الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / تَمثُّلات المعتقد في رواية موشكا (الأسطورة، الطقس، القربان، الجن) 2

تَمثُّلات المعتقد في رواية موشكا (الأسطورة، الطقس، القربان، الجن) 2

الأسطورة
من خلال ما سبق ذكره سوف نقوم بتحليل انزياح أسطورة بعل وعناة (1) من خلال الجدول التالي :
يتضح من خلال الجدول المرفق وجود مستويين ؛ المستوى الأول يوضح أسطورة بعل وعناة الرئيسية، والمستوى الثاني يوضح انزياح الأسطورة في الرواية، من خلال قصة بعل صعب وفرجة التي تحوّلت في النهاية إلى عناة عبر سمرم بنت الملك بعل عز ملك مملكة سأكلن؛ لذلك سوف نقوم بتحليل انزياح الأسطورة في الرواية :
- عناة في الأسطورة هي ألهة الصيد والحرب، وقد انزاحت في الرواية إلى فُرجة التي بسببها تعلّم بعل صعب الصيد عندما قرر الهرب وإنقاذها من الموت عندما طلب منه أبوه أن يقتل أخته فُرجة، لأن العرافة أخبرت أباه بضرورة قتلها، حيث اختبأ في منطقة جبلية معزولة عن العالم وحتى يستطيعا العيش فقد اعتمد بعل صعب على الصيد، إذ كانت فُرجة سبب تعلمه، واتقانه استخدام السهم بدقة عالية.
- يعتبر الإله بعل إلهاً للمطر والخصب، في المقابل نجد بعل صعب في الرواية يلتقي سمرم بنت الملك بعل عز التي كانت تنتظر الهام الذي سوف يخرج من البحيرة لتطعمه الخبز ثم يأكلها كأضحية، لكن قبل أن يقع ذلك يأتي بعل صعب ليطلب منها أن تطعمه الخبز، لكنها ترفض في البداية وتخبره بالقصة، ثم يتعهد لها أن يواجه الهام إذا خرج من البحيرة؛ وهذا يقودنا إلى أن الخبز عبارة عن ازياح لمهمة الإله بعل في الأسطورة كإله لخصب الأرض التي تخرج محاصيلها بعد نزول المطر، مما قادنا إلى تسمية الزراعة التي تعتمد على المطر بالزراعة البعلية في ثقافتنا العربية وما زالت تسميتها حتى وقتنا الحالي في المناهج الدراسية العربية؛ لذلك فإن توظيف الخبز في الرواية هو رجوع إلى الأصل.
- انتهى القتال بين الإله بعل والتنين (لوتان) ذي الرؤوس السبعة بانتصار بعل؛ في المقابل يُطلق بعل صعب في الرواية السهم على الهام عند خروجه من البحيرة فيترنّح حتى الموت؛ ولذلك لغة السرد سوف تقودنا إلى تهيئة الأمر لبعل صعب بعد قتل الهام وانقاذ بنت الملك بعل عز ليتحول إلى بطل في مملكة سأكلن، هذا البطل هو صورة الإله بعل في الأسطورة الأوغاريتية، الذي أنقذ مملكة سأكلن من كابوس الهام الذي قضّ مضجع المدينة بأكملها وأخذ أجمل فتياتها قرابين اتقاءً لشره.
- الإله بعل سيد البرق والصاعقة، في حين نجد انزياحها في الرواية من خلال حركة الهام الذي تلقّى سهم بعل صعب مما جعله يضطرب ويرفع رأسه ويضرب به في البحيرة مما جعل الأشياء والأرض تهتز ويشعر بها أهل مدينة سأكلن، وهنا حدث ابتعاد عن الأسطورة الأصلية وطريقة توظيفها، بحكم أن لغة السرد هنا لم تركز على موضوع البرق والصاعقة بشكلها المباشرواعتباره من ممتلكات الإله بعل، لكن الملاحظة الدقيقة وسبر أغوار القصة مؤداها إلى الإحالة للأسطورة الثابتة أو الأصلية، بالتالي وكما تضرب الصواعق الأرض فتؤثر عليها بالحركة فإن ضربة السهم التي ارسلها بعل صعب إلى الهام جعلته يترنح ويضرب في الأرض كما تضرب الصواعق فيها.
- احتدم الإله بعل في معركته الأولى والدائمة مع الإله يمّ؛ أما في الرواية فإن مياه البحيرة ترتفع إلى الأعلى وتنزل بسبب حركة الهام العنيفة من شدة ألم السهم الذي تلقاه من بعل صعب؛ وهنا يمكن أن نرصد الانزياح من خلال اضطراب مياه البحيرة والتي تمثل الإله يمّ في حركته المضطربة وهو في معركته مع الإله بعل، أما سهم بعل صعب الذي سبّب ترنح الهام في البحيرة وحركتها المضطربة يمكن إحالته إلى الإله بعل.
- تستعين عناة بكبير الآلهة إيل ليسمح لهما ببناء البيت، بينما بعل صعب يتزوج سمرم بنت الملك بعل عز ملك مملكة سأكلن حيث تأخذ مكان فُرجة التي تحوّلت وظيفتها؛ ويمكن أن نلاحظ أن عناة استعانت بكبير الآلهة إيل، قبل أن يحجزه إله الموت في العالم السفلي، بينما بعل صعب استعان بالإله سين بعد أن هرب من الموت.
- بعل يستسلم للإله موت، وعناة تهيم على وجهها، تطلب من الإله موت إرجاعه لكنه يرفض؛ وانزياحها في الرواية هو أن بعل صعب يصارح زوجته سمرم بأنه مخصي، فتحزن حزناً شديدا لكنها تساعده على الهرب من الموت، والخصاء هنا يعني القضاء على بعل صعب؛ لأنه إذا ما اكتُشِف أمره فإن مصيره الموت على يد الملك بعل عز؛ وعلى الرغم من أن الخصاء في الأسطورة له دلالات أخرى تتصل بأسطورة أخرى، ليس لها علاقة ببنية الأسطورة الثابتة، إلّا إننا إذا ارجعنا دلالة الخصاء إلى الموت وغياب الخصب فإنه يتوافق مع دلالة موت الإله بعل ثم بعثه مرة أخرى حيث تخصب الأرض وترجع الحياة إليها في الأسطورة الأصلية.
- عناة تقرر مجابهة الإله موت، فتنتصر عليه وتحرر بعل، فترجع الحياة للأرض، وقد حدث الانزياح هنا من خلال قيام سمرم بمساعدة بعل صعب على الهرب من الموت، لكن الإله سين يعيد إليه رجولته فيعود لزوجته وينجب طفلين منها.
- نلاحظ أن كلاً من الإلهين إيل وسين تدخلا للمساعدة؛ لكن نلاحظ أن دور الإله سين وتدخله ينقذ بعل صعب من الموت وذلك بإعادته رجولته وقدرته على إنجاب طفلين، وبذلك يعود للحياة مجدداً؛ بينما كبير الآلهة إيل في الأسطورة الأصلية لا يتمكن من مساعدة بعل من إله الموت ، لتتدخل عناة في معركة مع الموت وتنقذ الإله بعل وتنتشله من العالم السفلي لتخصب الأرض وتعود إليها الحياة.
- حدث انحراف لوظيفة فُرجة ؛ حيث كانت سبباً في ما وصل إليه بعل صعب عندما وقف معها ودافع عنها وهرب بها من الموت، لتتحول ضده وتكون سبباً في معضلته، لتقوم بالدور بعد ذلك سمرم بنت الملك بعل عز.
- ذكر الإله سين يمكن اعتباره إحالة إلى معبودات جنوب الجزيرة العربية قديماً ودورها في تنظيم الحياة الدينية، ومما يؤكد لنا ذلك هو التركيز على الإله سين وذكره عدة مرات في الرواية .
- مدينة سأكلن هي إحالة إلى مدينة سمهرم التاريخية بكل تفاصيلها كما تخيلتها الرواية بعوالمها التي تحركت من خلال السرد ضمن جغرافيتها المتخيلة، باعتبار سمهرم بمينائها موقعاً لتصدير الخيول العربية، واللبان .
إن أسماء الشخصيات لعبت دوراً في إبراز عدة خصائص: أولاً إحالة إلى موقع مدينة سمهرم التاريخية ومينائها، لذلك كان اسم بنت ملك مدينة سأكلن سمرم، حيث هي التي أنقذت بعل صعب وأرجعت إليه خصوبته الذكرية؛ وثانيا إحالة إلى معبودات جنوب الجزيرة العربية التي كانت منتشرة قبل الإسلام، لذلك البطل كان اسمه بعل صعب واسم ملك سأكلن بعل عز، والذي كان منتشرا في جنوب الجزيرة العربية باسم بعل وام (2).
من خلال دراستنا لبنية الأسطورة الأصلية التي انزاحت منها قصة بعل صعب، نلاحظ حدوث انحرافات بسبب التداعي الذي اعترض خط سير السرد، لكننا نكتشف بعد ذلك أن هذا التداعي، وعلى الرغم من أنه يندفع أثناء فعل الكتابة ويعتبر في كثير من الأحيان ضعفاً ، نكتشف أن له وظيفة، وهي الإحالة إلى الجغرافيا والتاريخ التي انطلقت من أحداث الرواية بشخصياتها، حيث جنوب الجزيرة العربية باعتبارها جغرافية أحداث الرواية؛ وقد حدث هذا التداعي عندما دخلت قصة سيف بن ذي يزن على خط القصة الرئيسية.
تعتبر أسطورة بعل وعناة هي الأسطورة التي لمسنا اكتمالها في الرواية مما جعلنا نقوم بتحليلها لنتمكن من اكتشاف أماكن الانزياح.
كما أننا قمنا بتحليل انزياح موشكا عن الأسطورة اليونانية شجرة المرّ في الفصل الثاني ضمن المبحث الأول في دراستنا الشجرة الواهبة. ورجوعاً إلى أسطورة بعل وعناة فإن الانزياح في كثير من المواضع ينحرف عن الأسطورة الأصلية، وهذا إذا ما وجدنا له مبرراً فإن السبب في ذلك يعود إلى حاجة الرواية إلى التركيز على جغرافية وأحداث جنوب الجزيرة العربية وظفار؛ وكذلك تحولات الأسطورة الأصلية من مكان إلى آخر، وتكيّف الأسطورة مع البيئة التي تشكّلت فيها.
يمكن القول أن أسطورة بعل وام كما كانت منتشرة في جنوب الجزيرة العربية قد تكون لمستها تلك الانحرافات عن الأسطورة الأصلية، وحتى نستطيع معرفة الأسطورة الأصلية قبل انتقالها عبر بيئات ومجتمعات مختلفة على مستوى الكرة الأرضية، فإنه لا بدّ من تتبع النسق الأول الذي انطلقت من هذه الأسطورة ؛ وهذه مبحث بعيد عن دراستنا التي نحاول من خلالها تتبع نسق المعتقد الثقافي في الرواية.
—–
المراجع

(1) انظر فراس السواح، لغز عشتار بداية من صفحة 310: يوضح السواح أن مصدره لأساطير بعل وعناة هي ألواح أوغاريت والتي ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ضمن ألواح سميت ألواح بعل وعناة ومرجعها إلى النصوص الكنعانية.
(2) انظر علي أحمد محاش الشحري : لغة عاد ، ط1 ، المؤسسة الوطنية للتغليف والطباعة ( ناتباك ) ، ابو ظبي ، 2000م . وقد تحدث الكتاب عن بعض المعتقدات التي كانت منتشرة في ظفار قديما ومن بينها بعل وام.

فهد مبارك الحجري

إلى الأعلى