مؤتمر قمة بيروت عام 2002, ورغم اتفاقيات أوسلو ,أعاد شارون اجتياح الضفة الغربية! ألا تتذكر يا سيادة الرئيس؟ .
ثالثًا, تعامل الرئيس عباس مع رام الله كأنها مدينة محررة من رجس الاحتلال الصهيوني, وكأن الفلسطينيين هم من يتحكمون بالمعابر والدخول إلى فلسطين المحتلة! هذا يجافي الواقع! وفي سؤال لكاتب هذه السطور كما غيره من أعضاء المجلس الوطني في الخارج, لمن استفسر من كلّ واحد منهم عن حضوره, كان السؤال: “هل تضمنون عدم اعتقال الإسرائيليين للداخلين؟ أجاب المعنيون: كلا, فهذه إسرائيل!. ثم في الوقت الذي يطلب الفلسطينيون بمن فيهم السلطة الفلسطينية عدم التطبيع مع دولة الكيان الصهيوني, يضطر الضيوف العرب والأجانب ممن حضروا جلسة افتتاح الدورة إلى الدخول عبر وضع الأختام الإسرائيلية على جوازات سفرهم, فهل السلطة مضطرة إلى هذا التطبيع الإجباري والمجاني؟
رابعا, وهي النقطة الأهم, تم عقد المجلس وسط مقاطعة تنظيمات أساسية فلسطينية, على رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التنظيم الثاني في م. ت. ف وحركتا الجهاد الإسلامي وحماس, وتنظيمات فلسطينية أخرى ,إضافة إلى الجاليات الفلسطينية في أميركا, وأميركا اللاتينية والكاريبي وأوروبا ! نعم كان بإمكان الرئيس عباس الانتظار فترة شهرين (مثلما طُلب منه) لإجراء اجتماعات للجنة التحضيرية التي عقدت اجتماعها الأول في بيروت, للاتفاق على جدول أعمال الدورة, كما على تمثيل الإخوة في الفصائل غير الممثلة في م. ت, كما الاتفاق على مكان انعقاد الدورة في عاصمة عربية, باستطاعة كافة أعضاء المجلس الوصول إليها, لتكون بالفعل دورة توحيدية للنضال الفلسطيني, في وقت أكثر ما نكون فيه حاجة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية , التي تتجاوز الانقسام المدمر للمشروع الوطني الفلسطيني وحقوق شعبنا, عدا عن المؤامرة الصهيو – أميركية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال ما يسمى ب “صفقة القرن”, وفي ظل الوقائع الإسرائيلية التي تفرضها دولة الكيان الصهيوني واقعا على الأرض. للعلم, فإن أحد أسباب انتصار جبهة التحرير الفيتنامية, هو في وحدتها, وجمعها للفصائل المقاتلة من اليسار واليمين وصولا إلى التجمعات الكاثوليكية والبروتستانتية, بحيث شملت ما يزيد على 22 فصيلاً.
خامسا, نعم, قالها لي صديق عربي عن بعد “كنت أتمنى لو مت قبل أن أشهد هذا الانحدار”, نعم, إنني أضم صوتي إلى صوتك أيها الصديق, فنحن نشهد زمنا رديئا بكل مقاييسه!. نعم, لقد تعامل الرئيس عباس مع غياب فصائل فلسطينية رئيسية بمنتهى البساطة, وكأن أحدا لم يغب! نسأل سيادة الرئيس, هل تعتبر دورة المجلس الوطني مكتملة؟ ثم نتمنى عليك في خطاباتك تسمية الأسماء بأسمائها! أما بالنسبة للحلفاء الذين يمارسون غير ما يعدون به حلفاءهم, فلعبتهم مكشوفة تمامًا, عمادهم دوما كانت وستظل مصالحهم التنظيمية انطلاقا من حساسية غير مفهومة من تنظيم فلسطيني أساسي, ولقد برعوا (من وجهة نظرهم في لعبة التشويق الإعلامية!) شعبنا دوما بتضحياته يسبق قيادته الرسمية بأشواط كثيرة, والزمن كفيل بمعرفة الموقف الغث من الموقف السمين.. شعبنا الفلسطيني حتما سينتصر.

إلى الأعلى