الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / رمضان مرويات بصرية لعوالم عمانية قديمة

رمضان مرويات بصرية لعوالم عمانية قديمة

النقد الثقافي

مدخل
في البيئات التي يشكّل فيها المنظور الديني جزءا مهما من حراكها الجزئي المخصوص – خلال العام الواحد- بُعدا استثنائيا، سنجد أن تلك المرحلة الزمنية تدخل في إطار جمعي شمولي، يكاد أن يكون متفقا على تفاصيله، ليس من باب العادة أو التلقين، بل من باب استشعار داخلي يبقي المرء في دائرة متصلة بتلك الفترة بما يعبّر عنها من طقوس، سواء كانت طقوسا إيمانية أو اجتماعية أو اقتصادية، في ظل وعي جمعي بالفعل الذي هم منشغلون به ومطبقوه.
هذا ما يحصل فعليا على مستوى شهر رمضان، في البيئة العمانية القديمة، الشهر الذي يحمل في جلبابه سمات خاصة، يتفق معها المجتمع – بحسب وعيه الديني- سلوكا وأفكارا، محوّلا ذاته إلى جزء من منظومة عامة، ولكن ليس بخيار المجتمع، بل وفقا لما يطلبه الشهر ذاته، وبما يحمله في زمنه المعلوم (شهر واحد)، من واقع قدسية الشهر، وسماته الإيمانية بمعناها الإيجابي والتفاعلي والتكافلي، بالمفهوم البسيط للسلوك، وبالسمة العميقة الشعورية التي تنقلها الصورة العامة للتجمع الواحد.
هناك، في البيئة العمانية القديمة، حين كان المجتمع بسيطا، كان ثمة حياة خاصة أيضا، عاشها من عاشها في تلك الفترة، محافظة على جوهر الطقس ومراده العميق، وموحية تصرفات الجمع البشري بأهمية التعايش مع تلك الفترة بمنظورها الذي فهمته، المنظور البسيط والصادق.

ليل أول
مجيء رمضان، في بيئة معزولة عن وسائل الاتصال، ومقطوعة من وسائل التواصل السريعة المألوفة في زمناا الحاضر، تترقب كل شيء بالعلامات، لكون العلامة مكوّنا أساسا في ذلك الزمن، فبها يتم التحقق والإبلاغ، وبها يتم التأكيد، وبها يتم الإعلام، أحيانا عن طريق مدفع، وأحيانا ثانية عن طريق بندقية تشق الأجواء الصامتة، وأحيانا ثالثة عن طريق (طارش) يتم إرساله لتأكيد وإعلام الناس عن قدوم شهر أو ذهابه، وهذا مقرون بالمسافة قربا وبعدا، أو بحسب الأهمية؛ ولهذا فإن الإعلان عن / الإعلام بـ الشهر الفضيل متوقف على تلك العلامات، بخاصة أن هذا الشهر بالتحديد، مع قرينه الآخر ذي الحجة، يتطلبان دقة متناهية في الإثبات أو النفي، من واقع ما يرتبط بالمعلومة من سلوك جمعي يأتمرون به، وهو الصيام أو الأضحية.
ليلة التاسع والعشرين من شعبان، هي ليلة الترقب، فإما ثبوت الهلال، وإما إكمال الشهر، وهنا الترقب يحدث لعدة علامات، مع أن الجميع يكون على أهبة الاستعداد لأحد القرارين، ولذلك يكون ما قبل غروب الشمس ترقب للهلال بصفته علامة أولى أساسية، وفي حال عدم رؤيته يتم انتظار العلامة الثانية، حتى يتم التأكد، تمهيدا لصوم التالي أو إفطاره، وهو انتظار ربما يمتد إلى منتصف الليل أحيانا.
تعاطي الأماكن في البيئة العمانية القديمة – مع هكذا حدث – ليس عاديا، بل هو شعور منسجم مع واجب رباني، والتعامل معه مزيج من البساطة والتعقيد في الوقت ذاته، ومع ذلك يحصل أن الجميع ليس لديه استعدادات أسطورية للمآدب المرتبطة به، بل بكونه وقتا سيكون فيه الجميع على استعداد لسلوك منهج يومي مختلف عما سبقه، طيلة شهر كامل، سواء كان الوقت صيفا أو شتاء، مع عدم الإخلال بمنظومة الالتزامات اليومية للحياة بصفتها موطن كسب عيش.

نهار أول
يحين النهار الأول، مسبوقا بسحور بسيط، ثم صلاة فجر، تعقبها أعمال يومية، يتم تتويجها بقيلولة تسبق صلاة الظهر وتعقبها، وبعد صلاة العصر استعداد لمرحلة الإفطار الأول. جدول عادي في ظاهره، ليس فيه ما يشير إلى سلوك مختلف، فتقريبا هو اليوم العادي في أوقات الفطر، باستثناء غياب الفطور وقهوة الضحى والغداء، لكن ليس الوضع على ظاهره كما يشي الوصف..
الوضع في اليوم الأول، الذي سيكون شبه متكرر طوال الشهر، مبني على نسبة وتناسب، فالحياة تبدأ قبل الشروق، فأصحاب المهن من قبيل (البيادير) و(البنائين) لهم توقيتهم الذي سيقومون فيه بأعمالهم؛ أما الحرفيون ممن يتعاملون مع صناعة السعف ومشتقاته، أو من يشتغل بالحدادة والكير، فهؤلاء أوقاتهم تبدأ من الضحى؛ في حين أن أصحاب (المناداة) على السلع في الأسواق التقليدية، فإنهم يسبقون شمس كبد السماء، ويستمرون إلى ما قبل الغروب، فبعض الاحتياجات التي يوفرها الباعة يقومون بعرضها بحضور جميع من في السوق، مع اختلاف في الأسواق الصغيرة أو الكبيرة، وبحسب المطروح من السلع، سواء كان حيوانات أو رطبا أو تمرا أو احتياجات مواش أو سمنا محليا أو غيرها، بحسب ما هو متوافر، باعتبار أن بعضها سيتم تجهيزه لمائدة الإفطار أو ما بعدها، وبعضه لأيام عديدة من رمضان.
من زاوية ثانية، تعمر مواطن الظلال والمياه بالناس الصائمين، هربا من التعب والإجهاد، والركون إلى التسلية وتمرير الوقت، وهو تجمع يحصل فيه الكثير من أشكال التواصل، ليتم قضم الوقت بالنوم أو لعب (الحويليس) و(أم البقر) و(التوفة)، والمياه الجارية تداوي التعب بترطيب الأجساد من خلال الاستحمام فيها.

حراك الغروب
حراك مختلف يبدأ بعد صلاة العصر، الغروب الأول على الأبواب، والبيوت بما فيها من بسيط الطعام تستعد لتلك اللحظة، الرجال في غالب تصرفاتهم يمكثون في مساجد صلاتهم أحيانا، أو يكملون بعض أعمال لم تنته، أو يقربون ما يحتاج إليه البيت من سوق صغيرة في المكان، أو يذهبون لمكان تجمع يتبادلون أحاديث مختلفة، وروايات متعددة، كلها لتخفيف مفعول الجوع، أو لتهدئة الرأس الباحث عن القهوة المرة لإعادة التوازن إليه.
حراك بسيط بين الرجال لا يتسم بأي فعل استثنائي، مع ملاحظة أن البعض يقضي ما بين العصر والمغرب في مسجد القرية، إما للتأمل أو قراءة القرآن بمفرده أو ضمن حلقة واحدة.
ثمة فئة واحدة من الرجال تبقى في المسجد، ليس على سبيل انتظار موعد غروب الشمس والأذان للذهاب إلى البيت وتناول الإفطار بصحبة الأسرة، بل لتناول الإفطار في المسجد، وهي فئة كبار السن، ومن بينهم إمام المسجد ذاته، تأكيدا على فكرة راسخة، هي أن (الفطرة فـ المسيد أيْوَر).

أيادي البيوت
بيوت بسيطة، متوزعة بين سعف وطين، تسكنها عائلة بمعناها الكامل، أب وأم وأبناؤهما وأحفادهما، يجتمع هذا العدد في بيت واحد، وإن حصل أن كان أحد أو بعض الأبناء مستقل/مستقلون في السكن، فهو في رمضان يفطر في (البيت العود)، بيت الأب والأم، حيث معنى الألفة المتجلية على الرغم من البساطة.
واقع أن البيئات العمانية القديمة ذات تكافل هو متحقق ولا غبار عليه، على الأقل في ما شهدناه عيانا باقيا قبل عقود، لكنه يزداد في رمضان، فأيادي البيوت ممدودة، عبر تبادل مقسوم الإفطار والعشاء، فمأكول الجيران معروف، لأن التبادل قائم، وهو ليس عادة بمعناها التلقيني الصرف، بل محمدة لمن يفعلها، ولا يقبل الجار القريب بغير ذلك، وهو فعل يقود الى مزيد ألفة وسكينة جيرة ولطف تعامل، فالكل أهل وأقارب، والكل بيت واحد.

خاتمة
التوصيف الذي قدمناه هنا لا نقصد به إعادة تكرار، أو تكثيف مشهد، أو افتعال ما لم يكن، بل هو حاصل، ولكن الذي يغيب هو تغييب محاولة المقارنة، بين وجوه الشبه أو الاختلاف مع أزمنة تتفاعل مع موسم واحد، أو حدث واحد، هو شهر رمضان، والصيغة الجمعية التي كانت – على الرغم من بساطتها – قادرة على تحقيق مرئيات عميقة وملفتة باتت تغيب – جوهرا – عن زمننا الحالي ، مع تحققها بكثافة من حيث الشكل.
لم نبحث أو ندرس عالم رمضان القديم باتجاه الجوهر الاجتماعي، بل إن واقع الحياة بمختلف أشكالها – آنذاك – لم نذهب به نحو ما يجعلنا نفرّق بين عالمين في مكان واحد، ومناخين لمكان واحد، وبساطة ذات أبعاد تكافلية متوازنة.
نظن أن الكثير سيفوتنا في البيئة العمانية الرمضانية القديمة، إن لم نقترب قليلا من بيئة تمثلنا جوهرا، وإن اختلفت شكلا.

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى